“ليلةُ المتاحف”… رحلةٌ مجانيّة تجمع اللبنانيّين

لا يعرف اللبنانيّ معنى الاستسلام. فلا الحروب ولا الأزمات استطاعت أن تمحوَ تاريخه، أو تفكّ ارتباطه بأرضه. وبين ذاكرة الماضي وتحدّيات الحاضر، يبقى التراث شاهدًا على هويّةٍ تجمع اللبنانيّين وتحفظ قصّة وطن.
وككلّ عام، تفتح المتاحف اللبنانيّة أبوابها ضمن فعاليّات “ليلة المتاحف”، لتُعيد تسليط الضّوء على دور هذه المساحات في حفظ الهويّة والتراث. وتستقبل هذا العام، نهار الخميس 16 تمّوز، أكثر من 30 متحفًا ومؤسّسةً ثقافيّة الزوّار مجّانًا، من الخامسة عصرًا حتّى الحادية عشرة ليلًا، أبرزها: المتحف الوطنيّ، ومتحف سرسق، ومتحف الآثار في جامعة الرّوح القدس – الكسليك، إلى جانب العديد من المتاحف والمواقع التراثيّة المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانيّة.
وفي التّفاصيل، أكّد عضو مكتب وزير الثقافة، نديم شويري، في حديثٍ خاصّ إلى موقع MTV، أنّ مبادرة “ليلة المتاحف” تشهد توسّعًا ملحوظًا هذا العام، مشيرًا إلى أنّ “عدد المتاحف المشاركة ارتفع من 14 متحفًا في النسخة السابقة إلى أكثر من 30 متحفًا في مختلف المناطق اللبنانيّة”، موضحًا أنّ “وزارة الثقافة تعمل على تنفيذ مبادرات عدّة تهدف إلى حماية التراث اللبناني”، معتبرًا أنّ “ليلة المتاحف” تشكّل محطّةً مهمّةً في هذا الإطار، لأنّها توحّد اللبنانيّين، ولو لليلةٍ واحدة، حول تراثهم وهويّتهم الثقافيّة”.
ولفت شويري إلى أنّ “كلّ متحف يقدّم نشاطًا خاصًّا بهذه المناسبة”، معلنًا أنّه “تمّ تأمين باصات للنقل المشترك في بيروت، تتيح للزوّار الانتقال بين المتاحف المختلفة”، مضيفًا: “يمكن للشباب التوجّه إلى ساحة الشهداء، حيث تنطلق الباصات إلى عددٍ من المتاحف لاكتشاف المعالم الثقافيّة والتراثيّة”.
وأشار إلى أنّ “النسخة الماضية شهدت زيارة نحو 28 ألف شخص للمتاحف الـ14 المشاركة”، متوقّعًا إقبالًا أكبر هذا العام في ظلّ ارتفاع عدد المتاحف المشاركة وتوسّع نطاق المبادرة.
ووجّه رسالةً إلى اللبنانيّين، مؤكّدًا أنّ “تراث لبنان هو ملكٌ للجميع، وهو وسيلةٌ للصمود، وعلينا اكتشافه وزيارته، لأنّه جزءٌ أساسيّ من هويّة لبنان”. وختم بالقول إنّ “هذه الليلة ستُعيد، كما في كلّ عام، الحياة إلى لبنان، من خلال الثقافة والتراث واللقاء بين اللبنانيّين”.
ومن جهتها، توضح مديرة متحف جامعة الرّوح القدس – الكسليك، إلسي الديك بو جودة، أنّ “مشاركة المتحف الجامعيّ في مبادرة “ليلة المتاحف” تنطلق من إيمانٍ بأنّ الثقافة ضرورةٌ وليست ترفًا، خصوصًا في الأوقات الصّعبة، إذ يشكّل الحفاظ على التراث وإتاحته للجمهور رسالةً لتعزيز الهويّة والانتماء”.
وتقول بو جودة، في حديثٍ إلى موقعنا، إنّ “الاهتمام لدى الشّباب بالمتاحف يتزايد، لكنّه يحتاج إلى مقاربةٍ جديدة تتحدّث بلغتهم وتواكب اهتماماتهم. فشباب اليوم لا يبحثون عن مشاهدة القطع الأثريّة أو الأعمال الفنيّة فقط، بل عن تجربةٍ متكاملة تجمع بين المعرفة والتفاعل والإحساس”، مشيرةً إلى أنّه “يُفاجأ الزوّار بتنوّع مجموعات المتحف، التي تروي فصولًا متكاملة من تاريخ لبنان والمنطقة”.
وتؤكّد أنّ “ما يميّز متحف الكسليك حقًّا، هو أنّ كلّ قطعةٍ فيه تحمل قصّة؛ قصّة فنّان، أو حضارة، أو مجتمع، أو مرحلةٍ مفصليّة من تاريخ لبنان. لذلك، فإنّ زيارة المتحف ليست مجرّد مشاهدةٍ لمقتنيات، بل رحلةٌ لاكتشاف الذاكرة الثقافيّة اللبنانيّة وفهم كيف ساهم الفنّ والتراث في تشكيل هويّتنا عبر الأجيال”.
وبين الماضي والحاضر، تبقى المتاحف أكثر من مجرّد مبانٍ تحتضن آثارًا؛ إنّها ذاكرةُ وطن. ولعلّ “ليلة المتاحف” فرصة لاكتشاف لبنان الذي لم تستطِع الازمات محو تاريخه… لأنّ أجمل ما فيه هذالا يزال محفوظًا بين جدرانٍ تروي حكاياته.



