أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

سهولة التنقّل… حقّ غائب يثقل حياة ذوي الإعاقة الحركية (نداء الوطن 16 تموز)

معركة صامتة يخوضها يوميًّا أصحاب الهمم في أبسط تفاصيل حياتهم اليومية، وحق أساسي من حقوقهم الإنسانية محجوب عنهم. فحق التنقّل يكاد يكون مسلوبًا في لبنان، وهو الحق الذي كفلته شرعة حقوق الإنسان، وعزّزته اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بعدما ألزمت الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان تنقّل الأشخاص ذوي الإعاقة باستقلالية وأمان. لكن أين لبنان اليوم من هذه الالتزامات؟ وهل قوانينه الجيدة على الورق قابلة للتنفيذ وتسهيل حياة هذه الفئة الأكثر هشاشة من المواطنين؟ إلى متى تبقى البيئة المحيطة العائق الأكبر والتحدّي الأصعب أمام من يعانون إعاقة في الحركة؟

أيام الانتخابات، يحملونهم على كراسيهم أو مع عكّازاتهم، ويصعدون بهم الأدراج ليضمنوا الحصول على أصواتهم. وعبر وسائل الإعلام، يتغنّون بحقوقهم وضرورة دمجهم في المجتمع ليكسبوا تأييدهم، لكن عند الجدّ تختفي الأصوات الرسمية، وتصير الأولويات مختلفة. كيف نهتمّ بالمعوّقين حركيًّا، ونؤمّن لهم سهولة التنقّل والوصول إلى الأماكن العامة، يصرخ المسؤولون، في وقت يقبع فيه البلد تحت وزر الحروب المتتالية؟ وكيف نطبّق قوانين الدمج وتسهيل الحركة، في وقت نعمل فيه على تأمين متطلبات اللجوء؟ صحيح أنّ الأولويات اللبنانية اليوم بعيدة عن تحديات ذوي الإعاقة الحركية، لكن ألا يستحق هؤلاء مبادرات بسيطة تجعل انتقالهم من المنزل إلى مكان العمل، أو المستشفى، أو الجامعة، وحتى إلى دائرة رسمية أو مرفق عام، أمرا بديهيًّا مقدورًا عليه؟

كفل القانون رقم 220/2000 حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول إلى المرافق العامة ووسائل النقل والاندماج الكامل في المجتمع. لكنه تضمّن، في الوقت نفسه، الكثير من المواد التي تحتاج إلى مراسيم تطبيقية، صدر بعضها، فيما لم يصدر بعضها الآخر بعد، أو لم يُطبّق بالكامل، ولم يُشدَّد في تطبيقه. ومن المراسيم التطبيقية التي صدرت، وفق ما يقول النائب السابق غسان مخيبر، مرسوم المعايير الهندسية للبيئة المؤهّلة، الذي يحدّد المواصفات الفنية الواجب اعتمادها في الأبنية والمرافق العامة والخاصة، بما يضمن سهولة وصول ذوي الإعاقة إليها، واعتمادها شرطًا أساسيًّا لمنح رخص البناء من قبل نقابة المهندسين والبلديات. لكن، للأسف، لا يزال التطبيق بعيدًا من الطموحات، ولا تزال هناك مراسيم أساسية غير مكتملة أو غير مطبّقة عمليًّا، ومنها، على سبيل المثال، إلزام جميع المباني والمؤسسات القائمة بإزالة العوائق الهندسية التي تعيق تنقّل المعوّقين حركيًّا، أو تخصيص وسائل نقل عام مهيّأة لذوي الإعاقة. ويؤكد مخيبر: “القانون لا معنى له من دون تنفيذ، والتنفيذ يحتاج إلى وعي وتوعية من أجل الضغط لتنفيذه”.

“التنقل حق لا امتياز”

هذه التوعية تلتزم بها الجمعيات الأهلية التي تعنى بشؤون المعوقين إلى جانب دورها في ممارسة الضغوط لإكمال إصدار المراسيم التنفيذية للقانون وتطبيقها فعليًّا لا سيما في مجالات البيئة المؤهلة، والنقل، والعمل، والتعليم. شربل الجميّل أحد الأشخاص الذين يعانون من صعوبة في الحركة نتيجة الإصابة بمتلازمة “شاركو ماري توث” التي تصيب الأعصاب الطرفية وتؤثر على حركتها، أخذ على عاتقه مهمة نشر الوعي حول هذه المتلازمة كما المطالبة بضرورة جعل التنقل في لبنان للأشخاص الماصبين بإعاقات حركية أكثر سهولة وملاءمة لقدراتهم الحركية. وعانى شربل الجميّل لسنوات طوال كما سواه من صعوبة التنقل، سواء في المرافق الخاصة أو العامة أو على الطرقات وذلك لغياب الوسائط التي تسهل الحركة لأصحاب الإعاقة الحركية. ومن منطلق إيمانه بأن التنقل بأمان واستقلالية حق وليس امتيازًا، عزم على إطلاق أكثر من مبادرة تهدف كلها إلى جعل الـaccessibility في صلب اهتمام الناس الأصحاء والمصابين على حد سواء، دفعًا إلى إنجاز المزيد من المشاريع التي تساعد في تسهيل الحركة. من القهوة إلى “الكلسات” إلى إيجاد مكان خاص للقاء، لم يتوانَ شربل الجميّل عن جمع الناس ورفع الصوت للتوعية والمطالبة والعمل. وقد نجح مع مجموعة محيطة به، في وضع شبكة من “الدرابزينات” تصل إلى 150 مترًا مربعًا في عدد من المرافق العامة، أبرزها قصر العدل ونادي الضباط ومدرسة الشانفيل ولا يزال الحبل على الجرار، والسعي مستمرّ لجعل سهولة التنقل أولوية لدى جميع المراجع الأهلية والرسمية. وفي سبيل رفع مستوى التوعية، دعا شربل ومجموعة من الأصدقاء والجمعيات إلى مسيرة انطلقت من النقاش باتجاه ساحتها حملت اسم “Clumsy Walk” لتعريف الناس بالتحديات التي يواجهها أصحاب الإعاقة الحركية في التنقل مشيًا على طرقات لبنان، وبالتالي ضرورة إيجاد التسهيلات التي تجعل التنقل سهلا ومتاحًا لأصحاب الهمم.

النائب السابق إدي معلوف، الذي شارك في مسيرة التوعية، أكد ضرورة وجود هذه التسهيلات، ليس فقط في المرافق الكبرى، بل على صعيد كل التفاصيل اليومية. ومن هنا ضرورة التزام جميع المعنيين، على اختلاف اهتماماتهم ومسؤولياتهم، بهذه القضية، بدءًا من مجلسي النواب والوزراء، مرورًا بنقابة المهندسين، وصولا إلى البلديات، بحيث يُؤخذ الأشخاص الذين يعانون صعوبات في الحركة والتنقل في الاعتبار في أي مشروع يُنشأ أو قانون يُقرّ. وما بدأ في مجلس النواب ونقابة المهندسين جيّد، لكنه غير كاف، ويجب تعميم تجربة سهولة التنقل على أوسع نطاق في المرافق العامة والخاصة. ومن الأهمية بمكان أن يشارك الجميع، من نواب ومسؤولين وجمعيات، في حملات التوعية حول قضية سهولة التنقل، والعمل على تحقيق المزيد من الإنجازات في هذا المضمار.

أولويات صعبة

وزير الشؤون الاجتماعية السابق هكتور حجار، اعترف بأنّ الوزارة تولّت، في السنوات الأخيرة، أولويات صعبة جدًّا. فالبلد واجه أحد أكبر الانفجارات في التاريخ، كما واجه، قبله، انهيار العملة وانهيار المؤسسات، وكانت الوزارات لا تملك أكثر من صفر دولار. وكانت المهمة الأولى لوزارة الشؤون الاجتماعية، حينها، معالجة الفقر، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات الأكثر فقرا.

ويقول حجار: “لقد أنجزنا برنامج أمان الذي طال 163000 عائلة، وعلى صعيد الإعاقة، عملنا على تأمين دعم مالي شهري للأفراد الذين يعانون إعاقات تمتدّ مدى الحياة. وعملنا على ملفات أخرى لها علاقة بتحسين أمور الأشخاص المعوّقين وتسهيلها، وتسهيل إعادة وصولهم إلى الخدمات الصحية النفسية والجسدية، بعدما كانت البطاقة الصحية قد فُقدت لفترة من الوقت. أما موضوع الـaccessibility في البناء فلم يأخذ حيزًا كبيرًا من الاهتمام، وذلك لأنه طوال الفترة السابقة كان البناء متوقفًا وخلال فترة الحرب كان الهم الأساسي الإغاثة ودعم الناس ووضع برامج تتيح الوصول إلى الخدمات الأساسية”.

ولكن هل تقف الظروف القاسية سدّا أمام الاهتمام بالمعوّقين، أم هي تبريرات ومحاولات لنفي المسؤولية؟ وهل يمكن للوزارة اليوم أن تولي هذا الشأن أهمية في ظل ضغط الحرب واللجوء والخسائر البشرية والعمرانية وضعف الموارد؟ يؤكد حجار أنّ موضوع الإعاقة يجب، في كل الظروف، أن يُصنّف ملفًّا محوريًّا ومركزيًّا. لكنه يقع على مستويات عدّة، أولها الدمج، وهو الموضوع الأكثر أهمية. لكن حتى يتحقق الدمج، يحتاج المعوّق إلى تسهيل وصوله إلى المدرسة والجامعة ومركز التدريب والعمل. فالموضوع، إذًا، متشابك ومترابط، ولا يمكن العمل عليه على مستوى واحد. ولكن، لسوء الحظ، طرأت في السنوات الأخيرة أولويات على حساب الفئات التي تعيش أوضاعًا صعبة. ومع ذلك، لا يمكن لهذه الفئات الانتظار حتى تستتب أوضاع البلد لتتمكن من الذهاب إلى مدرسة أو إيجاد عمل، ولا سيما أنّ لبنان يعيش على كفّ عفريت منذ عقود.

ملف الإعاقة بحاجة إلى أن يتحرّك اليوم قبل الغد، وكل مرجعية رسمية في البلد، من أصغرها إلى أكبرها، مسؤولة عن تأمين حق التنقّل لكل من يعاني إعاقة. والأهم أن يقتنع المسؤولون بأنّ أصحاب الإعاقة ليسوا فئة هامشية، بل أصحاب همّة وحق، وفئة وازنة تزداد، للأسف، أعدادها يومًا بعد يوم نتيجة الحروب العبثية. صحيح أنّ أمام الدولة اليوم قضايا كبرى، لكن يبقى الناس القضية الأهم.

 

بواسطة
زيزي إسطفان
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى