ابرز الاخبارسياسة

ماذا يريد الرئيس الذي يبتسم وهو يهدّد؟ (الديار 15 تموز)

جملة واحدة تكفي لوصف أسبوع كامل من السياسة الأميركية: تهديد في الصباح، وغزل في الظهيرة، وتغريدة في المساء تُلغي الاثنين. هذا ليس عيبًا في الترجمة. هذا هو النص الأصلي.

ثمة من يبحث في هذا التذبذب عن تفسير نفسي أو عصبي، وثمة من يكتفي بوصفه أسلوبًا في الحكم. لسنا هنا أطباء، ولا نملك حق التشخيص، لكن المراقب السياسي يملك حقًا آخر: أن يقرأ النمط كما يُقرأ النبض على شاشة، صعودًا وهبوطًا، من دون أن يكتب وصفة أو يصدر حكمًا.

النمط، إذن، لا الشخص. في هذا النمط، يتحول الحصار الاقتصادي إلى لغةِ تفاوضٍ مؤجلة. تُهدَّدُ دولة بالرسوم، ثم يُشادُ بزعيمها بوصفه صديقًا عظيمًا، ثم تُفرضُ العقوبات، ثم يُعقدُ لقاءٌ ودّي في قاعة فندق. الخط الزمني هنا لا يشبه بيانًا سياسيًا بقدر ما يشبه إيقاعًا متقلبًا؛ كل ذروة تُنذر بانخفاض، وكل انخفاض يحمل في داخله ذروة جديدة.

من يتابع هذا الإيقاع عن كثب يلاحظ أنه لا يخدم غاية واحدة، بل يخدم استمرار الحركة نفسها. الحركة هي الرسالة. التهديد لا يُراد له أن يُنفَّذ دائمًا، والمديح لا يُراد له أن يدوم طويلًا؛ كلاهما وقود لمحرك يحتاج إلى الاشتعال المتقطع كي لا يبرد.

غير أن هذا النمط لا يعيش في الفراغ. فكل منظومة سياسية تخلق، مع الزمن، منظومة أخرى تتعلم كيف تقرأها. ولعل المواجهة الممتدة بين واشنطن وطهران تقدم النموذج الأكثر إثارة في هذا السياق. فمن يراقب الخطاب الإيراني يلاحظ أنه لا يتعامل مع التهديد الأميركي بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل بوصفه إيقاعًا معروفًا؛ له لحظة صعود، وله لحظة هبوط، وله ذروة يعقبها، في الغالب، باب موارب للتفاوض.

لهذا تبدو اللغة الإيرانية، في كثير من محطاتها، كأنها ترفض الانجرار إلى الانفعال الذي يدعو إليه الخصم. وحين يقال في طهران إن هناك يدًا تكتب مذكرات التفاهم، ويدًا أخرى تبقى على الزناد، فإن العبارة لا تبدو مجرد استعارة عسكرية، بل إعلانًا عن ازدواجية محسوبة في إدارة الأعصاب قبل إدارة السلاح. الرسالة واضحة: التفاوض لا يقتضي نسيان ميزان القوة، والاستعداد للمواجهة لا يعني إغلاق أبواب السياسة.

السياسة، من هذه الزاوية، ليست مجرد إدارة للمصالح، بل إدارة للاستجابة. فمن ينجح في ضبط رد فعله، بينما يعمل على إرباك رد فعل عدوّه، يكون قد ربح جزءًا من المعركة قبل أن تُفتح ملفات التفاوض أو تُرفع العقوبات. ولهذا تبدو سنوات الاشتباك الأميركي الإيراني أقرب إلى حوار بين مدرستين؛ الأولى تراهن على الصدمة، وعلى تبديل النبرات بصورة متلاحقة حتى يبقى الطرفُ الآخرُ في حال ترقبٍ دائم، والثانية تراهن على الذاكرة الطويلة، فلا تتعامل مع كل تهديد على أنه بداية العالم، ولا مع كل مديح على أنه نهاية العداوة.

هنا يكمنُ الفرق بين الدبلوماسية التقليدية والدبلوماسية التي تتنفس كالموجة. الدبلوماسية التقليدية تبني موقفًا، وتراكِمه، وتحافظ عليه. أما هذه الموجة فتُنكر نفسها في كل صباح جديد، وكأن الذاكرة السياسية عبء يجب التخلص منه، لا رصيدًا يُستثمر.

سُئل ذات مرة مستشار أوروبي عن سر فهم هذا النمط، فأجاب بجملة أقرب إلى الحكمة منها إلى التحليل الأكاديمي: لا تحاولْ أن تفهم الخطاب، حاول أن تفهم اليوم الذي قيل فيه.

في هذا التصريح تلخيص لمأزق دول بأكملها؛ أمَمٌ تعيد قراءة تصريح الصباح كل مساء، وتعيد ترتيب سياساتها الخارجية بحسب مزاج عابر، لا بحسب مصلحة ثابتة. وهكذا تتحول غرف القرار في عواصم كثيرة إلى غرف انتظار، تراقب الشاشة، وتنتظر التغريدة التالية كما ينتظر المسافر إعلان الرحلة التالية.

والمفارقة أن هذا الاضطراب، حين يُقرأ من زاوية أخرى، يبدو منهجًا لا فوضى. فالخصم الذي لا يعرف متى يُصفَع ومتى يُعانَق، يبقى في حالة تأهب دائم. لا يهدأ، ولا يستقر، ولا يبني موقفًا مضادًا واضحًا. وهذا ما يمنح صاحب الخطاب المتذبذب موقعًا متقدمًا، لا بالثبات، بل بجعل غياب الثبات نفسه أداة تأثير.

لكن الأنظمة، كالأجساد، تحتاج إلى إيقاع يمكن التنبؤ به كي تعيش. وحين يصبح النبض السياسي شديد التقلب، تبدأ الدول بالبحث عن آليات دفاع بديلة؛ تحالفات موازية، ومسارات تجارية لا تمر بعاصمة واحدة. ومن رحم هذا القلق، وُلدت لدى كثيرين رغبة في تقليص الاعتماد على المركز الأميركي، لا بدافع الخصومة أو العداوة وحدها، بل بدافع البحث عن يقين مفقود.

ولعل المفارقة الكبرى أن الإيقاع الذي صُمم ليُبقي الجميع في موقع الانتظار، دفع كثيرًا من الدول إلى تعلّم الاستغناء. ومن كثرة التهديد، تعلّمت شعوب أن تُنصت أقل. ومن كثرة المديح، تعلّمت حكومات أن تؤجل الاحتفال حتى ترى الأفعال.

ربما لا تكمن القضية في دونالد ترمب وحده. فالرجل سيغادر يومًا، كما غادر كل من سبقه. أما السؤال الذي سيبقى، فهو ما إذا كانت السياسة العالمية قد دخلت عصرًا جديدًا، لم يعد فيه ثبات الموقف فضيلة، بل صار التقلب نفسه وسيلة نفوذ. عصرٌ يُدار فيه ميزان القوى بالأثر النفسي قبل القوة العسكرية، وبإرباك التوقعات قبل حشد الجيوش.

فالدماغ البشري يستهلك طاقةً هائلةً كلما حاول التنبؤ بما سيحدث بعد لحظة. وإذا استحال التنبؤ، عاشَ في حال يقظة دائمة. وربما هذا ما أصابَ النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة؛ لم يكن يخشى القرار بقدر ما كان يخشى غياب القاعدة التي يُبنى عليها القرار.

لهذا، لم يعد السؤال: ماذا يريد الرئيس الذي يبتسم وهو يهدّد؟ بل: ماذا يحدث للعالم حين يصبح مزاج القوة جزءًا من معادلة القوة؟ عندها لا يعود الدبلوماسي يقرأ الاتفاقيات وحدها، بل يقرأ التعابير، ونبرات الصوت، والإشارات العابرة، كما يقرأ عالم الأعصاب الإشارات الكهربائية المتنقلة بين الخلايا، لا ليصدر حكمًا، بل ليفهم الإيقاع الذي سيصنع الحركة التالية.

ولعل السياسة، في نهاية المطاف، ليست سوى الجهاز العصبي للحضارات. فإذا اضطرب الإيقاع، لم ترتجف حدود دولة واحدة، بل ارتعش العالم كله.

بواسطة
روني ألفا
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى