بحثًا عن السلام في لبنان: حروب وتسويات والعبرة في التطبيق (نداء الوطن 24 تموز)

في 26 حزيران 2026، وُقّع في واشنطن اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل، عقب أربعة أيام من المفاوضات بين الطرفين بوساطة أميركية، وذلك بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وأكد الطرفان في الاتفاق هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق سلام وأمن دائمين، وعزمهما على إنهاء النزاع بينهما بصورة نهائية، ومعالجة أسبابه الكامنة، وإنهاء أي حالة حرب قائمة بينهما رسميًا.
وإذا كان توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل بابًا للوصول إلى سلام دائم بين الطرفين، فإن هذه الاتفاقية وهذه المفاوضات لم تكونا الأوليين، فقد أخذت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية أشكالا كثيرة منذ إعلان دولة إسرائيل عام 1948 وصولا إلى يومنا هذا، وتمت غالبيتها العظمى تحت النار والبارود. وهي، على سبيل العرض:
اتفاقية الهدنة في 23 آذار 1949: أول مفاوضات لبنانية – إسرائيلية بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 أيار 1948. وُقّعت في رأس الناقورة، واكتسبت أهمية في البعدين الإقليمي والدولي، إذ إنها شكّلت ضمانًا قانونيًا وعمليًا للبنان، واستمرت مفاعيلها أكثر من 20 عامًا، وبدأت بالترنح مع توقيع “اتفاق القاهرة” عام 1969.
قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425: صدر في 19 آذار 1978، وطلب من إسرائيل التجميد الفوري لعملياتها العسكرية والانسحاب من جنوب لبنان، وإرسال قوات طوارئ دولية إلى جنوب لبنان لمساعدة الحكومة اللبنانية في تأمين عودة سلطتها الفعلية إلى المنطقة، حسبما نص القرار رقم 426 المتعلق بآلية تنفيذ القرار 425. وذلك بعد اجتياح عسكري إسرائيلي بدأ في 15 آذار 1978، أُطلق عليه اسم “عملية الليطاني”. ظل هذا القرار معلّقًا في التنفيذ، إما بسبب عدم قدرة الدولة اللبنانية على الالتزام بمقتضياته، وإما بسبب الصراعات الإقليمية والدولية على الأراضي اللبنانية، حتى 25 أيار 2000، عندما قامت إسرائيل بانسحاب أحادي من الأراضي اللبنانية تنفيذًا للقرار المذكور.
اتفاق 17 أيار 1983: وُقّع بعد مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان، بمشاركة الولايات المتحدة الأميركية، بعد قيام إسرائيل، مطلع شهر حزيران من عام 1982، باجتياح بري حمل اسم عملية “سلامة الجليل”، ردًا على العمليات العسكرية الفلسطينية. استطاعت سوريا والقوى المتحالفة معها إسقاط الاتفاق، وتم إلغاؤه في جلسة نيابية بتاريخ 15 حزيران 1987. عدم تنفيذ الاتفاق سمح للقوات الإسرائيلية بالاحتفاظ بما يُعرف بـ”الشريط الحدودي”، بمساحة بلغت حوالى 850 كلم مربعًا في جنوب لبنان، بالتعاون مع “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة اللواء أنطوان لحد.
مفاوضات مدريد 1991: انعقد “مؤتمر مدريد للسلام” بين 30 تشرين الأول و1 تشرين الثاني 1991، بحضور وفود من لبنان وسوريا ومصر وإسرائيل، ووفد أردني فلسطيني مشترك. كشفت المفاوضات في العاصمة الإسبانية، التي أعقبت المؤتمر، مدى صلابة الهيمنة الأسدية على القرار اللبناني وتلازم المسارين، ما دل على درجة الاستتباع الكبيرة التي بلغها الطاقم السياسي اللبناني حيال نظيره الأسدي (السوري). لم تحقق هذه المفاوضات أي نتائج، بسبب الهيمنة الأسدية على القرار اللبناني وإلزام السلطة اللبنانية بتلازم المسارين وفق ما يرتئيه نظام الأسد.
تفاهم تموز 1993: اتفاق شفهي بين لبنان وإسرائيل، برعاية سورية وأميركية، قضى بتحييد المدنيين من الطرفين، وذلك بعد اجتياح جوي قامت به إسرائيل في 25 تموز، استهدف مواقع لبنانية وفلسطينية وسورية. لم يتم الالتزام بالتفاهم، ولم يأخذ صيغة الإلزام، وتعرّض للعديد من الخروقات، وصولا إلى سقوطه الكلي عام 1996 من خلال حرب نيسان.
تفاهم نيسان 1996: في 26 نيسان 1996، أُعلن، في الوقت نفسه، في بيروت والقدس، عن “تفاهم نيسان”. جاء هذا التفاهم بعد إطلاق إسرائيل عملية عسكرية في لبنان في 11 نيسان 1996 باسم “عناقيد الغضب”. ورغم الكتابة الخطية لهذا التفاهم، فإنه تعرّض لخروقات كبيرة، أبرزها “ليلة الحساب” في فجر 24- 25 حزيران 1999.
بعد الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من الجنوب في 25 أيار 2000، لم ينتشر الجيش اللبناني جنوبًا، واكتفت السلطة اللبنانية بإرسال القوة الأمنية المشتركة التي شُكّلت بعد هذا الانسحاب لحفظ الأمن والنظام في المناطق المحررة، وقوامها عناصر من الجيش والأمن الداخلي، وعديدها لا يتجاوز الألف، وبقيادة ضابط من قوى الأمن الداخلي. إلا أن هذه القوة لم تكن سيدة الميدان جنوبًا، وكانت الكلمة الفصل لجماعة “حزب الله”، وهذا ما حصل في تموز 2006.
القرار 1701: في 11 آب 2006، صوّت مجلس الأمن على القرار 1701، القاضي بوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وبـ “الاحترام الكامل للخط الأزرق من الطرفين، والقيام بتدابير أمنية للحؤول دون معاودة الأعمال الحربية، بما في ذلك إنشاء منطقة خالية من أي عناصر مسلّحة وعتاد وأسلحة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، إلا من تلك التابعة للحكومة اللبنانية واليونيفيل”. أتى هذا القرار بعد حرب استمرت 34 يومًا، بعد قيام “حزب الله”، في 12 تموز 2006، بعملية خطف جنديين إسرائيليين عُرفت بعملية “الوعد الصادق”.
بعد ترحيب لبناني بهذا الاتفاق، والبدء بنشر الجيش اللبناني جنوبًا، ووصول طلائع قوات “اليونيفيل” المعززة، انقلب “حزب الله” على القرار الأممي والاتفاق والحكومة. ففي 22 أيلول 2006، هاجم الأمين العام لـ “حزب الله”، في مهرجان حاشد في ملعب الراية في الضاحية الجنوبية، أُطلق عليه “مهرجان النصر”، حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، التي كان مشاركًا فيها، وحذّر القوات الدولية من التجسّس على “حزب الله”، وأعلن امتلاك حزبه أكثر من 20 ألف صاروخ. ورغم حصول هدوء كبير على طرفي الحدود استمر حوالى 17 سنة، فإن قرار الحرب والسلم وإمكانية إعادة إشعال المنطقة ظلا في يد “حزب الله”، وهذا ما فعله في 8 تشرين الأول 2023، مع إطلاق حرب الإسناد لغزة من جنوب لبنان.
اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024: في 27 تشرين الثاني 2024، بدأ سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، بعدما أقرت الحكومة اللبنانية اتفاق إعلان وقف الأعمال العدائية في جلسة لها في السراي الحكومي، بعد أن كانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت رسميًا المصادقة على وقف إطلاق النار في لبنان. وذلك بعد حوالى 11 شهرًا على إطلاق “حزب الله” حرب الإسناد، ومن ثم إطلاق إسرائيل معركة “سهام الشمال” في أيلول 2024، و “حزب الله” معركة “أولي البأس”.
ورغم توقيع الاتفاق وتعهد الدولة اللبنانية بنزع سلاح “حزب الله”، بدءًا من جنوب الليطاني، فإن التسويف والمماطلة كانا سمة هذا الاتفاق، إلى أن أعاد “حزب الله” فتح الجبهة بشكل كامل في 2 آذار 2026، إسنادًا لإيران وثأرًا لمقتل المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، وأنهى مفاعيل وقف إطلاق النار هذا، الذي سقطت خلاله 397 ضحية بفعل الاستهدافات العسكرية الإسرائيلية المباشرة لـ “حزب الله”.
اتفاق الإطار في حزيران 2026: وُقّع في العاصمة الأميركية واشنطن، في 26 حزيران 2026، اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وهدفت هذه المبادرة إلى النأي بلبنان عن الصراع الإقليمي-الدولي في الحرب الإسرائيلية-الأميركية-الإيرانية، وتجنيب لبنان تبعات هذا الصراع، وحمايته من التدمير والقتل ومن تشريد أبنائه، وذلك بعد أن أدخلت جماعة “حزب الله” لبنان مجددًا في أتون الحروب والجبهات، عبر إطلاقها صواريخ ومسيّرات على إسرائيل، ردًا على اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، الذي قُتل في 28 شباط في هجوم أميركي-إسرائيلي.
ساهم اتفاق الإطار في إيقاف الأعمال العسكرية إلى حد كبير، مع بدء الحديث عن مناطق تجريبية قد تساعد في الوصول إلى إطار للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الجنوبية، التي باتت مساحتها توازي أكثر من 600 كلم مربع، مع تدمير كامل وممنهج للبنى التحتية والمنازل في تلك المناطق.
لا شك في أن مفاوضات “اتفاق الإطار” الجارية حاليًا هي المفاوضات المباشرة الأكثر جدية منذ مفاوضات اتفاق 17 أيار 1983. وإذا كانت السلطة اللبنانية، التي تأثرت بالمد الناصري نهاية الستينات، ووقّعت “اتفاق القاهرة” عام 1969، وسمحت ليد الكفاح المسلح الفلسطيني بالعبث بالاستقرار اللبناني، وحوّلت المناطق الجنوبية إلى مسرح لعمليات عسكرية، قد أعطت، بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وكالة حصرية لمشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية في لبنان، المتمثل بجماعة “حزب الله”، في مجال العمل العسكري المسلح ضد إسرائيل، ولم تسترجعها بعد التحرير عام 2000، بل أضحت تلك الجماعة شريكًا مضاربًا للدولة اللبنانية في مجال السلم الأهلي، ومتَلزّما منها المناطق الشيعية، وحائزًا كل الامتيازات فيها، وتُسخّر إداراتها ومؤسساتها لخدمة مصالحه، فها هي اليوم تدخل مرحلة المفاوضات والسلام، متخاصمة في الشكل معه في موضوع الاتفاق الإطاري، لكنها مستمرة في مسألة التلزيم والشراكة داخليًا.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن الحصول على السلام والاستقرار في ظل كل هذه المعضلات والتشعبات؟ وتبقى العبرة في التنفيذ.



