أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

هذه هي أهمية زيارة عيسى إلى المجلس الشيعي (الجمهورية 9 أيلول)

تبدأ الديبلوماسية الفاعلة حين يذهب السفير إلى حيث توجد الأسئلة الصعبة. بهذا المعنى، تحمل زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى قيمة سياسية تستحق التقدير. فالجلوس مع الشيخ علي الخطيب، والاستماع إلى اعتراضاته على السياسة الأميركية، يفتحان مساحة ضرورية لفهم مخاوف بيئة يقع مستقبلها في صلب أي تسوية لبنانية. وقد وصفت مصادر المجلس اللقاء بالصريح، بما يؤكّد أنّ التواصل استوعب الخلاف ولم يشترط تجاوزه مسبقاً.

تكتسب الزيارة أهمّيتها من توقيت يحتاج فيه المسار الديبلوماسي إلى ما يعزّز صدقيّته لدى اللبنانيّين. وقد سبقتها جهود عيسى للإفراج عن أسرى لبنانيّين، شكر رئيس الحكومة نواف سلام السفير عيسى عليها. هنا تتضح فرصة سياسية: البناء على خطوة إنسانية، لإقناع المتشكّكين بأنّ التفاوض يمكن أن يستعيد حقوقاً ويخفف معاناة. لكنّها فرصة تحتاج إلى متابعة، لأنّ أثر الإنجاز المحدود يتراجع سريعاً عندما تستمر أسباب الخوف.

أمّا اختيار المجلس الشيعي، فيتيح مخاطبة مرجعية دينية ومؤسساتية لها موقعها داخل الطائفة، من دون افتراض أنّها تختصر تنوعها. ويمكن قراءة هذه الخطوة بوصفها سعياً إلى توسيع التواصل الأميركي مع المجتمع الشيعي، وفهم مصالحه وهواجسه خارج الاختزال الحزبي، وطمأنة الشيعة أنّهم غير مستهدفين. وهذه مقاربة جديرة بالتشجيع؛ إذ يصعب بناء استقرار مستدام، إذا شعر مكوّن لبناني بأنّ الآخرين يناقشون مستقبله من دون الاستماع إليه.

يُحسب للسفير عيسى أنّه منح هذا الاستماع مكاناً في حركته. فالذهاب إلى محاور يوجّه انتقادات حادة لبلاده يعكس شجاعة ديبلوماسية وحساً عملياً. وتظهر قيمة هذه المبادرة في قدرتها المحتملة على نقل المخاوف اللبنانية إلى دوائر القرار الأميركي، بالتوازي مع شرح توجّهات واشنطن للبنانيّين. تلك وظيفة دقيقة، يحتاج أداؤها إلى الصبر والوضوح واحترام حساسية المجتمع الذي تتحرَّك فيه الديبلوماسية. أخبارلبنان

وفي تصريحه عن الاستعداد للتفاوض مع «حزب الله» عبر الدولة اللبنانية، وضع عيسى قيداً مؤسساتياً مهمّاً على الانفتاح. فالتواصل مع البيئات والمرجعيات يمكن أن يساعد في توسيع القبول بالتفاوض، فيما تبقى الدولة مرجعه الرسمي. كما ربط خطابه بمصلحة البيئة الشيعية وعودة الأهالي إلى الجنوب، وأكّد مواصلة الجهود في ملف الأسرى.

تسمح هذه العناصر بقراءة توجُّه السفير عيسى، الذي يجمع بين تثبيت مرجعية الدولة ومحاولة طمأنة المجتمع. وتلك أهمّية استراتيجية للبنان: كلما اقتنع المواطن بأنّ مؤسساته تستطيع حماية حقوقه، ازدادت فرص احتكامه إليها. ومن شأن الديبلوماسية الأميركية أن تساعد في هذا الاتجاه، حين تقرن دعم الدولة بنتائج محسوسة لأبنائها. فعودة عائلة إلى منزلها قد تمنح المسار السياسي صدقية تفوق ما تمنحه عشرات البيانات.

لكنّ العقدة الأساسية تبقى في ترتيب الخطوات. فقد ربط الخطيب معالجة السلاح بتوفير الحماية والضمانات، وطالب بالضغط على إسرائيل، مجدّداً الدعوة إلى حوار برعاية رئيس الجمهورية. وهذه المواقف تحدّد الاختبار الفعلي أمام الوساطة: كيف تتحوَّل المطالب المتعارضة إلى إجراءات متبادلة، قابلة للتحقق، تخفّف الخوف وتمنع استغلاله لتعطيل الحل؟

هنا تتجلّى براعة السفير عيسى في المتابعة: تحديد ما يمكن إنجازه، ونقل الالتزامات بدقة، والمساعدة في تقريب المسافات بين الأطراف. ويبقى تأثيره مرتبطاً بتفويض إدارته واستعدادها لاستخدام أدواتها، وباستجابة لبنان وإسرائيل. لذلك، فإنّ إنصاف جهوده يقتضي تقدير المبادرة، مع قياس نجاحها بما تستطيع إنتاجه في الأمن والأسرى والعودة والانسحاب. صُحف

وليتحقق ذلك، ينبغي أن تصبح الزيارة قناة متابعة منتظمة، تسمح باختبار التعهّدات وتصحيح سوء الفهم قبل تحوله إلى أزمة. فالاستماع الأول يفتح الباب، لكنّ تراكم الخطوات هو الذي يبني الثقة. وفي هذا المسار، يحتاج لبنان إلى السفير عيسى مثابراً، قادراً على إبقاء الحوار حياً حين ترتفع كلفة التفاهم.

لقد اتخذ ميشال عيسى خطوة تستحق الإشادة، لأنّها فتحت نقاشاً ضرورياً في مكان حساس. والرهان الآن أن يساعد هذا الجهد في تحويل النفوذ الأميركي إلى حماية ملموسة للاستقرار اللبناني، وإلى تعزيز قدرة الدولة على استعادة حقوق مواطنيها. عندها تكتسب الزيارة وزنها الكامل: بداية ثقة تعطي الديبلوماسية فرصة أوسع، وتعطي اللبنانيين سبباً أقوى للتمسك بها.

بواسطة
بيار خوري
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى