ابرز الاخبارالاقتصاد الدولي

الذهب يتماسك قرب 4400 دولار رغم استمرار الحرب.. ماذا تغير في المعادلة؟

يبدو الذهب اليوم في وضع مختلف عن الأشهر الماضية؛ فبعدما تعرض لضغوط حادة مع بدء حرب إيران وما أحدثته من تغيرات في حسابات التضخم والفائدة، عاد المعدن النفيس ليتماسك قرب 4400 دولار للأونصة، حتى مع تجدد التوترات وعودة أسعار النفط إلى الارتفاع.

لكن تماسك الذهب هذه المرة لا يعني أن السوق باتت أقل اكتراثاً بمخاطر الحرب، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة تسعيرها للمعدن النفيس.

فمن جهة، لا تزال أسعار النفط وارتفاع عوائد السندات الأميركية يشكلان ضغطاً، ومن جهة أخرى، يوفر تراجع رهانات رفع الفائدة وضعف الدولار وعودة الطلب الاستثماري عوامل دعم مقابلة.

الذهب لا يهبط مع ارتفاع النفط مثلما حدث في بداية الحرب
هذه هي المفارقة الأبرز الآن.

تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران أعاد دعم أسعار النفط قرب مستوى 91 دولاراً للبرميل، مع تجدد المخاوف بشأن الإمدادات. وارتفاع النفط يعني مخاطر تضخمية أكبر، وهو ما قد يدفع العوائد إلى الصعود ويجعل الذهب، الذي لا يدر عائداً، أقل جاذبية.

وهذا ما ظهر بالفعل في تداولات الثلاثاء، عندما تراجع الذهب نحو 0.4% مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة وأسعار النفط.

لكن اللافت أن الذهب لم يتخل عن مكاسبه الأخيرة. فقد ارتفع بنحو 9% حتى 18 أغسطس، وظل يحوم حول مستوى 4350 دولاراً للأونصة اليوم، ما يشير إلى أن السوق تجد في المقابل عوامل أخرى كافية للحفاظ على الطلب.

ويرى كارستن فريتش، محلل السلع في “كومرتس بنك”، أن مستوى 4000 دولار للأونصة بات يشكل قاعاً فنياً مهماً لأسعار الذهب، بعدما أظهرت التراجعات الأخيرة عودة سريعة للمشترين كلما انخفض المعدن النفيس دون هذا الحاجز، في وقت تظل فيه توقعات الفائدة الأميركية والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أبرز العوامل المؤثرة في اتجاه السوق.

ايضاً وخلال الشهر الجاري، توقع مجلس الذهب العالمي في تصريحات لـ”الشرق بلومبرغ” عودة الارتباط بين النفط والذهب عند انحسار الضبابية الجيوسياسية وعودة العوامل الأساسية إلى قيادة الأسواق.

وقال أندرو نايلور، رئيس قسم الشرق الأوسط في المجلس إن حالة عدم اليقين المرتفعة والمضاربات المرتبطة بسوق النفط غيّرت العلاقة بين فئات الأصول “فعادة ما يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية ويعزز توقعات أسعار الفائدة، ما يضغط على الذهب الذي لا يدر عائداً، إلا أن الذهب يواصل الصمود في الوقت الحالي رغم ارتفاع سعر النفط”.

مسار الفيدرالي أصبح أهم للذهب من الحرب
يبدو أن توقعات السياسة النقدية الأميركية هي من تقود مفاتيح حركة الذهب الآن.

فبيانات الوظائف والتضخم ومبيعات التجزئة الأضعف قلصت الرهانات على رفع الفائدة، فيما تسعر الأسواق احتمالاً أكبر لإبقاء بنك الاحتياطي الفيدرالي على الفائدة دون تغيير في سبتمبر المقبل. وهذا يخفف أحد أكبر الضغوط على الذهب.

بعبارة أخرى، لم يعد المستثمر ينظر إلى الحرب ويسأل فقط: ماذا ستفعل بأسعار النفط؟ بل يسأل أيضاً: هل ستغير فعلاً مسار الفيدرالي؟

وهنا يصبح تأثير الحرب على الذهب غير مباشر ومتناقضاً؛ فالتصعيد قد يرفع النفط والعوائد، لكنه قد يأتي أيضاً في وقت تضعف فيه البيانات الأميركية وتقل توقعات التشديد النقدي، وهو أمر يصب عادة في صالح المعادن النفيسة.

ورأى خوان كارلوس أرتيجاس رئيس الأبحاث في مجلس الذهب العالمي في حديث لـ”الشرق بلومبرغ” أن تحركات أسعار الفائدة كانت محفزاً أساسياً لأسعار الذهب، وأسهمت في صعوده بنحو 6% خلال آخر ثلاثة أشهر من بين محفزات أخرى، متوقعاً أن تدعم التراجعات المتوقعة في أسعار الفائدة بأميركا وأوروبا النفيس كذلك حتى نهاية العام.

الدولار يمنح الذهب مساحة للتنفس
العامل الآخر الذي يعمل حالياً لصالح الذهب هو الدولار، فضعف العملة الأميركية يجعل المعدن أكثر جاذبية للمشترين خارج الولايات المتحدة، كما يرتبط عادةً بتراجع تكلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالأصول المقومة بالدولار.

وهذا ما ساعد الذهب في الصعود خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع تراجع توقعات رفع الفائدة.

 

قال إلياس حداد، الرئيس العالمي لاستراتيجية الأسواق لدى “براون براذرز هاريمان” (Brown Brothers Harriman) لـ”بلومبرغ” أن صدور بيانات أميركية أقوى قد يعيد الزخم إلى الدولار إذا عززت ميزة النمو التي تتمتع بها الولايات المتحدة، “لكن مع تسعير الأسواق حالياً نحو 36 نقطة أساس فقط من التشديد الإضافي خلال هذه الدورة، تشير سوق الخيارات إلى مزيد من الضغوط على العملة الأميركية في الأجل القصير”.

البنوك المركزية تعطي الذهب دعماً مختلفاً
هناك أيضاً قوة لا تعتمد كثيراً على عناوين الحرب اليومية، وهي البنوك المركزية والمستثمرون المؤسسيون.

وتشير التحليلات الأخيرة إلى عودة تدفقات الاستثمار إلى الذهب، بالتزامن مع استمرار الطلب من البنوك المركزية التي قفزت مشترياتها بأكثر من 62% خلال الربع الثاني من العام الحالي، في أعلى مستوى فصلي لها منذ الربع الرابع من 2024، بعدما أضافت 289 طناً إلى احتياطاتها مع عودة العديد منها للشراء بوتيرة أقوى.

هذا مهم لأن ذلك النوع من الطلب يمنح السوق قاعدة أكثر استقراراً من موجات شراء المضاربين المرتبطة بالأخبار الجيوسياسية. ولهذا ربما يكون تماسك النفيس عند مستوى 4400 دولار مؤشراً لعودة مستثمرين كانوا قد ابتعدوا عن الذهب خلال موجة البيع السابقة.

وأشارت كبيرة محللي الأسواق في مجلس الذهب العالمي لويز ستريت لبلومبرغ أن استمرار مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب نمو الاستثمارات في سوق الذهب خارج البورصة، أسهما في رفع إجمالي الطلب على الذهب، رغم تراجع تدفقات صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب بالتزامن مع انخفاض الأسعار.

لكن عوائد السندات المرتفعة تظل الخطر الأكبر رغم كل ذلك، لا تبدو الطريق أمام الذهب خالية من العقبات.

فالعوائد طويلة الأجل على سندات الخزانة الأميركية لا تزال مرتفعة، فيما تجاوز عائد السندات لأجل 30 عاماً 5.3%، وهو مستوى يضع الذهب أمام منافسة قوية على أموال المستثمرين.

كما أن تصاعد المخاوف المالية والتضخمية قد يدفع العوائد إلى مزيد من الارتفاع حول العالم وليس في الولايات المتحدة فقط، خاصة للسندات الأطول أجلاً، وهو ما يقلص إقبال الأفراد على المعدن النفيس الذي لا يدر عائداً.

إلى أي مدى يستطيع الذهب الصمود والصعود؟
في ظل كل هذا يصبح السؤال الأهم الآن: هل يستطيع الذهب الحفاظ على مكاسبه إذا استمر سعر النفط وعوائد السندات في الارتفاع؟ وهل يستطيع فعلاً تجاوز مستوى 5000 دولار للأونصة بحلول يونيو 2027 كما توقع 64% من البنوك المركزية الكبرى خلال الشهر الماضي؟

الإجابة ستعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا كان تراجع توقعات رفع الفائدة وضعف الدولار والطلب الرسمي قادراً على امتصاص أثر الصدمة التضخمية القادمة من الحرب.

المصدر
بلومبرغ- الشرق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى