خاص – ضريبة الـ17% على أرباح «صيرفة».. من يدفع وكم ستحصّل الدولة؟

يبدأ المسار الأخير لوزارة المالية في ملف «صيرفة» من نقطة لافتة، إذ بعد أن بقي تنفيذ ضريبة موازنة 2024 معلّقاً بسبب غياب المعلومات والخلاف حول حدود السرية المصرفية، تنتقل الدولة فجأة إلى آلية تنفيذية كاملة ومفصّلة، بالتوازي مع تسليم مصرف لبنان أسماء المستفيدين إلى الإدارة الضريبية.
وفي هذا الإطار، أشار الكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy إلى أن “هذا التزامن ليس تفصيلاً إجرائياً، بل مؤشر إلى أن العائق الحقيقي أمام التحصيل لم يكن يوماً قانونياً بقدر ما كان سياسياً”، لافتاً إلى أن “الدولة كانت تعرف من استفاد من الفارق بين سعر «صيرفة» وسعر السوق، لكنها افتقرت إلى إرادة كسر جدار السرية المصرفية، إلى أن فرضت الظروف، من تفاوض مع صندوق النقد وضغط الدائنين والحاجة إلى إظهار جدية إصلاحية، كسر هذا الجدار”.

وأوضح أن “القرار الجديد يقضي بإخضاع كل شخص طبيعي أو معنوي تجاوز مجموع مشترياته من الدولار عبر «صيرفة» خلال الأعوام 2021 و2022 و2023 مبلغ مئة ألف دولار، لضريبة استثنائية إضافية بنسبة 17% على الأرباح الصافية المحققة من تلك العمليات، سواء كان الشخص خاضعاً لضريبة الدخل أم لا”.
ولفت إلى أن “الأهم هو أن الضريبة لا تُحتسب على كامل المبلغ عند تجاوز السقف، بل على الفارق الإضافي فوقه فقط، فعلى سبيل المثال، من نفّذ عمليات بقيمة 200 ألف دولار يُعفى من أول مئة ألف دولار، وتُفرض الضريبة حصراً على الأرباح الناتجة عن المئة ألف الثانية”.
واعتبر الخوري أن “هذا التصميم يكشف فلسفة القرار بوضوح، إذ إن الدولة لا تلاحق كل من تعامل مع «صيرفة»، بل ترسم حدوداً دقيقة تستثني صغار المتعاملين، والموظفين، والمودعين العاديين، والمستفيدين من فروقات الرواتب المعفاة صراحة بموجب القرار، وتُبقي شبكتها منصوبة على شريحة ضيقة العدد لكنها كبيرة الحجم”.
وقال إن “جوهر المفارقة يكمن هنا، إذ إن الأشخاص الأكثر عرضة للملاحقة عملياً ليسوا «المواطن العادي» الذي استفاد من «صيرفة» لتغطية نفقاته، بل كبار المتعاملين، من شركات ومؤسسات وأفراد نافذين مالياً نفّذوا عمليات متكررة أو ضخمة عبر حسابات فردية أو مشتركة”.
وكشف الخوري عن أن “هذه الفئة تحديداً هي الأكثر قدرة على المقاومة القانونية، في ظل إمكانية الاستعانة بالمحامين وخبراء المحاسبة، فضلاً عن العلاقات النافذة داخل الإدارة والمصارف نفسها التي يُفترض أن تزوّد البيانات”.
وأشار إلى أن “القرار يلزم المصارف التجارية بتسليم جميع التفاصيل خلال شهرين، بما في ذلك آلية توزيع العمليات على الحسابات المشتركة”، معتبراً أن “هذا الأمر يشكّل تحديداً مكمن الصعوبة التقنية، لناحية فصل نصيب كل مستفيد ضمن الحساب المشترك وتحديد صافي الربح بعد خصم العمولات والاقتطاعات المصرفية المتفاوتة زمنياً ومن مصرف إلى آخر، وهي عملية محاسبية دقيقة يمكن الطعن فيها من عشرات الزوايا”.
أما في ما يتعلق بإمكانية تحوّل الملف إلى إيراد فعلي للخزينة، فأوضح الخوري أن “التقديرات الأولية المتداولة تشير إلى ما لا يقل عن خمسين مليون دولار نقداً، وهو رقم متواضع للغاية إذا ما قورن بحجم الفارق الفعلي الذي راكمه متعاملو «صيرفة» خلال ثلاث سنوات من انهيار سعر الصرف”.
ولفت إلى أن “تواضع الرقم المتوقع، مقابل التعقيد الإداري الهائل للتحصيل، يطرح علامات استفهام حول الجدوى المالية الفعلية للملف، ولا سيما في ظل الحاجة إلى تدقيق حسابي فردي لكل مكلف، واحتمال تقديم طلبات استرداد من دافعي الضريبة وفق موازنة 2024، فضلاً عن الطعون القانونية المتوقعة، ومهلة التصريح التي تنتهي في تشرين الأول 2026، مع إمكانية تمديدها أو تعثرها، كما جرت العادة في الإدارة اللبنانية”.
ورأى الخوري أن “هذه المعطيات تطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت الدولة تراهن فعلاً على الحصيلة المالية، أم على الأثر الرمزي لإظهار أنها بدأت تلاحق الاستفادة غير المشروعة من سياسة نقدية كانت هي نفسها من صمّمها”.
وأوضح أن “هذا الخيط يربط ملف «صيرفة» بسياق أوسع”، مشيراً إلى أن “المنصة لم تكن سوقاً حرة أنتجت فرصاً عشوائية، بل كانت منصة صممتها الدولة ومصرف لبنان، وحدّدت هي سعرها وشروط الدخول إليها”.
واعتبر أنه “حين تتحول الدولة اليوم إلى ملاحقة الأرباح الناتجة عن فارق سعرها هي، فإنها عملياً تلاحق نتائج سياستها النقدية الخاصة، لا سلوكاً احتيالياً خارجاً عن إرادتها، مشدداً على أن ذلك لا ينفي شرعية استعادة جزء من الريع، لكنه يفسر لماذا يبقى الملف أقرب إلى عملية ترميم لشرعية سياسية محدودة الأثر المالي، منه إلى إصلاح ضريبي بنيوي يعالج جذر المشكلة، والمتمثل في غياب منظومة جباية قادرة على تتبع الثروة والدخل خارج لحظات الفضائح الكبرى”.
وختم الخوري بالإشارة إلى أن “الأرجح هو أن الخزينة ستحصّل مبلغاً حقيقياً لكنه هامشي، فيما سيكون الأثر الأكبر للقرار سياسياً وردعياً أكثر منه مالياً، باعتباره يوجّه رسالة إلى كبار المتعاملين بأن السرية المصرفية لم تعد حصينة كما كانت، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تسويات وطعون قد تمتد لسنوات، في نمط متكرر من إدارة الأزمة اللبنانية عبر ملفات معزولة بدلاً من معالجة بنيوية شاملة”.



