أراضي أوروبا المنهكة بالحر تهدد محاصيل العام المقبل

تهدد التربة الجافة والحرارة الحارقة موسم الزراعة الخريفية في أوروبا، ما يزيد المخاطر التي تواجه إمدادات الغذاء العالمية، المثقلة بالفعل بتداعيات التوترات الجيوسياسية.
فقد أربكت موجات الحر المتعددة التي اجتاحت أوروبا هذا الصيف مواسم الحصاد، وعطلت مسارات حيوية لنقل الحبوب. ومع استمرار الطقس الجاف الآن، تتحول المخاوف إلى محصول العام المقبل، إذ بدأ بعض المزارعين بالفعل تأجيل الزراعة أو إعادة النظر في مساحة الأراضي التي سيزرعونها.
قال جيمس ميلز، الذي يزرع القمح والشعير والشوفان والفاصوليا في يوركشاير بإنجلترا: “كان من المفترض أن نزرع أعلاف الشتاء للأغنام، لكننا نؤجل ذلك إلى أن تهطل أمطار بكميات ملموسة”. وأضاف أن زراعة القمح تبدأ في منتصف سبتمبر، “لكن الأرض جافة على نحو لا يُصدق، لدرجة أننا نحتاج على الأرجح إلى بوصة أو بوصتين من الأمطار لإحداث فارق”.
وتأتي أحدث المخاوف المرتبطة بالطقس في وقت تتعرض فيه تدفقات الغذاء العالمية بالفعل للتهديد. فقد صعّدت روسيا وأوكرانيا هجماتهما على البنية التحتية للحبوب والسفن التابعة للطرف الآخر في البحر الأسود، ما جدد المخاوف بشأن موثوقية الشحنات القادمة من واحدة من أهم سلال الغذاء في العالم.
مخاوف الطقس في أوروبا
في الوقت نفسه، لا يزال الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز يهدد بارتفاع أسعار مدخلات رئيسية مثل الأسمدة والديزل، فيما ستُبقي ظاهرة “إل نينيو” القوية على نحو غير معتاد المخاوف الأوسع نطاقاً بشأن الطقس في صدارة الاهتمام.
وارتفعت العقود الآجلة للقمح في باريس وشيكاغو بنحو 19% و12% على الترتيب خلال الشهرين الماضيين. كما قفزت أسعار الذرة في السوقين.
أما أول محصول رئيسي يُرجح أن يتأثر بالجفاف فهو بذور اللفت، التي تمتد نافذة زراعتها خلال أغسطس وسبتمبر. وإذا استمرت الظروف الجافة، فقد تتعرض زراعة القمح والشعير والجاودار للخطر، وهي محاصيل تُزرع جميعها في الخريف لحصادها في العام التالي.
قال بنوا ميرلو، الذي يعمل بالزراعة شمال مدينة ليون الفرنسية: “ننتظر بالفعل هطول أمطار غزيرة لزراعة بذور اللفت، التي يُفترض عادة أن تتم في أواخر أغسطس أو أوائل سبتمبر”. وأضاف أن الهدف هو زراعة محصول بذور لفت “قوي”، يتمتع “بكتلة حيوية كافية لمواجهة الشتاء والنمو بسرعة كبيرة في الربيع”.
ولتحقيق ذلك، أضاف ميرلو: “من الصعب التفكير في زراعة بذور اللفت بعد 10 إلى 15 سبتمبر”.
وتظهر مخاوف مماثلة في العديد من أبرز المناطق الزراعية في أوروبا. ففي بافاريا، إحدى أهم المناطق الزراعية في ألمانيا، بلغ هطول الأمطار منذ الأول من أبريل أدنى مستوى له منذ 2015، فيما تلقت منطقة قشتالة وليون، وهي أبرز مناطق زراعة الحبوب في إسبانيا، أمطاراً تقل بنحو الثلثين عن المتوسط طويل الأجل، وفق تحليل أجرته “بلومبرغ” لبيانات المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى و”ميتيوماتيكس” (Meteomatics).
