أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

اللغم في شمال الليطاني (الجمهورية 14 تموز)

كل الترتيبات اتُخذت لعقد جولة المفاوضات ​السادسة في روما، اليوم وغداً. وقرّر لبنان المشاركة بعدما أبلغ السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى إلى أركان الحكم بضرورة عدم المقاطعة، على رغم التحفظات التي يبديها لبنان، والضمانات التي يطلبها. وجاء التجاوب اللبناني الرسمي مع الطلب الأميركي تجنّباً لتداعيات سلبية خطرة قد تصيب لبنان نتيجة اتهامه بالتعطيل. لكن هذا الاندفاع الأميركي إلى فتح أبواب التسويات محفوف بألغام ميدانية وسياسية إسرائيلية وإيرانية على حدّ سواء، ما يضع الخطوات التجريبية المقرّرة أمام مأزق حقيقي.

​«الأجندة» التي يرسمها المتفائلون بمسار الوضع اللبناني هي الآتية: تحت الضغط الأميركي الحثيث لإنجاح مفاوضات روما، ومع مباشرة الوفد العسكري الأميركي مهمّاته في لبنان، ستتبلور ميدانياً اتجاهات تفاهمات على تنفيذ الخطوات التجريبية الأولى على الأرض، ما يعني انسحاب إسرائيل من منطقتين محدّدتين وتولّي الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيهما. وفي ظل هذا التفاهم، الذي قد يستلزم تطبيقه بعض الوقت، ستباشر الوفود في روما تشكيل اللجان الفنية والسياسية المنبثقة من الاتفاق. وهذا التلازم بين إيجابيات الميدان والسياسة، سيؤمّن الأرضية اللازمة لزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون للبيت الأبيض، المقررة في 21 من الجاري، بحيث تشهد تتويجاً للمسار الإيجابي.

وفي الحسابات الأميركية، إنّ انخراط لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في هذا التوقيت السياسي تحديداً، وبدء تنفيذ خطوات ميدانية، حيوي لعزل الساحة اللبنانية، مع عودة النزاع العسكري المباشر بين واشنطن وطهران. وترى الإدارة الأميركية في صيغة الإطار أداة جيوسياسية لفصل مسار لبنان عن إيران، والحؤول دون استخدام طهران لجبهة الجنوب كورقة ضغط إضافية في حربها الإقليمية المتجددة. ولكن، في المقابل، تبدو طهران، ومن خلفها «حزب الله»، في وضعية الاستعداد لتفعيل أوراق المحور كافة، وأياً يكن الثمن، أي لو أدّى ذلك إلى استكمال تدمير الجنوب وتوسيع رقعة الاحتلال. فالمطلوب إيرانياً هو الحفاظ على كل أوراق القوة وهوامش الحركة، والحفاظ على ما أمكن من عناصر القوة، التي يشكّل «حزب الله» أحد مكوناتها الأساسية. مراجعجغرافية

وهذا السلوك الإيراني مثالي جداً لإسرائيل التي تتبع على أرض الواقع تكتيك «التسهيل الملغوم». فبنيامين نتنياهو يسعى إلى الظهور أمام إدارة دونالد ترامب بمظهر الطرف «المندفع» لتطبيق الانسحابات التدريجية والمناطق التجريبية. لكن الأمر ليس بهذه البراءة. ووفق تقديرات، هي تقوم بـ»تلغيم» مسار الانسحاب التجريبي عبر ربطه عضوياً وشرطياً بملف نزع السلاح ومستقبل الترتيبات في منطقة شمال الليطاني. وهو طرح يحظى سلفاً بدعم وتأييد أميركي وافر تحت عنوان تأمين الاستقرار المستدام.

و​هنا تبرز العقدة الأكثر خطورة، والتي قد تنقل الأزمة من مواجهة مع إسرائيل إلى صدام داخلي لبناني. فماذا لو قرّرت طهران، من خلال «الحزب»، ضرب الخطوات التجريبية بذريعة أنّ نزع السلاح محصور بجنوب الليطاني، وأنّ الجيش اللبناني ليس معنياً بنزعه في شمال النهر، علماً أنّ إسرائيل أدرجت مناطق استراتيجية وحساسة تخصّ «حزب الله» ضمن الخرائط التي تعتبرها داخل «الخط الأصفر»، وإن لم تكن قد احتلتها حتى الآن؟

وتتمحور المعضلة خصوصاً في تلة علي الطاهر التي تمثل لـ«حزب الله» مركز قيادة أساسياً وبنية تحتية حيوية، تحتوي على تجهيزات وخبرات هندسية مشتركة مع إيران، ومن المستحيل على «الحزب» أن يوافق على تسليمها للجيش اللبناني أياً كان الثمن. وإصرار إسرائيل وبدعم أميركي على إدخال هذه المناطق في حسابات المرحلة التجريبية، سيضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة ومعقّدة مع «الحزب» حول حدود الصلاحيات والسيادة الميدانية.

يعني ذلك أنّ كل الترتيبات اللازمة للسير في الآليات التنفيذية قريباً، ستنطلق تحت إشراف أميركي مشدّد. لكن الرهان الحقيقي ليس في بدء الخطوات التجريبية، بل في القدرة على إتمامها في سلام من دون الانزلاق إلى صدام داخلي. فالانسحابات شمال الليطاني تهدف أساساً إلى إحراج الدولة اللبنانية، ودفعها إلى الطلاق التام مع «الحزب»، بل التصادم. ولذلك، ستكون زيارة عون لواشنطن أمام خيارين: إما انتزاع شبكة أمان أميركية تضمن تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي بلا شروط تعجيزية، وإما العودة إلى بيروت على وقع انفجار اللغم الميداني.

 

بواسطة
طوني عيسى
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى