أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لبنان… حين يعود الأرز إلى الشموخ (الجمهورية 29 تموز)

لبنان ليس دولة عادية في الوعي العربي؛ بل هو فصلٌ كامل من تاريخ المشرق. فمنذ أن أبحر الفينيقيون من شواطئ صور وصيدا وجبيل حاملين الأبجدية إلى العالم، أصبح هذا الوطن الصغير مساحةً يتجاوز حدود الجغرافيا، ويغدو حضوره الحضاري أكبر من مساحته السياسية، وحين ازدهرت بيروت في القرن العشرين، لم تكن مجرد عاصمة؛ بل كانت نافذة العرب على الفكر والصحافة والجامعات والكتاب والمسرح، حتى استحقت عن جدارة لقب «باريس الشرق».

لكنّ التاريخ يعلّمنا أيضاً أنّ الحضارات لا تُختبر في أوقات الرخاء، وإنما في قدرتها على النهوض بعد الانكسار، وقد مرّ لبنان بمحطات عصيبة؛ من الحرب الأهلية التي امتدت خمسة عشر عاماً، إلى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مروراً بانهيار الاقتصاد عام 2019، ثم كارثة انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وصولاً إلى التوترات والحروب التي أنهكت الجنوب وأثقلت كاهل الدولة والمجتمع، ومع ذلك ظلّ لبنان يحتفظ بما لا تستطيع الأزمات مصادرته: الإنسان اللبناني، والعقل اللبناني، والإيمان بأنّ الدولة لا تُبنى إلّا بمؤسساتها.

يقول الفيلسوف الألماني هيغل: «إنّ التاريخ ليس إلّا مسيرة الإنسان نحو الحرّية»، ولو تأمّلنا التجربة اللبنانية، لوجدنا أنّ الحرّية كانت دائماً جوهر الهوية اللبنانية، لكنها لا تكتمل إلّا إذا اقترنت بدولة قوية، وقضاء مستقل، واقتصاد منتج، ومؤسسات تحكمها الكفاءة لا المحاصصة، فالحرّية من دون دولة تتحوّل إلى فوضى، والدولة من دون عدالة تتحول إلى سلطة، أما اجتماع العدالة مع الدولة فهو بداية الاستقرار الحقيقي.

في هذا السياق، جاءت مرحلة دولة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، لتطرح مشروعاً يقوم على استعادة هيبة المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وإطلاق مسار إصلاحي يعيد ثقة اللبنانيين أولاً، ويعيد ثقة الأشقاء العرب والمجتمع الدولي ثانياً، ولم يكن اختياره شخصيةً عابرة؛ فهو قاضٍ ورجل قانون وديبلوماسي سابق، تولّى رئاسة محكمة العدل الدولية بعد سنوات من تمثيل لبنان في الأمم المتحدة، الأمر الذي مَنَح تجربته بعداً قانونياً ودولياً، انعكس على خطابه السياسي القائم على فكرة الدولة والمؤسسات. هيئاتتنفيذية

لقد ورثت حكومة نواف سلام تركةً ثقيلة: اقتصاداً منهكاً، وقطاعاً مصرفياً يعاني آثار الانهيار، وبنيةً تحتية تحتاج إلى إعادة إعمار، وتحدّيات أمنية و سياسية معقّدة، ومع ذلك أعلنت الحكومة أنّ أولوياتها تتمثل في الإصلاح المالي، واستكمال التشريعات المطلوبة لاستعادة الثقة بالاقتصاد، والعمل على التوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، باعتباره بوابة لإعادة وصل لبنان بمصادر التمويل والاستثمار، إلى جانب تأكيد مبدأ أنّ القرار السيادي يجب أن يبقى بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية.

ولا شك أنّ طريق الإصلاح في لبنان ليس سهلاً؛ لأنّ التغيير الحقيقي يصطدم دائماً ببنى سياسية واقتصادية تراكمت عبر عقود. ومع ذلك، فإنّ قيمة أي قيادة لا تُقاس بحجم التحدّيات التي ورثتها، بل بقدرتها على وضع الدولة في الاتجاه الصحيح. ومن هنا، فإنّ الجهود التي تبذلها حكومة نواف سلام لإعادة انتظام عمل المؤسسات، واستكمال الإصلاحات، وتعزيز الشفافية، تستحق التقدير والدعم، لأنّ نجاحها لا يعني انتصار حكومة؛ بل انتصار فكرة الدولة اللبنانية نفسها.

ومن الكويت، ومن الخليج العربي عموماً، لا ننظر إلى لبنان بوصفه بلداً بعيداً؛ بل وطناً عربياً عزيزاً ارتبط بنا بعلاقات إنسانية وثقافية واقتصادية امتدت لعقود. فاللبنانيون كانوا شركاء في نهضة الخليج، والخليج كان دائماً سنداً للبنان في محطاته الصعبة. ولهذا، فإنّ استقرار لبنان ليس مطلباً لبنانياً فقط؛ بل هو مصلحة عربية، لأنّ قوة المشرق واستقراره ينعكسان على استقرار المنطقة بأسرها.

إنّ أهل الخليج يحملون محبة صادقة للبنان؛ ليس لأنّ جباله جميلة، ولا لأنّ أرزه رمز خالد فحسب، وإنما لأنّه كان مدرسة للعقل العربي، ومنبراً للكلمة الحرّة، وموطناً للمبدعين الذين أثروا الثقافة العربية في الأدب والفكر والإعلام والطب والهندسة والفنون، وكلما عاد لبنان إلى الاستقرار، عاد معه جزء من التوازن الثقافي والحضاري في العالم العربي.

إنّ الأمم لا تُقاس بعدد الأزمات التي مرّت فيها، وإنما بعدد المرّات التي استطاعت فيها أن تنهض من تحت الركام، ولبنان عبر تاريخه أثبت أنّه وطن يرفض الاستسلام، وأنّ شعبه يمتلك قدرة استثنائية على إعادة البناء كلما تكسّرت الأحلام.

ولذلك، فإنّ الأمل اليوم ليس شعاراً سياسياً؛ بل ضرورة وطنية، ودعم كل جهد صادق لإعادة بناء الدولة، وترسيخ القانون، وإنعاش الاقتصاد، هو استثمار في مستقبل لبنان، وفي مستقبل المشرق العربي كله. فلبنان لا يستحق أن يبقى أسيراً للأزمات؛ بل يستحق أن يعود كما عرفه التاريخ: منارةً للفكر، وجسراً للحضارة، ووطن الأرز الذي لا تنحني قامته مهما اشتدت العواصف.

بواسطة
محمد ظافر العرادة
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى