من خرّب الحلول… لا يشتكي من النفايات (نداء الوطن 5 تشرين الأول)

هناك شيء اسمه ذاكرة المدينة. وهناك شيء اسمه مسؤولية. ومن حق أهل طرابلس اليوم أن يسألوا، بصراحة ومن دون مجاملات: من عطّل الحلول؟ ومن أفشل المشاريع؟ ومن حوّل مشكلة النفايات من ملف قابل للمعالجة إلى كارثة دائمة؟
لأن الذين يخرجون اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي ليقولوا للطرابلسيين: “لا يوجد حل للنفايات”، عليهم أولا أن يجيبوا عن سؤال بسيط: ماذا فعلتم عندما كانت الحلول موجودة؟
كان هناك مشروع فرنسي مطروح للفرز والتدوير، وكان له دعم دولي وأوروبي، والتمويل الكامل من الأمم المتحدة، وكانت هناك دراسات ومقترحات لمعالجة النفايات بطريقة حديثة بدل الاستمرار في رميها وطمرها، لخدمة اتحاد بلديات الفيحاء الذي يضم طرابلس والميناء والبداوي والقلمون.
لكن المشروع حورب، وبدأت المعركة السياسية والشعبوية حول كل مشروع يحاول أن يقترب من أي حل مستدام، وأصبح جبل النفايات أكبر من أهرامات الجيزة في مصر.
وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية من رفعوا يومها شعار “الحراك المدني” في وجه مشروع المعالجة، بدل أن يضعوا أمام الناس البديل العلمي القابل للتنفيذ.
أنا أجزم أن المشروع الذي طُرح في طرابلس كان مشروعًا ناجحًا وصالحًا. وكانت هناك تقارير وخبراء أشادوا بطريقة تشغيل المعمل ونوعية السماد المنتج، وإنتاج الكهرباء من النفايات.
لكن الفرق كبير بين أن تنتقد مشروعًا وتطالب بتطويره، وبين أن تهدم فكرة الحل ثم تعود بعد سنوات لتقول للناس: لا يوجد حل.
أن نأخذ نفايات طرابلس ونرميها في أرض عكار، فهذا ليس حلا للنفايات. هذا فقط نقل للمشكلة من أمام بيتك إلى أمام بيت جارك، وبعدها تقف أمام الكاميرا لتعلن أنك “نظّفت” مدينتك، لا يعني أنك عالجت المشكلة. يعني أنك نقلتها.
وهنا تحديدًا أسأل المسؤولين الحاليين في طرابلس: أين رؤيتكم؟ أين الخطة المستدامة؟
أين الحل الذي ينهي قصة جبل النفايات بدل أن يغيّر عنوانه؟ أين الخطة التي تجعل من النفايات موردًا اقتصاديًا بدل أن تجعل منها لعنة بيئية؟
المشكلة أن بعض من كانوا بالأمس في موقع الاعتراض على مشاريع المعالجة أصبحوا اليوم في مواقع المسؤولية. ومن بينهم المهندس وائل الزمرلي، الذي يشغل اليوم رئاسة اتحاد بلديات الفيحاء، وهو الاتحاد الذي تقع ضمن نطاقه البلديات الأربع. والمفارقة أن الاتحاد نفسه ما زال يناقش، في عام 2026، ملف إدارة النفايات ويبحث عن حلول له.
فإذا الاعتراض على المشاريع السابقة قد كان باسم المصلحة الشخصية، فليكن السؤال اليوم واضحًا: أين المشروع البديل؟ لا يكفي أن تقول للناس إنك ضد المشروع الفرنسي. ولا يكفي أن ترفض هذا المشروع وذاك المشروع. المسؤول الذي يصل إلى موقع القرار مطالب بأن يقول للناس ماذا سيفعل هو.
طرابلس لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات. تحتاج إلى خطة، وتمويل، وتكنولوجيا، وإدارة، ومحاسبة، وجدول زمني.
والأهم: تحتاج إلى مسؤولين يعرفون أن البلدية ليست منصة للشهرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن اتحاد البلديات ليس لقبًا يُعلّق على باب المكتب.
من يتولى الشأن العام في مدينة بحجم طرابلس، مدينة تعاني من أزمة نفايات مزمنة، ومن الفقر والبطالة وضعف الخدمات، ومن مشكلات البنى التحتية، ومن تراجع الأمن والخدمات، لا يستطيع أن يتعامل مع المسؤولية بمنطق “أنا غير كفء، إذًا أنا بريء”. ومن كان يقول إن لديه حلا، يصبح مطالبًا بتقديمه عندما يصبح صاحب القرار.
أما أن تقضي سنوات في الاعتراض على الحلول، ثم تصل إلى موقع المسؤولية وتقول للناس إن المشكلة مستعصية، فهذا ليس إدارة للمدينة. هذا استمرار للأزمة.
طرابلس ليست مكبًا.
وأهل طرابلس ليسوا أكياس نفايات تُنقل من مكان إلى آخر. والمدينة ليست مختبرًا لتجارب من يريد أن يصنع لنفسه شعبية على حساب صحة الناس وبيئتهم ومستقبلهم.
لقد تحمّل أبناء طرابلس أكثر مما يجب.
الطرابلسيون تحمّلوا جبل النفايات، وروائح النفايات، وتلوث البحر، وتراكم النفايات في الشوارع، والحرائق، والفقر، وتراجع الخدمات. وحتى اليوم، ما زالت الجهات الرسمية نفسها تتحدث عن الحاجة إلى حلول “مستدامة وبيئية وصحية” لملف النفايات في الشمال. لكن الاستدامة لا تبدأ من عكار.
الاستدامة تبدأ من تحمّل المسؤولية.
والحل لا يبدأ بنقل النفايات من طرابلس إلى منطقة أخرى.
وهذا هو الفارق بين من يريد أن يدير مدينة، ومن يريد فقط أن يدير صورته أمام الناس.
أما أن تُبنى الشهرة على الشعارات، ثم تُبنى المناصب على أنقاض الحلول، فهذه ليست خدمة عامة. هذه، ببساطة، إدارة للأزمة بدل إدارة للمدينة.
ومن حق طرابلس، بعد كل هذه السنوات، أن تطلب شيئًا واحدًا فقط:
لا مزيد من الشعارات. أعطونا الحل.



