أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

«الاتفاق الإطاريّ» أمام اختبار جديد؟ (الجمهورية 30 أيلول)

جاء طرح وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الداعي إلى وصول الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى نهر الليطاني، في توقيت بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع اتصالات لإعادة تحريك المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية، بهدف تنفيذ «الاتفاق الإطاري»، الذي يفترض أن يقود إلى ترتيبات أمنية وانسحاب إسرائيلي واستعادة الدولة اللبنانية سلطتها على كل أراضيها.

تكمن خطورة هذا الطرح، حسب أوساط ديبلوماسية، في أنّه يتجاوز المطالبة بترتيبات أمنية على الحدود، إلى الحديث عن عمق جغرافي داخل الأراضي اللبنانية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين موقف سموتريتش السياسي وبين قرار رسمي إسرائيلي بتغيير الحدود أو اعتماد الليطاني خطاً جديداً، فالأخير يحتاج إلى مؤشرات رسمية وعسكرية إضافية.

وقد يكون كلام سموتريتش رسالة تفاوضية بمقدار ما هو موقف سياسي. فطرح سقف مرتفع للمطالب قبل استئناف المفاوضات، يمكن أن يكون محاولة لتحسين الموقع الإسرائيلي على طاولة التفاوض، خصوصاً في ظل استمرار الإحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب. وتكمن خطورة الأمر في احتمال انتقال هذا الطرح من موقف سياسي إلى واقع ميداني. فإذا تحولت فكرة المنطقة الأمنية الممتدة نحو نهر الليطاني سياسة عملية، فإنّها ستتعارض جوهرياً مع المسار الذي يُفترض أن يقود إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. سياسة

لكن ماذا يعني ذلك للموقف اللبناني؟

في تقدير الأوساط الديبلوماسية نفسها، أنّ تمسك السلطة اللبنانية بالتفاوض المباشر لا يعني قبولها بالتفاوض على السيادة أو على حق لبنان في أرضه. فالموقف الرسمي الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، يقوم على ربط التفاوض بالانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، وتعزيز دور الجيش. ومن هنا، يفترض أن يكون الردّ اللبناني على طرح سموتريتش سياسياً وقانونياً أكثر منه سجالياً، وذلك برفض أي تغيير في الحدود أو تثبيت احتلال جديد، مع التمسك بالتفاوض كوسيلة لتنفيذ الاتفاق، وليس لإعادة تعريف الحقوق اللبنانية.

والأهم أن يطلب لبنان من الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها راعية «الإتفاق الإطاري»، توضيح موقفها من أي طرح إسرائيلي لتوسيع الأراضي التي تحتلها إسرائيل أو الاحتفاظ بها، لأنّ استمرار مثل هذه الطروحات يضع صدقية المسار التفاوضي نفسه أمام اختبار.

وماذا عن موقف «حزب الله» وحلفائه؟

هنا يظهر الخلاف الداخلي الأساسي. فالسلطة اللبنانية ترى في التفاوض المباشر قناة لاستعادة الأرض وإنهاء الاحتلال، ضمن ضمانات أميركية ودولية، بينما «حزب الله» وحلفاؤه يفضّلون التفاوض غير المباشر، انطلاقاً من عدم الثقة بإسرائيل وبقدرتها على الالتزام.

غير أنّ الطرفين يلتقيان، من حيث المبدأ، عند رفض بقاء الاحتلال. وبالتالي، فإنّ الخلاف الحقيقي هو حول الوسيلة وليس بالضرورة حول الهدف المعلن.

وقد تمنح تصريحات سموتريتش أنصار التفاوض غير المباشر مادة سياسية للقول، إنّ إسرائيل تستخدم المفاوضات لتثبيت مكاسبها الميدانية. لكن في المقابل، تستطيع السلطة اللبنانية استخدام هذه التصريحات لتشديد شروطها التفاوضية، والمطالبة بجدول زمني واضح للانسحاب وآلية تحقق وضمانات دولية.

على أنّ المسألة الأساسية أمام السلطة اللبنانية ليست طريقة الردّ الإعلامي على سموتريتش، بل منع تحوّل طرحه أمراً واقعاً. ولذلك تبدو المعادلة اللبنانية الأكثر وضوحاً: التفاوض المباشر، مع التمسك بالانسحاب الكامل، ورفض التفاوض على السيادة، والحصول على ضمانات أميركية ودولية لتنفيذ الالتزامات بالتزامن.

فإذا بقي طرح سموتريتش حول الليطاني في إطار التصريحات السياسية، يمكن احتواؤه ضمن المعركة التفاوضية. أما إذا ترافق مع توسع عسكري إسرائيلي فعلي، فإنّ الخلاف لن يعود على تفاصيل تنفيذ «الاتفاق الإطاري»، بل على جوهره وحدود التسوية نفسها.

وفي المحصلة، إن طرح سموتريتش يضع المسار التفاوضي أمام اختبار حقيقي: هل يجري التفاوض على آليات الانسحاب الإسرائيلي، أم على مقدار الأرض التي يمكن لإسرائيل الاحتفاظ بها؟

ومن مصلحة السلطة اللبنانية أن تحافظ على خيار التفاوض المباشر، ولكن مع تثبيت قاعدة واضحة: التفاوض وسيلة لاستعادة الأرض وتكريس السيادة، وليس إطاراً للتنازل عنها أو لتشريع واقع الاحتلال. وفي هذه المعادلة، يصبح الدور الأميركي حاسماً، إذ إنّ نجاح «الاتفاق الإطاري» سيتوقف إلى حدّ كبير على قدرة واشنطن على منع تحويل الوقائع العسكرية أو التصريحات التوسعية شروطاً جديدة على طاولة التفاوض.

بواسطة
طارق ترشيشي
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى