“إنهيار الاهتمام”… ظاهرة نفسية تدفع الموظّفين الى الانسحاب من العمل

في تطوّر لافت يعكس التحوّلات العميقة التي يفرضها العصر الرقمي الحديث، باتت المكاتب ومقار العمل تشهد ظاهرة نفسية ومجتمعية جديدة أطلق عليها الخبراء إسم “انهيار الاهتمام” (The Care Crash).
وعلى عكس المفهوم الشائع أنَّ التعب الوظيفي ناجم عن الإرهاق التقليدي، تؤُكّد التقارير الطبّية والنفسية الحديثة أنَّ ما يُعاني منه الموظّفون اليوم ليس احتراقاً وظيفياً، بل هو سحب للاستثمار العاطفي والنفسي من العمل، نتيجة انكسار المعادلة التقليدية التي لطالما ربطت بين بذل الجهد وتحقيق المكافأة والاستقرار.
عصر اللّامبالاة المهني
على مدار العقود الماضية، تربّت الأجيال على قاعدة واضحة: التفوّق في الدراسة، بناء علاقات متينة مع الزملاء والحصول على تقييمات أداء متميّزة، كلّها جهود يُفترض أن تقود إلى الاستقرار المهني، تحقيق الأهداف، بناء مستقبل أفضل، توفير الاستقرار وتحقيق الأهداف المهنية.
بيد أنَّ التوسّع الهائل في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات أدّى إلى نتيجة عكسية تماماً، فبدلاً من أن تعمل هذه الأدوات على تقليص حجم الأعباء وزيادة الإنتاجية، تسبّبت بمضاعفة حجم المهام الملقاة على عاتق الموظّفين، لِيجد العاملون أنفسهم محاصرين بإملاء تفاصيل العمل على وكلاء أذكياء لأداء مهام كانوا يقومون بها سابقاً.
داخل العيادات النفسية، تتكرّر شهادات العاملين بالصيغة ذاتها: “أنا لم أعد أهتم وهذا الشعور يُخيفني أكثر من خطر الطرد”.
عندما تتوقّف ميزة التفاني في العمل عن توفير الحماية الوظيفية، يتحوّل الاهتمام إلى عبء بلا عائد مادي أو معنوي، ممّا يدفع الأفراد إلى التوقّف الصامت عن دفعه.
لا تُمثّل اللّامبالاة المهنية أيّ خلل وظيفي بل هي آلية دفاعية ونفسية بحتة لحماية الذات، فحين يُصبح مصير المسار المهني معلّقاً وغير مؤكّد بغض النظر عن حجم الجهد المبذول، يمتنع الإنسان عن تكريس مشاعره لهذا الطريق المهني.
لهذا السبب، تُثبت النصائح التقليدية الداعية إلى “إعادة الانخراط العاطفي” محدوديّتها، إذ يصعب إقناع شخص بالتخلّي عن درع نفسية أثبت فاعليتها في حمايته.
كما أنَّ الإجازات وحدها لا تُقدّم حلًا سحرياً، فالعودة من السفر بشعور من الاسترخاء لا تُعالج بالضرورة مساراً مهنياً تعرّض للتآكل وفقدان الاستقرار.
إستعادة البوصلة المهنية والنفسية
للخروج من هذه الدائرة واستعادة الشعور بالفاعلية والمعنى، يقترح المختصون مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي تبدأ بتسمية الشعور.
فإدراك أنَّ الـ”Demoralization” أيّ الإحباط وفقدان المعنويات، قد يكون استجابة لواقع خارجي وليس سمة شخصية، يُساهم في خلق مسافة نفسية آمنة بين عدم الاستقرار المهني والشعور بالفشل الذاتي.
كما تبرز أهمية البحث عن مصادر للمعنى خارج نطاق العمل وعدم ربط قيمة الفرد بإنتاجيته وحدها، من خلال تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية والمشاركة في الحياة المجتمعية.
داخل بيئة العمل، يُنصح بالتركيز على الجوانب التي يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها، مثل الحكم الأخلاقي المعقّد، الإبداع وبناء الروابط الإنسانية الأصيلة.
إلى جانب ذلك، يحتاج الإنسان إلى مساحة للتعبير عن الحزن على القواعد المهنية القديمة، كما التعامل مع الآمال التي لم تتحقّق بتعاطف ورحمة.
يجب الانتباه إلى احتمال الانزلاق نحو الاكتئاب السريري الذي قد تتقاطع بعض أعراضه مع ظاهرة “انهيار الاهتمام” وذلك من خلال مراقبة التغيّرات المستمرّة في النوم، الشهية والمزاج، كما اللّجوء إلى معالج نفسي مرخّص عند الحاجة.
لا يُمكن تجاوز هذه الأزمة بمجرّد بذل مزيد من الجهد، بل يتطلّب الأمر إعادة النظر في مصادر المعنى والقيمة خارج العمل، مع تحديد المساحات التي يستحقّ فيها الفرد أن يُوجّه اهتمامه وطاقته مستقبلًا.



