جو صدي أطلق التدقيق في الكهرباء: اختبار جدّي لقدرة الدولة الإصلاحية

أعاد إطلاق وزير الطاقة والمياه جو صدي مسار التدقيق الجنائي في صفقات البواخر بين 2012 و2017 وصفقات الفيول المرتبطة بها، ملف الكهرباء إلى الواجهة بوصفه اختباراً جدّياً لقدرة الدولة على فتح ملفات الهدر والإنفاق العام، بعيداً من الاصطفافات السياسية، بعدما أكد أن الهدف هو معرفة مصير الأموال التي دفعتها الخزينة وإبعاد الملف عن التجاذب السياسي.
وبالرغم من أن صدي حرص على عدم إضفاء أيّ طابع سياسي على الملفّ، بل التمسّك بالنهج المؤسساتي والقانوني لأن من حق اللبنانيين أن يعرفوا كيف صُرفت الأموال، وما إن كان هناك هدر أو فساد، جاء إعلانه عن طرح دفتر شروط لإطلاق مناقصة تدقيق جنائي في مشروع سدّ وبحيرة جنة في نهر إبراهيم ليطرح علامات استفهام حول توقيت إطلاق التدقيق، وهل هو قرار مالي إصلاحي، أم يحمل في خلفيته بعداً سياسياً؟ خصوصاً أن إطلاق التدقيق ترافق مع أزمة كبيرة في قطاع الكهرباء، وعجز عن تأمين التغذية، بالرغم من كل الوعود التي أُطلقت بعد انتقال حقيبة الطاقة من يد “التيار الوطني الحر” إلى يد حزب “القوات اللبنانية”.
والواقع أن الملف يقع حكماً في قلب مواجهة سياسية قديمة بين “القوات” والتيّار بعدما تولى وزراء من التيار وزارة الطاقة لسنوات طويلة، فيما يتولى الوزارة اليوم وزير محسوب على القوات. لكن لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن قرار صدي لم يكن قراراً شخصياً، بل جاء بناءً على قرار من مجلس الوزراء الذي كان قد أقرّ قبل نحو شهر اعتماداً مالياً لوزارة الطاقة بناءً على طلبها لإعداد دفتر شروط يجيز تكليف شركة تدقيق القيام بمهمة التدقيق الجنائي، ما يعني أن قرار فتح المحاسبة والتدقيق لم يكن على مستوى وزير بل على مستوى الحكومة ككل والتزاماً من رئيسها تحديداً.
أما تحويل التدقيق إلى مجرد تصفية حسابات فيبدو تبسيطاً، وفق ما تقوله مصادر قواتية. فالتدقيق الجنائي، في رأيها، إذا جرى وفق دفتر شروط شفاف وبواسطة جهة مستقلة، يُفترض ألا تكون نتيجته مسبقة، لا إدانة طرف ولا تبرئة طرف. والمسار نفسه أخذ طابعاً مؤسساتياً، من إعداد دفتر الشروط بالتعاون مع هيئة الشراء العام، إلى تأمين الاعتمادات وموافقة مجلس الوزراء على البنود المرتبطة به. وتؤكّد المصادر أن فتح التدقيق لا يمكن قراءته في السياسة لأن المواطن يهمّه أن “يأكل العنب لا أن يقتل الناطور”. فالقوات ليست في وارد خوض معركة انتقامية من أيّ فريق، ولكنها تلتزم تنفيذ ما وعدت به وهو تأمين الشفافية والحوكمة والإدارة السليمة للمرفق العام.
لكن يبقى الأهم أن الملف يطرح سؤالاً أكبر من البواخر: ماذا تريد الدولة من قطاع الكهرباء؟ فالمعادلة التي حكمت لبنان طويلاً كانت: كهرباء بكلفة الدولة، أو لا كهرباء. أي إن المواطن يحصل على التغذية، فيما تتحمل الخزينة العجز، وتراكمت السلف والديون والخسائر على مدى سنوات. وقد أشار الصدي إلى أن القطاع استنزف أموالاً عامة ضخمة، فيما بقيت مشكلة الإنتاج والجباية والهدر قائمة. ومع قيام قطاع موازٍ للكهرباء، هو قطاع المولدات، باتت كلفة الكهرباء على المواطن هي الأعلى في العالم. ولا بد من كسر هذه المعادلة، إذ ليس المطلوب أن يكون الخيار أمام اللبنانيين، إما فاتورة باهظة للكهرباء للحصول على التيار أو التهديد بقطعها، وهو ما يمكن أن تصل إليه البلاد في ظلّ التقنين القاسي في التغذية، فيما يبقى التعويل على بناء قطاع ينتج الكهرباء بكلفة حقيقية وقابلة للتحمّل، ويدفع المستهلك ثمنها ضمن قدرة الدولة والمواطن، مع وقف النزف من الخزينة، سراباً!
من هنا، قيمة التدقيق ليست في إدانة حقبة سياسية، بل في كشف الحقيقة: كم دفعت الدولة؟ لماذا دفعت؟ ماذا حصلت في المقابل؟ ومن يتحمّل المسؤولية إذا ثبت وجود هدر أو مخالفات؟ وإذا أجاب التدقيق عن هذه الأسئلة، يصبح قراراً إصلاحياً. أما إذا تحوّل إلى سلاح سياسي، فلن يكون سوى فصل جديد من حرب الكهرباء بين القوات والعونيين، فيما يبقى اللبناني الضحيّة، من يدفع الكلفة الأعلى من دون الحصول على الخدمة!



