مصدر فرنسي: واشنطن تطالب لبنان بالتفاوض ولا تعطيه مقابلاً ملموساً (النهار 2 تشرين الأول)

يرى مصدر فرنسي متابع للملف اللبناني أن المقاربة الأميركية الحالية للبنان ترتبط إلى حد بعيد بما ستؤول إليه المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وأن واشنطن ترفض التجديد لـ”اليونيفيل” لأنها تنتظر نتائج هذا المسار، قبل أن تقرر ما إذا كانت ستفكر لاحقاً في إنشاء قوة على غرار الصيغة التي طُرحت في غزة.
ويشكك في جدوى مثل هذه القوة، خصوصاً أن القوة التي جرى الحديث عنها بالنسبة إلى غزة لم تتمكن من الانتشار على الأرض. لكنه يرى أن المشكلة الأساسية تكمن حالياً في طريقة إدارة الولايات المتحدة للمفاوضات، إذ لم تُقدّم واشنطن إلى الجانب اللبناني، في رأيه، أي مقابل ملموس يعطي المفاوضات صدقية ويعزز موقع الحكومة اللبنانية، وفي مقدم ذلك وقف كامل لإطلاق النار ووقف التمدد الإسرائيلي في جنوب لبنان.
الدور الإيراني
يتساءل المصدر، في حديث لـ”النهار”، عن قدرة الأميركيين على إدارة ما يقوم به النظام الإيراني في الخليج، وكذلك عن إمكان إدارة الملف اللبناني من دون أخذ الدور الإيراني في الاعتبار. وفي رأيه أن الخطأ الأكبر هو أن الإدارة الأميركية لم تًعطِ المسؤولين اللبنانيين شيئاً ذا صدقية يسمح لهم بإقناع اللبنانيين بأن التفاوض مفيد ويمكن أن يؤدي إلى نتائج فعلية.
ويلفت إلى مفارقة يعتبرها أساسية: ففي سياق المفاوضات الأميركية – الإيرانية وما عُرف باتفاق إسلام آباد الذي فشل، حصلت إيران، بحسب قوله، على وقف للنار في لبنان، في حين أن اللبنانيين كانوا قد طالبوا طوال نحو سنة ونصف سنة بوقف كامل للنار من دون الحصول عليه.
ويلاحظ المصدر أن ما يجري حالياً على الأرض يؤدي إلى مزيد من الاهتراء في الأوضاع اللبنانية. ومع ذلك، يرفض ما يقوله البعض عن أن حكومة نواف سلام لم تنجز شيئاً، مشيراً إلى أنها أقرت عدداً من القوانين والإصلاحات. ويبقى قانون الفجوة المالية من الملفات الأساسية التي تنتظر تصويت البرلمان، فيما يأتي التعطيل في عدد من الملفات من البرلمان الذي يؤخر إقرار القوانين والإصلاحات الضرورية.
الكهرباء نموذج الصعوبات
ويبرز قطاع الكهرباء نموذجاً واضحاً لحجم الصعوبات. فالمصدر يعتبر أن وزير الطاقة جو صدي جيد، لكنه يواجه ملفاً بالغ التعقيد، بدءاً من مشكلة تزويد معامل الكهرباء النفط، وصولاً إلى مشاريع تتعلق بالنفط والغاز والطاقة مع شركات دولية بينها “توتال إنيرجيز” و”قطر للطاقة”. كل ذلك يحتاج إلى تنفيذ في ظروف بالغة الصعوبة، إضافة إلى وجود دين لبناني لـ العراق، فضلاً عن معضلة أصحاب المولدات الخاصة والمصالح المرتبطة بهم والفساد المتراكم في هذا القطاع.
