خاص- كيف سيدفع المستهلك اللبناني ثمن إغلاق المضيقين؟

كتب ايلي زخور- النائب الأول لرئيس الاتحاد العربي لغرف الملاحة البحرية والرئيس السابق للغرفة الدولية للملاحة في بيروت.
«لبنان بلد استيراد بامتياز». هذه ليست جملة إنشائية، فالأرقام تؤكد أننا نستورد بأكثر من 20 مليار دولار سنويًا، ونصدّر بأقل من 4 مليارات دولار، أي إن عجزنا التجاري يفوق الـ16 مليار دولار سنويًا. ويشكّل هذا الاستيراد المفرط، وكما نبّهنا مرارًا، خللًا بنيويًا بالاقتصاد اللبناني واستنزافًا للعملات الصعبة، وعلى الحكومة ضرورة القيام بمعالجته بإجراءات وتدابير كفيلة بحماية المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية وتحفيز التصدير.

خنق مزدوج!
ويستعد المستهلك اللبناني لموجة جديدة من الغلاء، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي، و35% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم من جهة، ومع التطور العسكري والجيوسياسي الخطير المستجد من جهة أخرى، والمتمثل بسيطرة جماعة الحوثي اليمنية على مضيق باب المندب، الذي ليس أقل أهمية، ويُعتبر أيضًا شريانًا رئيسًا للتجارة البحرية العالمية، حيث يمر عبره نحو 12% من هذه التجارة، و6 ملايين برميل نفط يوميًا، و6 ملايين مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال يوميًا، ونحو 30% من تجارة الحاويات، ونحو 900 مليار دولار من البضائع سنويًا.
ارتفاع معتدل!
وكانت شركات الشحن البحري العالمية قد ثبّتت زيادات على أجور الشحن في مطلع شهر أيلول الجاري، تتواءم مع الارتفاع المعتدل بأسعار النفط العالمية.
فأجور الشحن البحري من الصين، التي تُعتبر المصدّرة الأكبر للسلع الاستهلاكية إلى لبنان، ومن الدول الآسيوية المصدّرة للمواد الغذائية والزيوت النباتية والسيارات وغيرها من البضائع، بدأت تشهد ارتفاعًا تدريجيًا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أجور شحن الحاوية فئة 20 قدمًا من الصين إلى لبنان ارتفعت إلى ما بين 3,400 و3,800 دولار في مطلع شهر أيلول الحالي، في حين كانت أجور شحن الحاوية ذاتها، قبل ارتفاع أسعار الوقود، تتراوح بين 2,700 و2,900 دولار، أي بزيادة نسبتها نحو 30%.
وهذا الارتفاع المعتدل بأجور الشحن ترافق أيضًا مع عودة شركات الشحن إلى اعتماد الممر البحري الأقصر والأقل كلفة عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، بدلًا من اعتماد الممر البحري البديل الأطول والأكثر كلفة بالدوران حول أفريقيا ورأس الرجاء الصالح.
ارتفاع متدرّج بأسعار النفط!
ولكن مع ارتفاع وتيرة التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران في استهداف ناقلات النفط، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، بدأنا نشهد منذ مطلع الأسبوع المنصرم ارتفاعًا متدحرجًا بأسعار النفط.
وارتفاع إضافي بأجور الشحن!
واليوم، وبعد أن استطاعت جماعة الحوثي اليمنية إحكام سيطرتها على باب المندب، فمن المؤكد أن تشهد أجور الشحن البحري ارتفاعًا إضافيًا، في حال اضطرار السفن للعودة مجددًا للدوران حول رأس الرجاء الصالح وتجنب البحر الأحمر، ما يؤثر سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية عبر إطالة زمن الرحلة بنحو أسبوعين، وبالتالي إلى استهلاك المزيد من الوقود الذي أصبح يمثل أكثر من 50 إلى 60% من إجمالي كلفة التشغيل اليومية للسفينة، وقد يقفز إلى أكثر من 75%، في حال واصلت أسعار النفط ارتفاعها. بينما كان ثمن الوقود لا يمثل أكثر من 35% إلى 45% من إجمالي كلفة التشغيل اليومية للسفينة!
خبر سار!
في المقابل، لا تزال الشحنات القادمة من دول الجوار أقل كلفة بسبب القرب الجغرافي. فأجور الشحن من تركيا ومصر واليونان إلى لبنان تبقى أقل بكثير من أجور الشحن من الصين والموانئ الآسيوية والأوروبية، نظرًا لقربها من لبنان.
وهذا الفرق الكبير بأجور الشحن البحري يفتح الفرصة أمام التجار اللبنانيين لزيادة حجم وارداتهم من تلك الدول التي هي بالفعل شريكة أساسية لتجارة لبنان الخارجية. فنحن استوردنا من مصر خلال النصف الأول من العام الحالي بأكثر من 760 مليون دولار، أي ما نسبته 6.40% من إجمالي فاتورة الاستيراد البالغة 11.931 مليار دولار، في حين استوردنا من تركيا بأكثر من 643 مليون دولار، أي ما نسبته 5.39%، ومن اليونان بأكثر من 987 مليون دولار، أي ما نسبته 8.27%.
من سيدفع الثمن؟
صحيح أن كلفة الشحن لا تشكل عادة أكثر من 5% إلى 10% كحد أقصى من سعر السلعة النهائي، إلا أن الزيادة القياسية بأسعار الوقود كافية لرفع الأسعار بشكل عشوائي، خاصة مع استغلال بعض المحتكرين للظرف لتحقيق أرباح طائلة على حساب لقمة عيش المواطن الذي يعاني أصلًا من أوضاع معيشية واجتماعية صعبة، منذ اندلاع ما سُمّي بـ«ثورة 17 تشرين الأول من العام 2019»، والتي قلبت الأوضاع المالية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية رأسًا على عقب، والتي لا نزال نعاني من تداعياتها حتى الآن!
ملاحظة أخيرة
ولا بد من التوضيح أخيرًا أن تأثير ارتفاع أجور الشحن يكون عادة أكبر على السلع ذات القيمة المنخفضة، وأقل بكثير على السلع عالية القيمة.