قال أغوستين ميراندا سوتيلوس، المدير العام لـ”أساجا” (ASAJA)، أكبر رابطة للمزارعين في إسبانيا: “إذا استمرت ظروف جفاف التربة الحالية، فقد تحدث تأخيرات في تجهيز الأراضي وتطور المحاصيل، ما يؤدي إلى زيادة المخاطر الاقتصادية التي تواجه العمليات الزراعية”.
تراجع المحاصيل في المملكة المتحدة
وفي المملكة المتحدة أيضاً، تتراجع غلال المحاصيل إلى ما دون متوسطاتها طويلة الأجل مع تأثير الحرارة في موسم الحصاد المتفاوت بالفعل في أنحاء البلاد، وفق أحدث بيانات مجلس تنمية الزراعة والبستنة البريطاني (AHDB). وتشير التقديرات إلى أن غلة القمح الشتوي تقل 13% عن متوسط السنوات الخمس. أما آفاق الشعير الربيعي فتبدو أسوأ، إذ يتجه المحصول إلى تسجيل أدنى غلة منذ بدء السجلات في 1999.
تقلصت بالفعل المساحات المزروعة بالحبوب في أوروبا، القارة الأسرع احتراراً، تدريجياً على مدى السنوات الـ25 الماضية، ما جعلها أكثر عرضة لصدمات الإمدادات العالمية والمحلية.
واجتاحت موجة حر خامسة شمال غرب أوروبا هذا الأسبوع، لكن التوقعات تشير إلى حلول طقس أكثر برودة ورطوبة خلال عطلة نهاية الأسبوع. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى زيادة الأمطار الأسبوع المقبل، فيما تُظهر نماذج الطقس وتحليلات “ميت ديسك” (MetDesk) زيادة في هطول الأمطار خلال أغسطس.
الحاجة إلى هطول أمطار مستمر
مع ذلك، يحذر خبراء الأرصاد الجوية والمزارعون من الحاجة إلى هطول أمطار مستمر لتعويض رطوبة التربة وعجز المياه المتراكم على المدى الطويل.

وقال مارك ميدوز، الذي يزرع القمح والشعير وبذور اللفت في وركشير بإنجلترا: “هطل لدينا 2.75 مليمتر من الأمطار صباح الأربعاء الماضي، لكن أثرها كان قد اختفى بحلول الظهر”.
مع ذلك، يمكن أن تتغير الأوضاع إذا هطلت كميات كبيرة من الأمطار بشكل منتظم قبل بدء الجزء الأكبر من عمليات الزراعة الخريفية.
وقال أندرو بلينكيرون، العضو المنتدب لشركة “إلفيدن فارمز” (Elveden Farms)، إحدى أكبر شركات زراعة الخضراوات في بريطانيا، التي تنتج أيضاً القمح والشعير: “نظراً إلى الحصاد المبكر نسبياً، فإن كل شيء يسبق على الأرجح توقيت العام المعتاد بنحو أسبوعين”.
وتشير نماذج الطقس الأطول أجلاً الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، إلى جانب تحليلات “ميت ديسك” (MetDesk)، إلى أن الظروف الحارة والجافة يُرجح أن تستمر حتى أكتوبر، قبل التحول إلى طقس أكثر رطوبة بكثير في نوفمبر. وقد يكون ذلك متأخراً جداً بالنسبة لكثير من المزارعين.
وقال دونالد كيني، كبير خبراء الأرصاد الجوية الزراعية لدى “فايسالا إكس ويذر” (Vaisala Xweather): “لا تزال توقعات هذا الخريف تميل إلى مزيد من الجفاف، خصوصاً في شمال وسط أوروبا، بما في ذلك شمال فرنسا وألمانيا وبولندا. لا أعتقد أن الوضع سيكون بسوء الصيف الماضي تقريباً، لذلك ينبغي أن تكون الزراعة ممكنة”. وأضاف: “لكن مع بقاء مستويات رطوبة التربة دون المعدلات الطبيعية في مناطق كثيرة، سنشهد ضغوطاً على إنبات بذور اللفت والقمح الشتوي ونموهما المبكر”.