وفي الملف الإسرائيلي، يلفت إلى أن التفاوض بين لبنان وإسرائيل ليس سابقة. فقد سبق أن تفاوض الجانبان عند التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية، وثمة مفاوضات أخرى إجريت قبل نحو ثلاث سنوات، وتم خلالها، وفق معلوماته، التوصل إلى اتفاق من ست نقاط من أصل ثلاث عشرة نقطة، قبل أن تتعثر العملية بعدما سرّب رئيس مجلس النواب نبيه بري ما تم التوصل إليه، لأسباب يقول المصدر إنها بقيت مجهولة.
ويذكّر أيضاً بأن لبنان وإسرائيل تفاوضا في مراحل سابقة من التاريخ اللبناني، وصولاً إلى المرحلة التي شهدت انتخاب الرئيس بشير الجميل ثم اغتياله، للتأكيد أن التفاوض بين الجانبين ليس أمراً جديداً.
أما اليوم، فيرى المصدر أنه كان ينبغي تعزيز الحكومة اللبنانية وقيادتها في التفاوض من خلال إعطائها شيئاً ملموساً، وفي مقدمه فتح تفاوض مباشر وجدي حول الحدود البرية، التي يعتبر أن نقاط الخلاف في شأنها ليست معقدة إلى درجة تحول دون التوصل إلى حلول.
وفي رأيه أن عدم إعطاء الجانب اللبناني أي تقدم ملموس في هذا المجال يظهر أن إسرائيل ليست عازمة حتى الآن على الخروج من الجنوب اللبناني. ويشير إلى أن الدمار الواسع الذي نفذته إسرائيل في قرى الجنوب أدى إلى نزوح سكانها نحو المدن الكبرى في المنطقة، ولا سيما النبطية وصور وصيدا، معتبراً أن إسرائيل هجّرت عملياً أهالي عدد من قرى الجنوب.
وعلى الرغم من هذه الصورة، يرى المصدر أن في إمكان لبنان استعادة عافيته واستقراره بصورة أسهل من دول أخرى، لأنه ليس بلداً كبيراً ويتمتع بموارد بشرية مهمة، شرط أن يترافق ذلك مع استقرار الإقليم وإيجاد الظروف التي تسمح بإعادة بناء الدولة والاقتصاد.
ويشدد في هذا السياق على مبدأ أساسي، هو أن العمل على تعافي لبنان واستقراره يجب أن يكون من أجل لبنان نفسه، وليس من أجل بلد أو منطقة أخرى. فلا ينبغي، في رأيه، أن تكون مساعدة لبنان هدفها فقط إزالة “حزب الله” أو ضبط إيران أو تحقيق الاستقرار في سوريا، بل يجب مساعدته على استعادة عافيته، لكون ذلك هدفاً قائماً بذاته.
فرنسا ستبقى مهتمة
وعن احتمال تغير السياسة الفرنسية تجاه لبنان في حال وصول مارين لوبن إلى الرئاسة، يرى المصدر أن فرنسا ستبقى مهتمة بلبنان أياً يكن الرئيس، نظراً إلى عمق العلاقات التاريخية والسياسية بين البلدين. لكنه يتوقع أن تكون توجهات لوبن، في حال وصولها إلى الإليزيه، أكثر ميلاً إلى الأوساط المسيحية المؤيدة لإسرائيل في لبنان.
وفي المحصلة، يعكس هذا التقييم الفرنسي قلقاً من أن يُنظر إلى لبنان مرة أخرى بوصفه جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع، بدلاً من أن يكون تعافيه واستقراره هدفاً بحد ذاته. فالمطلوب، وفق المصدر، ليس فقط مطالبة بيروت بالتفاوض والإصلاح وتحمل مسؤولياتها، بل أيضاً إعطاء الدولة اللبنانية ما يسمح لها بإقناع اللبنانيين بأن التفاوض يمكن أن يحقق نتائج ملموسة، بدءاً من وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وإعادة سكان الجنوب إلى قراهم، وصولاً إلى إنجاز الإصلاحات المالية والاقتصادية وإطلاق مسار حقيقي لاستعادة لبنان عافيته واستقراره.



