أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

هل يملك اللبناني رفاهية ترتيب صدماته؟ (الأخبار 5 أيلول)

بدأ الأمر كله بقراءة عابرة. كنت أتصفّح مقالاً نفسياً يتحدث عن «الانطفاء الذاتي» والاحتراق الوظيفي الذي تسببه بيئات العمل السيئة والمستنزِفة، مشيراً بيقين علمي حاسم إلى أن الروح تحتاج من ثلاث إلى خمس سنوات من الاستقرار الكامل والبيئة الآمنة للتعافي من آثار هذا الاستنزاف.

سخرتُ في سري أولاً، ثم شعرت بغصة حادّة تلتها نوبة كآبة باغتتني كإعصار. كان ذلك المقال بمثابة المحفّز «Trigger» الذي اخترق جدار الإنكار السميك الذي بنيتُه لسنوات. تذكرت كيف هربت من عملي القديم الذي أحرق شغفي، وكيف توهمت أنني بمجرد المغادرة والهروب سأتعافى. لكن الحقيقة المرّة التي واجهتني في تلك اللحظة هي أنني منذ ذلك اليوم وحتى اليوم، لم أتعافَ خطوة واحدة. ليس لأنني لا أريد، ورغم أنني حاولت والتزمت بالجلسات النفسية على قدر ما سمحت لي الحياة بذلك، لكن «الحاضر» لم يترك لي مساحة أو رفاهية لألتفت وراء جراحي القديمة.

هنا تجلّت المعضلة الكبرى التي يواجهها كل من يلجأ منا إلى العلاج النفسي في هذه البقعة الجغرافية المأزومة: كيف لنا أن نداوي جروح الماضي بينما الحاضر يكسر عظامنا؟ كيف يمكن للعيادة النفسية أن تتبع بروتوكولاً كلاسيكياً في التفكيك وإعادة البناء، في وقت لا نملك فيه «بيئة معقّمة» أو آمنة لننبش فيها الطفولة وأخطاء النشأة؟

إننا نعيش في دوامة صادمة لا تنتهي. ما إن تخرج من صدمة حتى تبتلعك أخرى أشد شراسة. وجدت نفسي أؤجل معالجة احتراقي الوظيفي وهويتي المهنية المفقودة، لأتعامل مع خلافات حادة وممزقة مع أقاربي وأصدقائي بسبب الآراء السياسية وانقسامات المجتمع. ثم دخلت في صراع وجودي مرير حول هويتي الشخصية: من أنا؟ شخصيتي الجديدة التي تشكلت بالوعي لم تعد تشبه تماماً المجتمع الذي نشأت وتربيت فيه، وفي الوقت نفسه لا تجد مكاناً كاملاً أو لا تنتمي إلى مجتمع المدينة الجديد الذي انتقلت إليه. عشت في برزخ الهويات الضائعة، وصراع حادّ ومستمر حول «من أنا» وسط عالم يطالبك بالانتماء إلى قطيع ما كي يعترف بك.

أشباح الأجداد: إرث الخوف المتوارث عبر الأجيال
هذا التراكم المرعب للصدمات لا يبدأ منا، بل هو امتداد لما يُعرف في علم النفس بـ«الصدمات المتوارثة عبر الأجيال» Intergenerational Trauma. نحن لم نولد بصفحة بيضاء، ولدنا بجهاز عصبي محمّل بجينات الخوف، وآليات الدفاع، والترقب الدائم الذي ورثناه من أهالينا وأجدادنا.

في البيت اللبناني تحديداً، لا يرتل الآباء لأبنائهم تهويدات النوم بقدر ما يورثونهم شيفرات النجاة. أجدادنا وآباؤنا الذين تعايشوا مع الحرب الأهلية اللبنانية بكل قسوتها، وعبروا أهوال الاجتياحات والمجازر وشبح الانقسام الطائفي والتهجير القسري، لم يملكوا يوماً ترف الذهاب إلى معالج نفسي، ولم يعرفوا مصطلحات مثل «التعافي» أو «تفريغ الصدمات». لقد كانوا في حالة «تأهب للبقاء» دائم. كبتوا رعبهم وفزعهم من الفقدان والدمار، وحولوه، دون وعي، إلى قسوة في التربية أحياناً، إلى رغبة مفرطة في السيطرة على الأبناء لحمايتهم من عالم غير آمن، إلى انسحاب عاطفي زاهد، إلى حرص مفرط يشبه البخل، أو إلى ذعر دائم من «الآخر» الذي يشاركهم ذات الوطن.

لقد تجسد هذا الإرث اللبناني في تفاصيل حياتنا اليومية. في العقلية التي لا تطمئن إلا بتخزين الطحين والشمع والسكر، في وسواس الحفاظ على «حقيبة الهرب» جاهزة عند الباب، وفي ذلك النمط الحياتي القائم على تخزين البنزين والمؤونة تحسباً لأي انقطاع مفاجئ للعيش. هذا ليس مجرد حرص، بل هو تجسيد حي لصدمة حرب إقليمية وأهلية لم تُعالج قط، بل أُورِثت مع فصيلة الدم.

تحدثتُ إلى ريم (34 عاماً)، وهي مهندسة معمارية جنوبية تقطن في بيروت، فكانت كلماتها كأنها مرآة تعكس هذا العبء الممتد عبر العقود. قالت لي بأسى هادئ:

طوال سنوات، كنت أبتسم بتهكم كلما رأيت أمي تضع شنطة صغيرة داخل درج الخزانة، فيها دفاتر العائلة الثبوتية، أسوارتا ذهب، وبعض دولارات تقترضهم من الحقيبة ثم ترجعهم اذا تيسرت. كانت تصرخ بنا إن غبنا عنها لأكثر من ثلاث ساعات. كنت أعتبر تفقدها للأبواب ونغمة القلق السريع في صوتها «فوبيا مرضية» ورثتها من حرب الـ 96.

في أواخر أيلول، حين تداخل صوت الغارات في الضاحية مع اتصالات الإخلاء والتخبط في الشوارع، لم أضمّ ملابسي ولا حاسوبي المحمول الذي أعمل عليه. وجدت نفسي تلقائياً، وبلا تفكير، أمدّ يدي إلى درج مكتبي وأحشر في حقيبة ظهر صغيرة: جواز السفر، عقد البيت، كيس أدويتي، وبضعة أغراض لا قيمة لها. وأنا أنزل أدراج البناية أركض وسط زحمة السيارات وصراخ الناس على طريق المطار، نظرتُ إلى الحقيبة في يدي… تجمّدتُ على العتبة.

هذا التراكم المرعب للصدمات لا يبدأ منا، بل هو امتداد لما يُعرف في علم النفس بـ«الصدمات المتوارثة عبر الأجيال»

لم تكن هذه ردة فعل مهندسة معمارية متعلمة تعيش في عام 2024، كانت هذه «حقيبة النجاة» ذاتها التي وضعتها أمي عند باب البيت عام 1982، وجدتي عام 1978. في تلك اللحظة، شعرت ببرودة تسري في ظهري: جهازي العصبي لم يكن يهرب من الغارة الحالية فقط، بل كان يستحضر رعب ثلاثة أجيال من النساء اللواتي حملن بيوتهن في أكياس بلاستيكية وفررن في عتمة الليل.

في أول جلسة مع المعالجة النفسية عبر الزوم، وأنا أنتحب من شدة الهلع، قلت لها: «أريد أن أقتلع هذا الخوف المتوارث من جيناتي، تعبت من كون نساء عائلتي يعشن دائماً في شنط ظهر!»، لكن المعالجة أوقفتني بهدوء قاطع: «ريم، لا تحاربي هذا الخوف الآن. خوفك اليوم ليس اضطراباً، خوفك وحقيبتك هما ما أبقاكِ وأبقى عائلتك على قيد الحياة لثلاثين عاماً».

المنظور النفسي: كيف تُبعث الصدمة المتوارثة من مرقدها؟
من منظور طب النفس العصبي، يُفسر الاختصاصيون هذه الظاهرة بأن الصدمات المتوارثة لا تُخزن فقط كـ «ذكريات وحكايات»، بل كـ تعديلات إبيجينية (Epigenetics) وتغييرات في كيمياء الجينات تؤثر على استجابة «المحور الوطائي-النخامي-الكظري» المسؤول عن إفراز هرمونات الضغط النفسي. في أوقات السلم الهش، تبقى هذه الشيفرات الجينية في حالة «خمول مجمّد». ولكن، بمجرد وقوع حدث ضاغط يشبه الجرح الأولي — كصوت الانفجارات، أو أوامر الإخلاء، أو رائحة البارود — يحدث ما يُسمى بـ«التفعيل القسري للذاكرة العضلية والعصبية».

الجهاز العصبي للحفيد لا يتعامل مع الحرب الحالية كحدث جديد منفصل، بل يتعامل معها كـ«تهديد ممتد» أُعدّ له مُسبقاً عبر أجيال. الهلع الذي شعرت به ريم لم يكن قلقاً مرضياً طارئاً، بل كان خروجاً مفاجئاً لتروما الأجداد الكامنة لتعمل كدليل تشغيلي سريع في لحظة الخطر الداهم.

نحن اليوم نمتد من تلك السلسلة المكسورة. نحن الجيل الذي قرر أن يفتح الدفاتر القديمة ويلجأ إلى العلاج النفسي، لكننا وجدنا أنفسنا نحارب أشباح الماضي وأهوال الحاضر معاً. البيئة المحيطة بنا مليئة بالسمّية والتوتر المستمر، والصدمات أصبحت مُلقاة على أرصفة الشوارع وفي نشرات الأخبار اليومية. فكيف نتنفس بينما الهواء من حولنا مُشبع برائحة الحروب وصدمات المعيشة؟ كيف نتخطى عدم أمان أجدادنا في اللاأمان اليوم؟ كيف أتحرر من الفقد وأنا في عالم لم يعد فيه الموت خبراً عاجلاً، بل أصبح مناخاً نعيش فيه؟

فوضى الأولويات: هل توجد أولويات في العلاج النفسي؟
ثم، في ذروة هذا التشتت وتداخل الصدمات التاريخية بالحديثة، تأتي الضربات الأقسى التي تجمّد الوقت وتجعل كل ما قبلها تفاصيل صغيرة: أزمات اقتصادية طاحنة تخنق الأنفاس وتجعل البقاء المادي إنجازاً. تعمل لتأكل وتدفع أجرة طريق عملك. عدم أمان مادي ثم عدم أمان صحي، كورونا، حجر صحي، انعزال عن العالم المادي، السقوط في عالم المثاليات الرقمية الزائف، مقارنات، انعدام الثقة بالنفس، ضغوطات العمل عن بعد في ظل أزمات البلد. وثم قلق الحرب المستعرة التي لا تنتهي، والتي تُوّجت بالفاجعة الأكبر: فقدان شقيقي فيها.

رحل شقيقي في الأسبوع الأول لحرب 2024، وظلّ صوته يتردّد في ممرات روحي، لتتجمّد كل الآلام السابقة، من احتراق وظيفي وصراعات هوية وقلق مزمن، بل حتى تروما انفجار المرفأ… كله تلاشى أمام هول الفقدان وعجز العزاء. حرب ضروس وخسارات لا تنتهي، ثم خمسة عشر شهراً من حرب اللاحرب، وبعدها حرب جديدة لم تنتهِ بعد أصلاً. ولم ينته موسم الفقد أيضاً، فبعد أخي، أولاد خالي، ثم بين الحربين أًصدقاء شاركت معهم المقاعد الدراسية أو مكاتب العمل، لنستقبل الحرب الجديدة بأولاد خالتي وحفيدها وابن عمتي ولا أدري ان كنت قد اختتمته باستشهاد أبي في اليوم الأول للهدنة المزعومة.

أمام هذا الواقع السريالي، يبرز السؤال النفسي والفلسفي الأكثر إلحاحاً: هل توجد حقاً «أولويات» في العلاج النفسي؟ هل نبدأ بجرح الطفولة، أم باحتراق العمل، أم بصدمة الهوية، أم بفاجعة الفقد الطازجة والمستمرة وقلق الحرب وأزمة النزوح وقلق العودة للأرض؟

بين PTSD و CTS: عندما تصبح المعاناة متصلة
هنا يصطدم الواقع العربي بالطب النفسي الغربي الكلاسيكي. لقد طوّر علم النفس التقليدي معظم بروتوكولاته لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وهو مفهوم يفترض وجود حدث صادم حدَث في الماضي وانتهى، وأن المريض يعيش الآن في بيئة مستقرة وآمنة تسمح له بنبش الماضي وتفكيكه.

لكن واقعنا يفرز مفهوماً مختلفاً تماماً يُعرف بـ: الصدمات المركبة المستمرة (Continuous Traumatic Stress – CTS). في حالة الصدمات المستمرة، لا يوجد «ما بعد» للصدمة لأن التهديد لا يزال قائماً ومستعراً. الحاضر ينزف والمستقبل غير معلوم. بالتالي، فإن محاولة تطبيق أدوات الـ PTSD التقليدية علينا هي محاولة لإصلاح محرّك السيارة بينما هي تهوي من أعلى شلال!
في هذا السياق، يؤكد رائد «علاج التقبّل والالتزام» (ACT) العالم ستيف هايس (Steven C. Hayes) على هذه الحقيقة بقوله:
«ليس القلق أو الخوف دفاعاً مرضياً يجب استئصاله حين تكون في قلب التهديد، بل إن محاولة إزالة هذه الاستجابات الطبيعية في ظروف الخطر الفعلي هي إجراء غير عقلاني. الاستجابة للصدمة في بيئة غير آمنة ليست عطلاً نفسياً، بل هي سلاح وظيفي وحماية مرنة يبنيها العقل لحفظ الحياة».

في حالتنا، حيث الصدمات مركّبة ومستمرة، يقلب علم النفس الحديث القواعد. الأولوية القصوى هنا لا تعود للنبش في الماضي، بل لـ«البقاء والتجذير الراهن».
لذا التعافي في منطقتنا هو أشبه برقصة عنيفة ومتعبة مع الواقع. أحياناً، يكون الامتناع عن نبش جراح الماضي، والتركيز فقط على كيفية العيش اليوم، وكيفية حماية الروح من الانهيار أمام فاجعة فقدان الأحبة، هو قمة الوعي النفسي. إن «تأجيل» مواجهة بعض الصدمات القديمة ليس دائماً هروباً جباناً أو نكراناً، بل هو في كثير من الأحيان «آلية بقاء ذكية» يتخذها العقل لحمايتنا من الاحتراق الكامل. العقل يعلم طاقتنا، فيضع الضمادات المؤقتة على الجراح القديمة ليتفرغ لمواجهة النيران المشتعلة في الحاضر.

وهنا يعود السؤال: كيف أعالج القلق المزمن الذي فعّلته الحرب الآن، ولكنه في الأصل نتيجة صدمة متوارثة؟ كيف أتخلص من وضعية النجاة (Survival Mode)، وهي آلية دفاع توارثتها وتعلمتها من أسلافي؟

إعادة تعريف التعافي تحت الأنقاض
تستكمل ريم شهادتها وكأنها تصوغ الإجابة عن أسئلتي الحائرة:
«فهمت حينها أن محاولة علاج صدمة التهجير المتوارثة بينما الطائرات تحوم فوق رأسي هي ضرب من الرفاهية السريالية. التعافي بالنسبة إليّ اليوم ليس أن أوقف خفقان قلبي العالي، بل أن أعترف بحقي في الخوف، وأن أتعلم كيف أتنفّس وسط نوبة الهلع بدلاً من معاتبة نفسي عليها. نحن لا نملك رفاهية اختيار معاركنا النفسية، كل ما نملكه هو ألّا نكره أنفسنا لأننا مرعوبون. وضعية النجاة هي من يبقيني على قيد الحياة اليوم، وربما هذا يكفي».

إن اللجوء إلى العلاج النفسي هو محاولة شجاعة لإبقاء الرأس فوق الماء. نحن لا نبحث في العيادات النفسية عن «السلام الداخلي المطلق» أو الطمأنينة الكاملة، فهذه المصطلحات تبدو غريبة وبعيدة عن واقعنا، نحن نبحث عن القدرة على التماسك وإعادة تنظيم أجهزتنا العصبية المستنفرة لتتحمل الضغط الحالي دون أن تنفجر.

التعافي تحت الأنقاض يعني أن نتصالح مع فكرة أننا نسخ متصدّعة، وأن جراح الماضي قد تظل مفتوحة لبعض الوقت لأن الحاضر لا يمنحنا وقتاً لتخييطها. الحفاظ على أرواحنا حية، تشعر بالألم، وترفض الاستسلام التام للواقع السام، هو فعل المقاومة الأسمى.
قد لا نملك القدرة على ترتيب صدماتنا في طوابير منتظمة لتعالج الواحدة تلو الأخرى، لكننا نملك الوعي بأننا نمر بظروف غير طبيعية، وأن تصدّعنا هو رد الفعل الطبيعي الوحيد. سنستمر في حمل حقيبة إسعافاتنا النفسية المؤقتة، نداوي ما يمكن مداواته، ونؤجل ما يجب تأجيله، ممتنّين لكل ارتطام قاسٍ أعاد نحت أرواحنا، بانتظار صيفٍ حقيقي، تولد فيه أرواحنا من جديد، أكثر لطفاً، وأكثر سلاماً، وأقل ضجيجاً.

 

بواسطة
بتول عز الدين
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى