أخبار لبنانابرز الاخبار

طرابلس الكبرى… من مرافق متفرقة إلى منظومة اقتصادية على المتوسط

لم يكن الملتقى الاقتصادي الذي استضافته غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي، بدعوة من رئيسها توفيق دبوسي، مجرد مناسبة لعرض واقع المرافق العامة واحتياجاتها إلى التطوير والتأهيل، بل شكّل محاولة لإعادة تركيب المشهد الاقتصادي لطرابلس والشمال ضمن رؤية واحدة تتجاوز كل مرفق على حدة، وتضعه في إطار منظومة يمكن أن تعيد رسم موقع طرابلس في الاقتصاد اللبناني وحركة التجارة في شرق المتوسط.

وفي قلب هذه الرؤية يقف الرئيس توفيق دبوسي الذي راكم خلال نحو اثني عشر عاماً مقاربة اقتصادية تقوم على الربط بين المرفأ والمطار والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومعرض رشيد كرامي الدولي والسكك الحديدية ومنشآت النفط والغاز، باعتبارها مكونات متكاملة يمكن أن تنتج قيمة اقتصادية واستثمارية أكبر من مجموع أجزائها.

فطرابلس، وفق هذه المقاربة، لا تحتاج إلى مشروع منفرد، بل إلى منظومة تجعل كل مرفق رافعة للمرفق الآخر.

فالمرفأ يمكن أن يتحول إلى بوابة تجارية ولوجستية أكثر فاعلية عندما يرتبط بشبكات النقل البري والسكك الحديد والمطار والمنطقة الاقتصادية، فيما تزداد جدوى مطار القليعات عندما تتوسع وظائفه لتشمل الشحن الجوي والصادرات والخدمات اللوجستية، وتجد المنطقة الاقتصادية أمامها شبكة متكاملة من النقل والطاقة والخدمات والأسواق.

ومن هنا جاءت أهمية جمع المسؤولين عن هذه القطاعات في ملتقى واحد، للانتقال من المشاريع المنفصلة إلى رؤية اقتصادية مترابطة، ومن إدارة كل مرفق بمعزل عن الآخر إلى بناء سلسلة متكاملة للإنتاج والنقل والتجارة والاستثمار.

وما يميز مقاربة الرئيس دبوسي أنها لا تقدم طرابلس كمنطقة تنتظر الإنصاف أو الدعم، بل كمنطقة تمتلك مقومات يمكن أن تجعلها منتجاً للنمو على المستوى الوطني. فالموقع الجغرافي، والمرفأ، ومطار القليعات، والمنطقة الاقتصادية، والمنشآت النفطية، والقدرات البشرية، والقرب من الأسواق السورية والعراقية والتركية، كلها عناصر يمكن أن تجعل طرابلس منصة للتجارة والنقل والخدمات والصناعة والطاقة والنفط والغاز.

وبذلك يصبح الاستثمار في طرابلس استثماراً في قدرة لبنان على التواصل مع محيطه العربي والأسواق الإقليمية والدولية، ولا سيما أن موقع المدينة يتيح لها أن تكون نقطة تقاطع بين حركة التجارة والنقل والطاقة في شرق المتوسط، وحلقة وصل بين البحر والأسواق الداخلية والعمق العربي.

ومن أبرز ما كشفه الملتقى أهمية الربط بين مرفأ طرابلس ومطار الرئيس رينيه معوض في القليعات. فالمرفأ يمكن أن يستقطب حركة الحاويات والبضائع، بينما يفتح المطار مجالاً أمام نقل الركاب والشحن الجوي، ولا سيما المنتجات الزراعية والصادرات التي تحتاج إلى سرعة في الوصول إلى الأسواق. وتأتي الطرق والسكك الحديدية لتربط هذه المرافق بمصادر الإنتاج والأسواق، فيما تضيف الطاقة والمنشآت النفطية بعداً جديداً إلى المنظومة.

لكن التحدي الأساسي يبقى في الانتقال من الدراسات إلى التنفيذ، وهو ما حضر بقوة في مداخلات المشاركين في الملتقى: المهندس إسكندر كوستي بندلي (رئيس مجلس إدارة مصلحة استثمار مرفأ طرابلس)، والدكتور حسان ضناوي (رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمنطقة الاقتصادية الخاصة بطرابلس)، والمهندس زياد شيا (المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك)، والأستاذ وسام الذهبي (رئيس وحدة الشؤون الاقتصادية والمالية وعضو هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان)، والأستاذ زياد المنلا، (رئيس مجلس إدارة شركة Sky Louange Services) والكابتن محمد عزيز (رئيس الهيئة الناظمة للطيران المدني).

وقد تناول هؤلاء بإسهاب المشاريع المطروحة، والتلزيمات، والشراكة مع القطاع الخاص، والاستشارات الفنية، والتأهيل، والتحول الرقمي، وتطوير الخدمات اللوجستية، بما يؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى آليات تنفيذية واضحة وبيئة قانونية وإدارية وتمويلية قادرة على استقطاب المستثمرين وتشغيل المرافق بكفاءة.

وهنا يتقدم دور غرفة طرابلس الكبرى كمنصة اقتصادية تجمع الدولة والقطاع الخاص والخبراء والمستثمرين، وتواكب المشاريع وتدفع باتجاه تحويل الرؤية إلى برامج قابلة للتنفيذ، من دون أن تحل محل المؤسسات الرسمية صاحبة الاختصاص

ولا تتوقف أهمية هذه الرؤية عند الحدود اللبنانية. فالتطورات في العراق وسوريا، والأسواق العربية، ومسارات النقل والطاقة والتجارة، تمنح طرابلس فرصة للاندماج بصورة أوسع في الاقتصاد الإقليمي، شرط استكمال البنية التحتية وربط المرافق ضمن شبكة قادرة على تقديم خدمات تنافسية واستقطاب الاستثمارات.

ومن هنا يمكن فهم إصرار الرئيس دبوسي على أن تكون طرابلس جزءاً من منظومة وطنية اقتصادية ولوجستية، لا مجرد مركز اقتصادي شمالي. فالمطلوب في جوهر هذه الرؤية، الانتقال من مدينة تمتلك مجموعة من المرافق إلى مدينة تعمل مرافقها كمنظومة واحدة، وتتحول إلى نقطة ارتكاز في الاقتصاد اللبناني.

ولعل الرسالة الأبرز للملتقى أن الفرصة أمام طرابلس لا تكمن في انتظار مشروع واحد كبير، بل في تجميع إمكاناتها ضمن مشروع اقتصادي متكامل. وهذه هي خلاصة المسار الذي عمل دبوسي على تكريسه خلال السنوات الماضية: نقل طرابلس من موقع المطالبة بحقوقها إلى موقع تقديم نفسها كجزء من الحل الاقتصادي للبنان.

وبهذا المعنى، فإن “طرابلس الكبرى” في رؤية دبوسي ليست مجرد مفهوم جغرافي، بل مشروع اقتصادي يقوم على تكامل المرفأ والمطار والسكك الحديدية والمنطقة الاقتصادية والطاقة والمعرض وشبكات النقل والخدمات، بما يؤهل المدينة ومحيطها لأن يشكلا منصة للإنتاج والاستثمار واللوجستيات، تربط لبنان بشرق المتوسط وعمقه العربي.

ويبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه الرؤية إلى قرار وطني واستثمارات ومشاريع قيد التنفيذ، لأن امتلاك طرابلس للمقومات لم يعد هو السؤال، بل كيفية تحويلها إلى قوة اقتصادية فعلية.

 

بواسطة
غسان ريفي
المصدر
سفير الشمال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى