السلطة تقايض على حساب تعويضات العمال: 4 ليترات بنزين مقابل تسويات نهاية الخدمة( الأخبار 26 أيلول)

سيحصل الأجراء على رشوة مجبولة بـ«خدعة» تطيح بتعويضات نهاية خدمتهم. هذه خلاصة الاجتماع الذي عقد أمس، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري مع ممثلي أصحاب العمل والعمال بحضور وزراء المال ياسين جابر والعمل محمد حيدر، والأشغال فايز رسامني والاقتصاد عامر البساط. فما وافق عليه أصحاب العمل في الاجتماع، ويفترض أن يقونن في لجنة المؤشر يوم الإثنين المقبل، هو تحويل بدل النقل إلى 4 أو 5 ليترات من البنزين، مع ترجيح 5، ولا أحد يعلم كيف تحتسب شهرياً، مقابل إعادة النظر بمشروع تسويات نهاية الخدمة أي ما تبقّى من مدخرات العمال.
يأتي تحرّك السلطة متأخراً بضع سنوات على انطلاقة موجة تضخّم الأسعار المفرط، وعلى الخسائر التي لحقت بالأجور والمؤسّسات. ويأتي أيضاً متعامياً عن أصحاب العمل الذين عوّضوا خسائرهم بدولرة الأسعار، مقابل تصحيح مبتور للأجور. لكن يُحسب لأصحاب السلطة، أنهم لا يزالون على تواطئهم التاريخي مع أصحاب العمل. ويُحسب لهم أيضاً، أنهم يواصلون السيطرة على الاتحاد العمالي العام باعتباره واحداً من أدواتهم لتنفيس الاحتقانات الشعبية عند الحاجة. كلّ المتواطئين، استفاقوا على أن الأجر يخسر، اليوم، من قيمته بسبب ارتفاع أسعار النفط. لكن لا أحد منهم يناقش بضرورة رسم سياسة للأجور والأسعار والإنتاج تحقّق مطالب الجميع، بل، تصرّ السلطة وأدواتها، على نقاش فئوي يمنح المطالب لفئة دوناً عن غيرها.
وهذا ما حصل حين وافقت الحكومة بشكل مفاجئ وخارج أي توقعات، على منح العاملين في القطاع العام ستة رواتب أساس. صحيح أن أصحاب السلطة خدعوهم عندما قالوا «وافقنا على تسعة رواتب أساس»، لكن موظفي الدولة وعسكرها ومتقاعديها، ارتضوا في النهاية بالرواتب الستة. وها هو اليوم يُعالج بدل النقل من أجل ضرب عصفورين: كبح إضراب نقابات النقل، وكبح الأجراء عن أي مطالب بتصحيح الأجور. وغداً سيطالب آخرون، وستلبي السلطة ربطاً بسلّم النفوذ ورتبة الزبائنية لدى كل فئة.
هذا هو الإطار السياسي الذي تعمل السلطة على أساسه منذ عقود. لكن التوقيت يتعلق بالمعطيات على أرض الواقع. فقد نُمي على أهل السلطة في الأسابيع الأخيرة، أن هناك انفجاراً اجتماعياً سيحصل. ولُمس ذلك في جلسات مناقشة الحكومة، وربما في ما سبقها من تحرّكات على الأرض. لذا، اندفع رئيس الحكومة، مثلاً، لإلزام مجلس الإنماء والإعمار بتسريع تنفيذ تلزيم صيانة طرق النبطية «حتى لا يقال أنه لم يفعل شيئاً للجنوب». وها هو عضوٌ آخر في الحكومة يسارع إلى «تسوية» بين العمال وأصحاب العمل ونقابات النقل، تقوم على منح العاملين بأجر 4 ليترات من البنزين عن كل يوم حضور إلى العمل مقارنة مع 450 ألف ليرة حالياً، أي بزيادة 1.3 دولار عن كل يوم حضور. فعلاً لمسة مؤثّرة من أصحاب العمل وأهل السلطة و«العمالي» أيضاً. بموجب هذه التسوية، سيدعو وزير العمل محمد حيدر لجنة المؤشّر إلى الانعقاد يوم الإثنين لتكريس المتَّفق عليه بمحضر رسمي يليه صدور مرسوم بتعديل صيغة بدل النقل.
في مقابل هذا «التنازل الكبير»، تلقى ممثلو أصحاب العمل، وعداً من نائب رئيس الحكومة بالعمل على إنتاج مشروع جديد لتسويات نهاية الخدمة. مطلبهم معروف منذ تلك النقاشات التي أفضت إلى إقرار قانون التقاعد والحماية الاجتماعية حين فاوضوا، آنذاك، مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزيره نقولا نحاس على شطب التسويات. ولولا العناية الإلهية لكانوا نالوا مرادهم. فالنواب صوّتوا على القانون «على العمياني» لكن خطأً ما أفضى إلى ترك التسويات قائمة من دون شطبها. واليوم لديهم الغاية نفسها. صحيح أن بعضهم يقول أنهم يسعون إلى تقسيط التسويات، لكن هناك آخرين يقولون إن الهدف لا يزال في شطب قسم من تعويضات العمال.
وما حصل في جلسة أمس، بحسب المطلعين، أن أصحاب العمل، لا سيما نقولا شماس المعروف بـ«أبو رخوصة»، وزميله نبيل فهد الذي يمثّل أصحاب السوبرماركت حيث يحصي الأجير أنفاسه الأخيرة، بدأوا يتباكون عن الانهيار الحاصل وأثره على أعمالهم. يقولون إنها تراجعت 30%، لكنهم لا يفسّرون كيف يستورد لبنان كل هذه الكميات. في الأشهر الستة الأولى استورد لبنان بقيمة 8.5 مليار دولار. هل يخزّنون البضائع؟ وهذا يعني أن لديهم رساميل يراهنون عليها لتحقيق أرباح من التخزين والبيع اللاحق بأسعار أعلى. أم أنهم يبيعون كل الكميات التي تستورد، ما يعني أن أرباحهم لم تتراجع. التباكي هو شكل من أشكال الخديعة التي يمارسونها دائماً على حد قول عضو قيادي في الاتحاد العمالي العام.
لا شكّ بأن المخدوعين، أي عمال لبنان هم من يتلقون الضربة القاضية كل مرّة. الحسابات التي أجرتها «الأخبار» أظهرت أن أسرة من أربعة أشخاص تحتاج إلى ما بين 1400 و1500 دولار شهرياً لتغطية خمس حاجات أساسية: السكن، الغذاء، الكهرباء، المياه، والنقل. أمام فجوة بهذا الحجم، كان يفترض أن يكون النقاش في سياسة اقتصادية تعيد شيئاً من التوازن بين الأجور وكلفة المعيشة، لا في «ترقيعة» جديدة تعمّق المشكلة أكثر فأكثر. فلا تصحيح فعلياً للأجور، ولا معالجة لكلفة الخدمات الأساسية، بل تعديل شحيح لبدل النقل يمكن تقديمه للعمال على أنه إنجاز. والاتفاق يقضي بربط البدل بسعر أربعة ليترات من البنزين يومياً، بحيث يرتفع عندما يرتفع سعر البنزين وينخفض عندما ينخفض.
حالياً، يبلغ سعر الصفيحة نحو 32 دولاراً، أي أنّ الليترات الأربعة تساوي 6.4 دولارات، أو 570 ألف ليرة يومياً، مقابل 450 ألف ليرة حالياً، أي بزيادة فعلية تساوي 120 ألف ليرة، أو 1.34 دولار يومياً. لكن العمال يصلون إلى عملهم بالسرفيس الذي تبلغ تعرفته 400 ليرة لكل مرة إذا لم تكن المسافة بعيدة، أي أن كلفة الذهاب والغياب تبلغ 800 ألف ليرة يومياً، أعلى بـ40% مما هو مقترح. حتى في نموذج السيارة، لا تبدو الليترات الأربعة «سخيّة». إذ يقدّر أن استهلاك السيارة يصل إلى 119 ليتراً من البنزين شهرياً، من دون احتساب الصيانة والزيت والإطارات والتأمين والرسوم والمواقف وانخفاض قيمة السيارة. أما أربعة ليترات عن 22 يوم عمل، فلا تتجاوز 88 ليتراً في الشهر.
لا يجب أن نغفل بأن بدل النقل هو جزء من الأجر قررت السلطة أن تقسّمه لتتحكم فيه مع المتواطئين. ولا يجب أن نغفل أيضاً أن تسوية نهاية الخدمة للأجراء تساوي الفرق بين قيمة التعويض المستحق للأجير وقيمة المبالغ المتراكمة في الصندوق لصالح الأجير جرّاء دفع الاشتراكات الشهرية. تدفع التسوية عند تحصيل التعويض فقط، وفي حال استحقّ للأجير مبلغ ذات قيمة أعلى من المبالغ الموجودة في الصندوق، على صاحب العمل دفع هذه الأموال التي تسمى بـ«التسوية». وبما أن فروقات سعر الصرف كان لها أثر على الأجور، فإن أثرها يمتد أيضاً على التسويات، إذ إن التعويض، وبالتالي التسوية، يدفع على أساس آخر راتب.
بحسب تقرير لمنظمة العمل الدولي، فإن قيمة التسويات المقدّرة والمتراكمة على أصحاب العمل تصل إلى 40 ألف مليار ليرة، أي ما يساوي 447 مليون دولار. وهذه المبالغ تراكمت نتيجة لأمرين لا دخل للعمال بها لتحمّل مسؤوليتها، الأول هو السياسة المالية السيئة للدولة والمصارف، والتي أدّت إلى الانهيار النقدي والمصرفي، والثاني هو قيام إدارة الضمان بتوظيف كلّ مدخرات العاملين على شكل سندات خزينة في المصرف المركزي، وصلت قيمتها قبل الانهيار عام 2019 إلى نحو 10 مليارات دولار.
وكانت تشكل في تلك المرحلة «أكبر كتلة مالية داخل الصندوق، وقيمة حقيقية قادرة على تغطية التزامات التعويضات للمضمونين»، وفقاً لتقرير سابق للجنة الفنية في الضمان الاجتماعي. ولكن مع انهيار سعر الصرف، انهارت قيمة هذه المدخرات، وأصبحت اليوم تساوي 764 مليون دولار، ما يعني أنّها فقدت أكثر من 90% من قيمتها، «ما يجعل نظام التعويض عاجز عن توفير حماية فعلية للمضمون عند نهاية خدمته»، تقول اللجنة الفنية.



