أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

هل هنالك رقم قياسيّ في الغباء؟ (الجمهورية 2 تشرين الأول)

هنالك خبراء يروّجون لفكرة أنّ هناك مصارف لن تستطيع دفع الـ100 ألف دولار على 4 سنوات، وأنّ علينا ألّا نطالبها بتحمّل مسؤولياتها، وإلّا ستفلس، وحينها سنفقد كل شيء. والأخطر أنّ هناك رسالة مخفية بأنّ ودائع الـ100 ألف ستفلّس المصارف، فما بالك بالودائع الأعلى؟ هذه علينا أن ننسى أمرها نهائياً.

هذه بدعة جديدة لتيئيس أصحاب الحقوق: إذا أردت أن تحصل على فتات من وديعتك، اِقبل بما تقوله لك المصارف، واقبل بشروطها، ولا تحاسبها، ولا تطلب فتح دفاترها، ولا تضع أعباء عليها، وإلّا لن تحصل على شيء!

هؤلاء الخبراء ابتدعوا أعجوبة اقتصادية جديدة تثير إعجابنا: مصرف وعد بفوائد عالية، ولم يكتفِ بأن أوقف الفوائد على الودائع، بل احتجز رأس المال كله وقلّصه عبر شتى الوسائل، واستعمله على مدى 7 سنوات، وحجز الرواتب والتعويضات، وفرض أسعار صرف تناسبه، ووضع رسوماً لخدمات كما يحلو له، وبعد كل ذلك يدّعي أنّه متعثر! هذه فعلاً معجزة لم تحصل، حسب معرفتنا، سابقاً في أي بلد في العالم.

كيف يمكن شرح هذه المعجزة؟

نرى أنّ التفسير الوحيد هو أنّ هذه المصارف كاذبة وسارقة. أمّا إذا لم تكن كذلك، وأفلست على رغم من كل ما قامت به، فهذا يعني أنّ مَن أدار هذه المصارف حقق رقماً قياسياً في الغباء، وأنّه لا يجوز له أن يعمل في مصرف، ولا يجوز له حتى المرور بجانب مصرف.

هل نحن مخطئون بذلك؟

إذا اعتبر الخبراء أننا مخطئون ليطالبوا بفتح الدفاتر، فما يثبت أننا على خطأ هو التدقيق الجدي والعلني في حسابات المصارف… لكنّ الخبراء أعلاه لم تخطر على بالهم هذه الفكرة البسيطة: يهدّدون بإفلاس المصرف، ويؤكّدون أنّه متعثر وأنّه ضحية تستدعي الشفقة، لكن لا يطالبون بكشف حسابات المصارف لتأكيد ذلك؟ بالفعل، إنّهم خبراء عباقرة!

وهنا نعود إلى قصة إبريق الزيت. نحن لا نريد ظلم أحد، ولا نريد وضع كل المصارف في سلة واحدة (مع الأسف هم بتكاتفهم وضعوا أنفسهم في سلة واحدة). فليفتح كل مصرف دفاتره.

نريد أن نعرف كم كانت ودائع كل مصرف قبل الأزمة، وكم أصبحت، وأين ذهبت الأموال، وكم كان لديه لدى مصرف لبنان، وكم بقي لديه، وما هي الأصول التي يملكها، وما هي الالتزامات التي عليه، وماذا حصل بالأموال خلال السنوات السبع الماضية. ولماذا لا يأتوا على ذكر ما تبقّى من ودائع وإرادتهم بإرجاعها مع ما نتج من استعمال هذه الأموال. وإذا كانوا أوادم يجب ألّا يقبلوا أنّهم اغتنوا وكل الناس افتقرت.

ومن المهمّ التذكير دائماً، أنّ مصرف لبنان والدولة مسؤولان عن كل قرش من أموال الناس. مصرف لبنان ليس مؤسسة خاصة تعمل من دون رقابة؛ هو مؤسسة عامة خاضعة لرقابة عدة هيئات حكومية ورقابية. وبالنسبة إلينا، لا فرق بين أن تكون الأموال أو الأصول لدى مصرف لبنان أو لدى الدولة: هذه مسؤولية الدولة في النهاية.

لا نريد أن نطالب المصارف بما أخذه منها مصرف لبنان، ولا بالمبالغ التي أخذتها الحكومة بطريقة أو بأخرى.

والدخول في تفاصيل الفوائد الكبيرة، والديون، والودائع التي تمّ بيعها بـ10% من قيمتها، والاقتطاعات، وتقليص الودائع، وغيرها، هي أمور يجب تخطّيها. فالطرفان ظُلما، والتحقيق في كل هذه الملفات يحتاج إلى سنوات طويلة، وسيتحوَّل إلى ذريعة لإبقاء الملف معلّقاً. هي أمور باطنها حق، لكن معقّدة، وستتحوَّل إلى عائق لن ينتهي بعد عقود.

المطلوب اليوم بعد فتح دفاتر المصارف وما ذكرناه أعلاه، يترتب على الحكومة أن تدفع ما عليها، وهذا ممكن عبر بيع أراضيها والذهب كما ذكرنا مراراً، بأقرب وقت ممكن، والتدابير التي ذكرناها سابقاً لإحياء الاقتصاد.

إنّ كل تأخير ليوم إضافي يزيد الخسارة، فيما مآسي الناس تتعمّق يوماً بعد يوم. يجب البدء بالحلول فوراً، ونحذّر من أنّ فرض ضرائب جديدة قبل أن ينتعش الاقتصاد سيكون له مفعول سلبي ويزيد إفلاس البلد. ونذكّر أنّه إذا أردنا إيقاف السرقات والهدر، علينا أن نبدأ بقانون الشفافية الذي ذكرناه مراراً.

 

بواسطة
فادي عبود
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى