ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

ماذا يعني تصاعد الهجمات في البحر الأسود لأسعار الغذاء؟

أدت هجمات متواصلة منذ نحو شهرين تشنها روسيا وأوكرانيا على السفن التجارية والموانئ التابعة لكل منهما في البحر الأسود وبحر آزوف إلى تقليص صادرات الحبوب من البلدين. ودفع ذلك العقود المستقبلية للقمح إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات، وهدد إمدادات الغذاء العالمية.

تستحوذ روسيا وأوكرانيا معاً على أكثر من ربع صادرات القمح العالمية، كما تنتجان كميات كبيرة من الشعير، والذرة، وزيت دوار الشمس. وتعيد الاضطرابات في الفترة الماضية إلى الأذهان ما حدث في 2022، عندما تسببت الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا فعلياً في تعليق عمليات تحميل الشحنات في الموانئ الأوكرانية، ما دفع أسعار الحبوب إلى مستويات قياسية.

ومع أن الاضطرابات الحالية لم تُحدث بعد التأثير نفسه على الأسعار، فإنها تأتي في وقت صعب لقطاع الغذاء. ويهدد تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بسبب حرب إيران تدفقات الأسمدة وغيرها من المدخلات الرئيسية التي يستخدمها المزارعون. كما تتسبب موجات الحر في ذبول المحاصيل في أوروبا. وتهدد ظاهرة “إل نينيو” المناخية بإلحاق مزيد من الضرر بإنتاجية المحاصيل الزراعية.

ما الذي يحدث في البحر الأسود؟
استهدفت روسيا على مدى أشهر البنية التحتية لصادرات الحبوب الأوكرانية بضربات جوية أصابت منشآت تديرها بعض أكبر شركات تجارة المحاصيل في العالم، من بينها “بانجي غلوبال” (Bunge Global SA)، و”آرتشر دانييلز ميدلاند” (Archer-Daniels-Midland). وفي يوليو، كثفت روسيا حملتها، مستهدفة سفن شحن ومحطات شحن الحبوب الرئيسية في تشورنومورسك، وأوديسا، وبيفديني.

ومنذ التصعيد، تستهدف روسيا الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود كل يوم تقريباً. كما ضربت موانئ أوكرانيا على نهر الدانوب، التي أصبحت مركزاً بديلاً مهماً لصادرات الحبوب بعد تعطل مسارات البحر الأسود. وكانت الشحنات عبر الدانوب تواجه بالفعل مشكلات بسبب انخفاض منسوب المياه جراء حرارة الصيف.

ونتيجة لذلك، تراجعت صادرات أوكرانيا من الحبوب، وانخفضت في أغسطس إلى ما قال وزير الزراعة تاراس فيسوتسكي إنه يعادل خُمس حجمها المحتمل. وحذرت وزارته من أن الشحنات الزراعية للبلاد خلال الموسم الحالي قد تقل عن نصف الكمية المقدرة سابقاً.

ولا يبدو الوضع أفضل في روسيا. فقد كادت هجمات أوكرانيا على الموانئ والسفن الروسية في البحر الأسود وبحر آزوف أن تشل مساراً يتولى عادة نقل أكثر من 70% من صادرات الحبوب الروسية.

وضربت أوكرانيا ميناءين روسيين رئيسيين على ساحل بحر آزوف في يوليو، ما أدى إلى تقييد حركة العبور عبر قناة الدون-آزوف، التي تربط البحر بنهر الدون، وهو ممر مائي رئيسي في روسيا.

وفي أغسطس، أوقفت عدة محطات للحبوب في مركز التصدير الرئيسي للبلاد في نوفوروسيسك عملياتها بعد تعرضها لأضرار في هجوم ضخم بطائرات مسيرة. ومن المتوقع أن تستغرق الإصلاحات أشهراً.

يمكن لروسيا استخدام موانئها على بحر البلطيق للتصدير، لكن الطاقة الاستيعابية المحدودة هناك لا تكفي لاستيعاب نحو 60 مليون طن متري من الحبوب تستطيع البلاد تصديرها خلال موسم واحد.

وصدرت روسيا في أغسطس أقل من نصف كمية القمح التي صدرتها في الشهر نفسه من العام الماضي. وتوقعت شركة الأبحاث “سوف إيكون” (SovEcon) أن تنخفض صادرات سبتمبر إلى أدنى مستوى لذلك الشهر منذ 2010.

ما مدى أهمية منطقة البحر الأسود لإمدادات الغذاء العالمية؟
ثمة سبب وراء تسبب الحرب الروسية على أوكرانيا في 2022 في أكبر قفزة مسجلة في أسعار الغذاء العالمية. فالبحر الأسود أحد أهم ممرات الصادرات الزراعية في العالم، وتمر عبره حصة كبيرة من تجارة القمح، والذرة، وزيت دوار الشمس.

وتعد موانئ أوكرانيا بوابات حيوية للصادرات إلى دول في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا لا تستطيع بسهولة تحمل تكلفة الحبوب الأعلى سعراً من مناطق أخرى.

وتعد روسيا أكبر مصدرة للقمح في العالم، وتوفر نحو طن واحد من كل ستة أطنان يجري تداولها عالمياً، ما يجعل استمرار الوصول من دون انقطاع إلى ممر البحر الأسود أمراً بالغ الأهمية لأسواق الغذاء العالمية.

قال مات داراغ، محلل الحبوب والبذور الزيتية لدى “كبلر” (Kpler): “عادة ما يكون قمح البحر الأسود الأرخص عالمياً”.

وأضاف: “المشترون الحساسون للأسعار سيخفضون الطلب على الواردات أو سيواجهون أسعاراً أعلى. وفي كلتا الحالتين، سيدفع ذلك تضخم أسعار الغذاء العالمي إلى الارتفاع”.

كيف تمكنت أوكرانيا من تصدير حبوبها حتى الآن؟
بعد انسحاب روسيا في 2023 من اتفاق يسمح بتصدير الحبوب عبر البحر الأسود، أنشأت أوكرانيا ممراً بحرياً جديداً لشحن الحبوب والسلع الأخرى من موانئها على البحر الأسود.

ولتجنب الهجمات الروسية، تبحر السفن بمحاذاة الساحل الأوكراني، ثم تمر عبر المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا، العضوين في الاتحاد الأوروبي، قبل التوجه عبر مضيق البوسفور إلى البحر المتوسط.

قال مايك فيردين، كبير مستشاري الأسواق لدى “سي آر إم أغري كوموديتيز” (CRM AgriCommodities): “كانت السوق تعتمد حتى الآن على استمرار شحنات الحبوب من دون انقطاع، على الرغم من حرب أوكرانيا. وما نشهده الآن هو، في جوهره، إعادة فتح الجرح الأصلي الذي تسببت فيه الحرب الروسية”.

هل المحادثات ممكنة؟
عرضت أوكرانيا على روسيا هدنة لوقف الهجمات على السفن التي تنقل السلع الزراعية عبر البحر الأسود، لكن موسكو رفضت الاتفاق لأنها أرادت ضمانات بعدم استهداف بنيتها التحتية للطاقة، وفق ما قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أواخر أغسطس.

واستهدفت هجمات أوكرانية بطائرات مسيرة، من بين أهداف أخرى، مصافي نفط في عمق الأراضي الروسية. وأقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالأضرار الاقتصادية الناجمة عن الضربات الأوكرانية، وقال إنه رفض مقترحات من كييف لوقف إطلاق النار باعتبارها “غير مقبولة”، وفي بعض الحالات “غريبة”، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

في المقابل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في 31 أغسطس إن تركيا على اتصال بروسيا وأوكرانيا في محاولة لإحياء اتفاق الحبوب خلال الحرب الذي توسطت فيه الأمم المتحدة. ولم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الجهود ستنجح.

في غضون ذلك، تستعد روسيا لتصعيد هجماتها على أوكرانيا بعدما خلصت إلى أن مفاوضات التوصل إلى اتفاق سلام وصلت إلى طريق مسدود، وفق ثلاثة أشخاص مقربين من الكرملين.

ماذا تعني هجمات البحر الأسود لأسعار الغذاء العالمية؟
تحوم أسعار السلع الغذائية المتداولة دولياً قرب أعلى مستوياتها منذ 2023، لكنها لا تزال أقل بكثير من الذروة التي بلغتها في أعقاب الحرب على أوكرانيا. ولا تزال مخزونات الحبوب وفيرة بعد محاصيل قياسية في السنوات الماضية. وتعد رومانيا، وبلغاريا، وصربيا مصادر بديلة مفيدة لإمدادات القمح من منطقة البحر الأسود.

مع ذلك، تزيد الاضطرابات الضغوط المتراكمة في السوق العالمية. ويواجه المزارعون في بعض الدول نقصاً وارتفاعاً في أسعار الأسمدة والوقود بسبب الإغلاق المتكرر لممر التجارة الحيوي عبر مضيق هرمز.

وتضيف تقلبات الطقس طبقة أخرى من عدم اليقين. فقد أضرت موجات الحر المتتالية بالمحاصيل في أجزاء من أوروبا، ما يترك المزارعين أمام حصاد أقل.

ومن المرجح أن تجعل الأضرار التي لحقت بالذرة المنطقة أكثر اعتماداً على واردات هذا المحصول، الذي يُستخدم علفاً للحيوانات.

وفي الولايات المتحدة، دفعت فترات الجفاف المستمرة في السهول الكبرى وحزام الذرة، وهما من مناطق الزراعة الرئيسية في البلاد، أسعار السلع الغذائية الأساسية إلى الارتفاع. ومن المتوقع أن تتسبب عودة “إل نينيو” في مزيد من الاضطرابات للقطاع الزراعي.

ماذا تعني الاضطرابات لأوكرانيا وروسيا؟
تمثل الحبوب مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية لأوكرانيا، ويعني الاضطراب في البحر الأسود انخفاض دخل المزارعين، ما يزيد الضغوط على الاقتصاد في زمن الحرب.

وفي ظل التحديات التي تواجه تصدير محاصيلهم، قد يقلص المزارعون الروس زراعة المحاصيل الشتوية، ما سيؤثر على الإمدادات العالمية مستقبلاً.

 

المصدر
بلومبرغ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى