خاص- موازنة 2027 تشعل الشارع.. هل يمكن رفع الرواتب من دون ضرائب جديدة؟

مع تصاعد التحركات الرافضة لموازنة 2027 والمطالبة بتصحيح رواتب الموظفين والمتقاعدين، يتصدر ملف الأجور النقاش الحكومي، بالتزامن مع استكمال مجلس الوزراء البحث في مشروع الموازنة. وفي وقت تصعّد فيه مجموعات من العسكريين المتقاعدين وموظفي الإدارة العامة والأساتذة تحركاتها للمطالبة بإدراج تصحيح الرواتب ضمن الموازنة، تبرز إشكالية أساسية تتمثل في كيفية تمويل أي زيادة مرتقبة في الأجور والمعاشات، في ظل محدودية قدرة الدولة المالية. فهل يمكن تأمين كلفة التصحيح من خلال تحسين الجباية ومكافحة التهرب والهدر، من دون فرض ضرائب ورسوم جديدة؟ وكيف يمكن للدولة أن ترفع القدرة الشرائية للموظفين والمتقاعدين من جهة، وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار المالية العامة من جهة أخرى؟
في هذا السياق، اعتبر عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والخبير الاقتصادي د. أنيس بو ذياب في حديث لموقعنا Leb Economy أن “مسألة تصحيح رواتب الموظفين والمتقاعدين ترتبط بالتزامات سابقة قطعتها الحكومة”، موضحاً أن “الحكومة كانت قد أقرت في 16 شباط 2026 زيادة بمقدار 6 رواتب للمتقاعدين والعاملين في السلك العسكري والإدارة العامة والمؤسسات العامة، ووعدت من تفاوضت معهم بأنه اعتباراً من 1 كانون الثاني 2027 سيصل مجموع الرواتب إلى 30 راتباً”.

وأشار إلى أن “العاملين في الإدارة العامة يتقاضون اليوم ما يعادل 19 راتباً بفعل الزيادة السابقة، فيما كانت الحكومة قد وعدت برفعها إلى 30 راتباً، إلا أن اندلاع الحرب حال دون استكمال هذا المسار”.
وقال بو ذياب إن “تأمين هذه الزيادة من الموازنة يشكل كلفة كبيرة على الدولة، مقدّراً أنها تبلغ نحو مليار دولار، وربما أقل بقليل”، لافتاً إلى أن “لدى الدولة حساباً لدى مصرف لبنان، وأن الحديث يدور عن نحو 10 مليارات دولار، أو نحو 6.5 مليارات دولار فعلياً بين الليرة والدولار”.
ولفت إلى أن ضخ “هذه الكتلة النقدية مباشرة في الرواتب سيؤدي حتماً إلى زيادة التضخم، خصوصاً في ظل توقعات البنك الدولي بارتفاع نسبة التضخم إلى 17.5%”، معتبراً أن “هذا المستوى من التضخم كفيل بتذويب الزيادة في الرواتب إذا جرى ضخها بالكامل من دون إجراءات مرافقة”.
وأوضح أن “زيادة الرواتب يمكن، في المقابل، أن تؤدي دوراً إيجابياً إذا ترافقت مع زيادة الإنتاجية وتحسين الإنتاج بشكل عام، إذ من شأنها تحفيز أحد محددات الاقتصاد، وهو الاستهلاك”.
وأشار إلى أن “الحد الأدنى للأجور والقدرة الشرائية في لبنان يشهدان انهياراً، وليس مجرد تراجع”، لافتاً إلى أن “ذوي الدخل المحدود، وهم الشريحة الأكبر في لبنان، باتوا يستهلكون أقل من حاجاتهم الأساسية نتيجة ضعف قدرتهم الشرائية”.
وأكد بو ذياب أن “الدولة تتحمل في المقابل مسؤوليات أساسية، وفي مقدمتها إصلاح القطاع العام”، مشيراً إلى “وجود الكثير من الهدر، فضلاً عن رواتب لأشخاص غير معروفة هوياتهم، وعدم إدارة الإنفاق العام بالشكل المطلوب، ولا سيما على مستوى المساعدات الاجتماعية، إضافة إلى وجود تفاوت كبير في الرواتب بين المؤسسات والإدارات”.
وكشف عن أن “بعض الهيئات الناظمة يتقاضى العاملون فيها أكثر من 6 آلاف دولار، في حين أن رواتب العاملين في مؤسسات أخرى تقل عن ألف دولار”، معتبراً أن “هذا التفاوت الكبير يمكن تحسينه وإدارته بصورة أفضل”.
وأشار إلى “إمكانية تحسين الجباية من دون فرض أعباء ضريبية إضافية”، لافتاً إلى أن هذا الأمر ملحوظ في موازنة عام 2027، معتبراً أن تحسين الجباية وإدارة الموارد بشكل أفضل يمكن أن يساهما في الحفاظ على التوازن المالي في حال جرى رفع الأجور.
ورأى بو ذياب أن “تحسين القدرة الشرائية لا يجب أن يتم بالضرورة من خلال رفع الرواتب والأجور فقط، بل يمكن للدولة أن تعمل على تخفيض الكلفة الاجتماعية التي يتحملها المواطن، وذلك من خلال خفض كلفة الكهرباء عبر زيادة إنتاج كهرباء الدولة وتخفيض فاتورة المولدات، إلى جانب تحسين قطاعي التعليم والاستشفاء”.
وقال إن “تحسين ما يمكن وصفه بـ”الأجر الاجتماعي” من شأنه أن يرفع القدرة الشرائية للمواطن، كما يساهم في رفع إنتاجية مؤسسات الإدارة العامة، الأمر الذي يساهم بدوره في تحفيز الاقتصاد بصورة أوسع”.
وشدّد بو ذياب على أن “الحكومة أمام مسؤوليات تتعلق بزيادة الإنتاجية وتحسين الإدارة”، معتبراً أن “المطلوب اليوم لا يقتصر على إدارة الأزمة، بل يجب أن تكون الموازنة موازنة لإدارة الإنقاذ، أو ما يُعرف بـ”Recovery Plan”، أي إعادة النمو”، وهو ما اعتبره أهم بكثير من زيادة الأجور بشكل طفيف.
وأضاف أن “لبنان يحتاج أيضاً إلى إقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة”، معتبراً أن “ذلك يتطلب إصلاحاً في القطاع العام، بالتوازي مع إعادة النظر في النظام التقاعدي في لبنان، نظراً إلى وجود هدر فيه، بما يسمح بتحسين إدارة هذا الملف بصورة أفضل”.



