أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

«حكمة جي دي فانس»: واشنطن تساعد ولا تنوب (الجمهورية 17 تموز)

«عهد التدخّلات العسكرية وإرسال آلاف الجنود لتغيير الأنظمة انتهى، وجيشنا لن ينوب عن الشعوب في تقرير مصيرها». هذا الكلام الذي نُقِل على لسان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، يُضيء على واقع جديد في التعامل الأميركي مع الدول والشعوب.

في العشرين من كانون الأول 1989 أطاحت الولايات المتحدة الأميركية بالجنرال مانويل نورييغا، بعدما وقفت إلى جانبه وسمحت له بحُكم هذه البلاد، وكانت الذريعة جاهزة: الفساد، الدكتاتورية والاستئثار. وفي التاسع عشر من آذار 2003 غزا الجيش الأميركي الذي قاد تحالفاً دولياً، العراق ودخل بغداد وأطاح بالرئيس صدام حسين، وكانت الحجة غبّ الطلب: أسلحة الدمار الشامل، رفع خطرها، وإشاعة الديموقراطية.

 

يطول تعداد المرّات التي تدخّلت فيها واشنطن عسكرياً، أمنياً، استخباراتياً في شؤون الدول من أميركا اللاتينية، آسيا، إفريقيا، الشرق العربي، وكان للبنان من هذا التدخّل نصيبه في العام 1982 إلى العام 1984. وفي 15 تموز من العام 1958، نفّذ 14000 جندي أميركي إنزالاً بحرياً على شاطىء خلده، بأمر من الرئيس دوايت أيزنهاور، استجابةً لطلب رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك كميل شمعون، الذي قرّر الاستعانة بـ«مبدأ أيزنهاور»، وهو يُجيز لواشنطن مَدّ يَد العون للدول التي تستجير بهذا المبدأ، لمواجهة ما كان يُطلق عليه في تلك المرحلة «الخطر الشيوعي». وظلّت هذه القوّة الأميركية التي أقلّها الأسطول السادس، في لبنان حتى 25 تشرين الأول من العام نفسه.

تدخُّل واشنطن في العام 1982 تحت علم القوّة المتعدِّدة الجنسية، أنتج مفاعيل عكسية، وشكّل هزيمة سياسية وميدانية لها، وهي باتت معروفة من الجميع. وفي العام 1958، أنتجت تسوية سياسية قادت اللواء فؤاد شهاب إلى سدّة الرئاسة الأولى. صُحف

لكنّ المعطيات والوسائل تغيَّرت اليوم، ولم يعُد في مكنة الولايات المتحدة الأميركية إنزال جيوشها في بلدان، خصوصاً إذا كانت بمساحة الجمهورية الإسلامية في إيران البالغة 1,648,195 كيلومتراً مربّعاً، وعدد سكانها 93 مليون نسمة.

إلّا أنّ ما أشار إليه جي دي فانس، وهو منطقي، لا يمنع – كما لم يمنع سابقاً – الولايات المتحدة من أن تعمل على إسقاط أنظمة، وحصد رؤوس، وزرع فوضى، وإسقاط عروش، بعمليات خاطفة كما فعلت مع مادورو فنزويلا، ومصدَّق إيران في زمن الشاه، والليندي تشيلي. على أنّها سعت إلى تكرار هذه السيناريوهات أخيراً، عندما استطاعت اغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي والعديد من أفراد المنظومة القيادية العليا في طهران، لكنّها لم تحقق غايتها في إسقاط النظام.

لم يبقَ إذاً إلّا الرهان على الشعوب، وهو رهان لا يستقيم دائماً. وفي إيران كانت التجربة غير موفقة حتى الآن. ولذلك، فإنّ واشنطن شرعت تستعين بأذرع في داخل البلدان التي تريد إسقاط أنظمتها، وخارجها أيضاً بأنماط شتى: ميليشيات محلية، تنظيمات عسكرية وأمنية مسلحة، الحرب السيبرانية، العقوبات المالية، الحصار الاقتصادي، الحملات الإعلامية الممنهجة الهادفة إلى «شيطنة» الخصم وتدميره معنوياً.

من هنا، فإنّ واشنطن لن تلجأ إلى حرب واسعة النطاق، وتحديداً إلى اجتياح لإيران أو أي دولة تناصبها العداء، خصوصاً إذا لم تُقنع دولاً حليفة بالإنضمام إليها، بل ستعمد إلى حروب موضعية لأهداف محدّدة، تتفاوت في شدّتها علّها تؤدّي أغراضها في زعزعة الأنظمة المعادية لها، أو تحريض الشعوب للانتفاض عليها وإسقاطها.

إنّ الولايات المتحدة لن تقوى بزندها مباشرةً أن تحقق ما يصعب تحقيقه، في الوقت الذي يحبس فيه حلفاؤها زنودهم لانعدام القدرة أو الرغبة.

إنّ الإدارة الأميركية في مواجهتها المفتوحة مع طهران تفتح باباً موارباً: صفقة مقبلة لم تنضج ظروفها بعد، وهي قد تطول. أو تترك لتقلّبات الوضع الداخلي في هذا البلد أن تفصل في موضوع لا يمكن التكهّن بمآله، ولاسيما في هذه المرحلة.

 

بواسطة
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى