أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان: بين الالتزام بحقوق الإنسان وإشكاليات السياسة الجزائية في حماية المجتمع والحريات (نداء الوطن 13 تموز)

أعادت اللجان النيابية المشتركة فتح واحد من أكثر النقاشات القانونية والأخلاقية حساسية في لبنان، وذلك من خلال إقرار اقتراح قانون يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، بما يحافظ، وفق مقدمي الاقتراح، على التدرج في هرم العقوبات ويحول دون إحداث تخفيف جذري للعقوبة القصوى. ويستند هذا التوجه إلى واقع عملي يتمثل في امتناع الدولة اللبنانية عن تنفيذ أي حكم بالإعدام منذ عام 2004، الأمر الذي دفع إلى المطالبة بمواءمة النصوص القانونية مع الممارسة الفعلية.

ولا شك في أن هذه الخطوة تمثل محطة مفصلية في تطور السياسة الجزائية اللبنانية، لأنها تطاول أقسى العقوبات التي ينص عليها القانون، أي العقوبة التي تنهي حياة الإنسان باسم العدالة وباسم سلطة الدولة.

غير أن النقاش حول عقوبة الإعدام لم يكن يومًا نقاشًا تقنيًا يقتصر على اختيار نوع من أنواع العقوبات، بل هو نقاش يمس جوهر العلاقة بين الدولة والفرد، وحدود السلطة العقابية التي تملكها الدولة، ومدى خضوعها للمبادئ الدستورية والإنسانية التي تشكل أساس دولة القانون. فالدولة الحديثة، وإن احتكرت حق العقاب، لا تمارسه بصورة مطلقة، بل تظل مقيدة بجملة من المبادئ العليا، وفي مقدمتها احترام الكرامة الإنسانية وصون الحق في الحياة.

ومن حيث المبدأ، فإن تأييد إلغاء عقوبة الإعدام لا ينبع من التساهل مع الجرائم الخطيرة، ولا من تجاهل معاناة الضحايا وعائلاتهم، ولا من التقليل من خطورة الجرائم الإرهابية أو الجرائم العمد التي تستهدف حياة الأبرياء. وإنما يستند إلى قناعة قانونية وإنسانية مفادها أن العدالة الجنائية الحديثة لا تقوم على الانتقام، بل على حماية المجتمع، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق الردع ضمن إطار يحترم الحقوق الأساسية للإنسان.

فالحق في الحياة يشكل حجر الزاوية في منظومة حقوق الإنسان، وهو حق لا يقبل التدارك إذا ما انتُهك. فإذا كان من الممكن تعويض شخص سُجن ظلمًا أو تصحيح حكم قضائي خاطئ بعد إعادة المحاكمة، فإن تنفيذ حكم الإعدام بحق بريء يبقى خطأً نهائيًّا لا تستطيع الدولة إصلاح آثاره مهما قدّمت من اعتذارات أو تعويضات. وقد شكلت هذه الحقيقة أحد أهم الأسباب التي دفعت عددًا متزايدًا من الدول إلى إعادة النظر في هذه العقوبة، ولا سيما بعد ظهور حالات عديدة ثبت فيها، بفضل تطور وسائل التحقيق والإثبات، أن بعض المحكومين بالإعدام كانوا أبرياء.

إلا أن النقاش حول إلغاء الإعدام لا يمكن أن يُختزل في المبادئ المجردة وحدها، لأن السياسة الجنائية ليست مجرد فلسفة أخلاقية، بل هي أيضًا سياسة عامة تهدف إلى حماية المجتمع، وصون الأمن العام، وضمان تنفيذ العدالة بصورة فعالة. ومن هنا يبرز سؤال أساسي في الحالة اللبنانية: هل يكفي أن تكون عقوبة الإعدام متعارضة مع الاتجاه العالمي المتنامي في مجال حقوق الإنسان حتى يصبح إلغاؤها خيارًا تشريعيًا سليمًا، أم أن نجاح هذا الخيار يفترض أيضاً وجود دولة قوية تحتكر استخدام القوة، وتتمتع بقضاء مستقل وعادل، وتملك القدرة الفعلية على تنفيذ الأحكام، وضمان عدم الإفلات من العقاب؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في بلد يعاني منذ عقود من اختلالات بنيوية تمس مفهوم الدولة ذاته، ومن ضعف في تطبيق القانون، ومن وجود سلاح ميليشياوي خارج المؤسسات الشرعية، ومن تفاوت في قدرة السلطات العامة على فرض سيادة القانون بصورة متساوية على كامل الأراضي اللبنانية. فهذه الوقائع تفرض التساؤل عما إذا كان إصلاح السياسة العقابية يمكن أن يحقق أهدافه بمعزل عن إصلاح مؤسسات الدولة نفسها.

ومن ثم، فإن المقاربة القانونية المتوازنة تقتضي عدم تصوير النقاش على أنه مواجهة بين المدافعين عن حقوق الإنسان وأنصار التشدد العقابي، لأن حماية الحقوق الأساسية لا تتعارض مع واجب الدولة في حماية المجتمع، كما أن مكافحة الجريمة لا تبرر المساس بالكرامة الإنسانية. فالعدالة الجنائية الحديثة مطالبة بتحقيق معادلة دقيقة تجمع بين صون الحقوق الفردية وضمان الأمن الجماعي، وبين احترام الإنسان وترسيخ هيبة القانون.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يتناول هذا البحث إشكالية إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان من زاويتين متكاملتين. فيُخصَّص القسم الأول لبحث الإطار القانوني والفلسفي لهذه العقوبة، من خلال عرض تطور فلسفة العقاب، وموقع لبنان ضمن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وواقع التشريع الجزائي اللبناني بين النصوص والتطبيق. أما القسم الثاني فيتناول خصوصية الحالة اللبنانية، فيناقش التناقضات التي تعتري السياسة العقابية، وإشكالية إلغاء الإعدام في ظل ضعف الدولة ووجود السلاح خارج الشرعية، ومدى فعالية العقوبات البديلة في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، وصولاً إلى ضرورة عدم إغفال حقوق الضحايا باعتبارها ركناً أساسياً من أركان العدالة الجنائية.

القسم الأول: الإطار القانوني والفلسفي لإلغاء عقوبة الإعدام

أولاً: فلسفة عقوبة الإعدام في الفكر الجنائي الحديث

شهد الفكر الجنائي خلال القرنين الأخيرين تحولًا جذريًّا في نظرته إلى العقوبة ووظيفتها داخل المجتمع. فبعد أن كانت العقوبة في المجتمعات القديمة تقوم أساسًا على فكرة الانتقام وإيقاع الألم بالجاني بوصفه مقابلًا للضرر الذي أحدثه، أصبحت في الدولة الحديثة وسيلة قانونية تهدف إلى حماية المجتمع، وصون النظام العام، وتحقيق الردع، وإعادة تأهيل المحكوم عليه متى كان ذلك ممكنًا.

وقد رافق هذا التطور انتقال العدالة الجنائية من منطق الثأر إلى منطق دولة القانون، بحيث لم يعد الهدف من العقوبة الاقتصاص من الجاني، بل فرض احترام القانون ضمن حدود تضمن كرامة الإنسان، حتى وإن كان مرتكبًا لأشد الجرائم خطورة.

ومن هذا المنطلق، أصبحت عقوبة الإعدام محل مراجعة متزايدة في التشريعات المقارنة، لأنها تتميز عن سائر العقوبات بطابعها النهائي وغير القابل للتراجع. فإذا كان من الممكن تصحيح حكم بالسجن أو إعادة محاكمة شخص بعد ظهور أدلة جديدة، فإن تنفيذ حكم الإعدام يجعل أي خطأ قضائي غير قابل للإصلاح، وهو ما دفع العديد من الأنظمة القانونية إلى إعادة النظر في مشروعية هذه العقوبة.

وقد عزز هذا الاتجاه ظهور حالات عديدة ثبت فيها، بعد سنوات من صدور الأحكام، أن بعض المحكومين بالإعدام كانوا أبرياء، الأمر الذي أعاد طرح سؤال جوهري حول مدى جواز منح الدولة سلطة إنهاء حياة الإنسان في ظل احتمال وقوع الخطأ القضائي، مهما بلغت كفاءة القضاء أو تطورت وسائل التحقيق والإثبات.

وفي المقابل، لا يزال المدافعون عن الإبقاء على عقوبة الإعدام يتمسكون بجملة من الحجج، أبرزها أن بعض الجرائم، ولا سيما الإرهاب والقتل الجماعي والقتل المتعمّد والجرائم التي تمس أمن الدولة، تبلغ من الخطورة ما يبرر توقيع أقصى العقوبات، سواء لتحقيق للعدالة، أم لحماية المجتمع، أم لتعزيز الردع العام.

غير أن معظم الدراسات الجنائية المقارنة لم تثبت بصورة قاطعة وجود علاقة مباشرة بين الإبقاء على عقوبة الإعدام وانخفاض معدلات الجريمة أو الإرهاب. فالسلوك الإجرامي لا يصدر دائمًا عن حساب عقلاني للعقوبة المحتملة، بل كثيرًا ما تحركه دوافع نفسية أو اجتماعية أو عقائدية تجعل قسوة العقوبة عاملًا محدود التأثير. ومن ثم، فإن الردع الحقيقي لا يتحقق بمجرد تشديد العقوبة، وإنما بفعالية أجهزة إنفاذ القانون، وسرعة كشف الجرائم، وضمان محاكمة عادلة، وتنفيذ الأحكام بصورة أكيدة.

ومن هنا، اتجه عدد متزايد من الدول إلى إلغاء عقوبة الإعدام أو تعليق تنفيذها، انطلاقًا من قناعة مفادها أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على توقيع أقسى العقوبات، بل بقدرتها على فرض سيادة القانون وتحقيق العدالة واحترام الحقوق الأساسية في آن واحد.

ثانيًا: لبنان والمنظومة الدولية لحماية الحق في الحياة

يُعد لبنان من الدول التي أعلنت، على المستوى الدستوري، التزامها بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. فقد نصت الفقرة (ب) من مقدمة الدستور على أن لبنان عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة، وملتزم بمواثيقها وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما منح المبادئ الأساسية الواردة في هذه المواثيق مكانة متميزة في النظام الدستوري اللبناني.

كما انضم لبنان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي كرس الحق في الحياة باعتباره من الحقوق الأساسية الملازمة لكل إنسان، مع الإبقاء، بالنسبة للدول التي لم تلغِ عقوبة الإعدام، على إمكانية تطبيقها ضمن شروط استثنائية وضمانات إجرائية صارمة.

وفي المقابل، لم ينضم لبنان حتى اليوم إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي، الهادف إلى الإلغاء الكامل لعقوبة الإعدام. ويعني ذلك أن القانون الدولي لا يفرض عليه، في وضعه الراهن، إلغاء هذه العقوبة، وإنما يفرض عليه احترام الضمانات التي تحيط بتطبيقها متى بقيت قائمة في تشريعه الداخلي.

ومن ثم، ينبغي التمييز بين الالتزام بالمبادئ الدولية لحماية حقوق الإنسان وبين الكيفية التي يترجم بها كل نظام قانوني هذه المبادئ في تشريعاته الوطنية. فالتطور الدولي يشكل مرجعاً أساسياً للمشرع اللبناني، لكنه لا يعفيه من مراعاة خصوصيات الواقع الوطني ومتطلبات حماية المجتمع وسيادة القانون.

ثالثًا: واقع عقوبة الإعدام في التشريع اللبناني

لا تزال عقوبة الإعدام تحتل مكانة بارزة في قانون العقوبات اللبناني وفي عدد من القوانين الخاصة، إذ تطبق على مجموعة من الجرائم التي تمس أمن الدولة أو تؤدي إلى إزهاق الأرواح في ظروف مشددة كالقتل عمدًا، وهو ما يعكس الخيار التقليدي الذي اعتمده المشرع اللبناني منذ صدور قانون العقوبات.

غير أن التطبيق العملي سار في اتجاه مختلف، إذ لم تنفذ السلطات اللبنانية أي حكم بالإعدام منذ عام 2004، رغم استمرار المحاكم في إصدار أحكام تقضي بهذه العقوبة في بعض القضايا. وقد أدى هذا الواقع إلى نشوء مفارقة واضحة بين النص القانوني والممارسة العملية، بحيث أصبحت عقوبة الإعدام قائمة من الناحية التشريعية، لكنها معطلة فعليًّا من حيث التنفيذ.

ومن هنا برزت الدعوات إلى مواءمة القانون مع الواقع، انطلاقًا من أن استمرار وجود عقوبة لا تنفذ عمليًا يضعف الانسجام بين النصوص القانونية والسياسة العقابية المعتمدة، ويثير تساؤلات حول جدوى الإبقاء عليها في المنظومة الجزائية اللبنانية.

غير أن هذه الدعوات لا تنهي النقاش، بل تفتحه على إشكاليات أكثر عمقًا تتعلق بمدى جاهزية الدولة اللبنانية لاعتماد سياسة عقابية جديدة، وبقدرة المؤسسات العامة على تحقيق الردع وحماية المجتمع من خلال العقوبات البديلة. وهذه المسائل تمثل جوهر القسم الثاني من هذه الدراسة، الذي يتناول خصوصية الحالة اللبنانية والتحديات التي تثيرها عملية إلغاء عقوبة الإعدام في ظل الواقع الدستوري والمؤسساتي والأمني القائم.

القسم الثاني: التحديات اللبنانية أمام إلغاء عقوبة الإعدام

أولًا: التناقض في السياسة العقابية اللبنانية

إذا كان إلغاء عقوبة الإعدام يُقدَّم بوصفه انتصارًا لمبادئ حقوق الإنسان ولتطور الفكر الجنائي الحديث، فإن هذا الخيار التشريعي لا يمكن تقييمه بمعزل عن مجمل السياسة العقابية التي يعتمدها المشرّع اللبناني. فاحترام الكرامة الإنسانية لا يتحقق بإلغاء عقوبة واحدة، مهما بلغت أهميتها، بل يقتضي مراجعة شاملة للمنظومة الجزائية بأكملها، بحيث تقوم جميع العقوبات على فلسفة متجانسة تنسجم مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان.

ومن هذه الزاوية، يثير اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام تساؤلًا مشروعًا حول مدى اتساقه مع بقية التشريع الجزائي اللبناني. فالمشرّع، في الوقت الذي اتجه فيه إلى استبعاد الإعدام، لم يتخلَّ عن عقوبة الأشغال الشاقة، بل اختار استحداث عقوبة جديدة هي الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة لتحل محل الإعدام في الجرائم التي كانت تستوجب هذه العقوبة.

ويكشف هذا الخيار عن مفارقة تشريعية تستحق التوقف عندها. فلو كان الدافع الرئيسي لإلغاء الإعدام هو تبني فلسفة عقابية جديدة قائمة على تعزيز الكرامة الإنسانية والابتعاد عن العقوبات ذات الطابع الإيلامي، لكان من المنطقي أن تترافق هذه الخطوة مع مراجعة شاملة لعقوبة الأشغال الشاقة نفسها، باعتبارها عقوبة تعود في جذورها التاريخية إلى فلسفة جزائية تقليدية تقوم على العمل القسري وتشديد المعاناة الجسدية والنفسية للمحكوم عليه وعقوبة لا تؤيدها الاتفاقيات والعهود الدولية المعنية بحماية حقوق الانسان. أما الإبقاء عليها، بل وتشديدها، فيوحي بأن التعديل لم يمس جوهر السياسة العقابية، وإنما اقتصر على استبعاد الإعدام بوصفه وسيلة لإنهاء حياة المحكوم عليه.

ومن ثم، يمكن التساؤل عما إذا كان المشرّع قد ألغى فعلًا العقوبة القصوى، أم أنه استبدل وسيلة تنفيذها فقط. فالانتقال من الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة لا يعني بالضرورة انتقالًا من فلسفة عقابية إلى أخرى، لأن التشدد العقابي بقي حاضرًا بصورة واضحة في بنية العقوبة الجديدة، سواء من حيث طبيعتها أو من حيث القيود التي أحاطت بإمكان تخفيضها أو الاستفادة من الأنظمة الخاصة بتنفيذ العقوبات. وبذلك، فإن اقتراح القانون لا يعكس قطيعة كاملة مع المنطق العقابي التقليدي، بقدر ما يعكس محاولة للتوفيق بين متطلبات احترام الحق في الحياة وبين المحافظة على الحد الأقصى من الردع.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا عندما يُنظر إلى المنظومة الجزائية اللبنانية في صورتها الشاملة. فما زالت بعض النصوص القانونية تعكس تصورات تقليدية للعقاب أو تفرض قيودًا على بعض الحريات الفردية، من دون أن تخضع لمراجعة تتلاءم مع التطور الذي شهده القانون الدولي لحقوق الإنسان والاجتهادات الدستورية المقارنة. ومن الأمثلة على ذلك استمرار عدد من النصوص الجزائية التي تثير نقاشًا حول مدى توافقها مع حرية التعبير، أو حرية التواصل، أو بعض مظاهر الحياة الخاصة، وهو ما يدل على أن الإصلاح التشريعي لا يزال جزئيًا وانتقائيًا.

ولعل أبرز الأمثلة على ذلك استمرار العمل ببعض النصوص الجزائية التي تضع قيودًا واسعة على ممارسة بعض الحريات الأساسية، وفي مقدمتها الأحكام الواردة في قانون مقاطعة إسرائيل وفي قانون العقوبات التي لا تقتصر على تجريم الأفعال التي قد تنطوي على تعاون أمني مباشر أو دعم مادي لجهات معادية، بل تمتد في بعض صورها إلى معاقبة مجرد أشكال من التواصل أو الاتصال العادي مع أي مواطن إسرائيلي، بما يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذه القيود مع مبدأ حرية التواصل وحرية الفرد في إقامة علاقات شخصية أو مهنية في إطار ما لا يشكل تهديداً فعلياً للأمن الوطني.

كما أن قانون العقوبات اللبناني لا يزال يتضمن نصوصًا تثير إشكاليات متعلقة بحرية التعبير، ولا سيما تلك التي تجرّم ما يُوصف بـ”إضعاف الشعور القومي” أو “المس بالشعور القومي”، وهي عبارات ذات طابع واسع وغير محدد قد تسمح بتفسير جزائي يمتد إلى تجريم مواقف أو آراء أو انتقادات سياسية لا تتجاوز حدود التعبير المشروع. فحماية الشعور الوطني لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتقييد حرية الرأي أو الحد من النقاش العام، خصوصاً في نظام ديمقراطي يفترض أن تكون فيه الأفكار والانتقادات السياسية محل حماية لا محل تجريم.

ويضاف إلى ذلك استمرار اختصاص المحكمة العسكرية بالنظر في عدد من القضايا التي لا ترتبط حصرًا بالأفعال العسكرية أو بالجرائم التي يرتكبها العسكريون أثناء قيامهم بمهامهم، بل يمتد في بعض الحالات إلى محاكمة مدنيين في قضايا ذات طبيعة سياسية أو متصلة بحرية التعبير والصحافة، الأمر الذي أثار انتقادات متكررة من هيئات حقوقية وفقهية بسبب مسألة استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة أمام قضاء استثنائي.

ولا يعني إثارة هذه الأمثلة الدعوة إلى إلغاء كل القيود التي قد تفرضها اعتبارات الأمن الوطني أو المصالح العليا للدولة، وإنما التأكيد على أن الإصلاح الجزائي الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على تعديل عقوبة واحدة، مهما بلغت أهميتها، بل يجب أن يشمل مراجعة شاملة للسياسة الجنائية برمتها، بما يضمن انسجام التشريع الجزائي مع الالتزامات الدستورية والدولية المتعلقة بحماية الحقوق والحريات، وتحقيق التوازن الضروري بين مقتضيات الأمن وصون دولة القانون.

ومن هنا، فإن احترام حقوق الإنسان لا يجوز أن يكون انتقائيًا أو مقتصرًا على العقوبات التي تحظى باهتمام إعلامي أو دولي واسع، بل ينبغي أن يشكل مبدأً عاماً يحكم جميع مراحل العدالة الجزائية، من التجريم والتحقيق والمحاكمة، وصولاً إلى تنفيذ العقوبات. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بإلغاء عقوبة الإعدام وحدها، وإنما بقدرة المشرّع على بناء سياسة عقابية متماسكة تقوم على رؤية متكاملة للعدالة، وتحترم في آن واحد الكرامة الإنسانية، وحقوق الضحايا، ومتطلبات حماية المجتمع وسيادة القانون.

ثانيًا: إلغاء عقوبة الإعدام في ظل ضعف الدولة وغياب الاحتكار الحصري للقوة

يثير إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان إشكالية تتجاوز حدود السياسة العقابية بالمعنى الضيق، لتلامس أحد المقومات الأساسية لقيام الدولة الحديثة، وهو احتكار السلطة العامة وحدها لاستخدام القوة المشروعة وإنفاذ القانون على جميع الأشخاص من دون استثناء. فالعقوبة الجزائية، مهما بلغت شدتها أو خفتها، لا تستمد فعاليتها من النص القانوني وحده، وإنما من قدرة الدولة على تنفيذها بصورة حتمية ومتساوية، ومن ثقة المجتمع بأن القانون يطبق على الجميع من دون تمييز.

ولهذا السبب، فإن معظم الدول التي اتجهت إلى إلغاء عقوبة الإعدام لم تكتفِ بتعديل قوانينها الجزائية، بل كانت قد بلغت مرحلة متقدمة من ترسيخ دولة القانون، حيث تحتكر الدولة وسائل الإكراه المشروع، ويتمتع القضاء بالاستقلال، وتملك الأجهزة الأمنية القدرة على ملاحقة المجرمين وتنفيذ الأحكام القضائية بصورة كاملة وفعالة. وفي مثل هذه البيئة المؤسساتية، لا يؤدي استبدال الإعدام بعقوبة سالبة للحرية إلى إضعاف الردع، لأن يقين تنفيذ العقوبة يبقى قائماً، ولأن المجتمع يثق بأن أحداً لن يفلت من العدالة.

أما في الدول التي تعاني ضعفًا في مؤسساتها، أو تعدداً في مراكز القوة، أو تفاوتًا في القدرة على تنفيذ القانون كلبنان، فإن المسألة تكتسب أبعادًا مختلفة. فالإشكالية لا تكمن في طبيعة العقوبة بحد ذاتها، بل في قدرة الدولة على ضمان تنفيذها. فالعقوبة الأكثر اعتدالًا، إذا كانت مؤكدة التنفيذ، قد تكون أكثر ردعًا من العقوبة الأشد إذا بقيت حبرًا على ورق أو خضعت للاعتبارات السياسية أو الأمنية.

وهنا تبرز خصوصية الحالة اللبنانية. فمنذ عقود، يواجه لبنان أزمة بنيوية تتعلق بمفهوم الدولة وسيادتها، نتيجة وجود قوى مسلحة خارج إطار المؤسسات الشرعية، وما يترتب على ذلك من تفاوت في ممارسة السلطة العامة وقدرتها على فرض القانون بصورة موحدة على كامل الأراضي اللبنانية. وقد انعكس هذا الواقع، بدرجات متفاوتة، على فعالية الدولة في تنفيذ العديد من الأحكام والقرارات، وعلى صورة العدالة في نظر المواطنين، الذين يفترض أن يروا في القانون المرجعية الوحيدة التي يخضع لها الجميع.

ولا يراد من إثارة هذه المسألة ربط إلغاء عقوبة الإعدام بملف سياسي بعينه، وإنما التأكيد على مبدأ قانوني عام، مؤداه أن نجاح أي إصلاح في السياسة العقابية يفترض وجود دولة تمتلك وحدها سلطة الإكراه المشروع، وتملك الوسائل القانونية والمؤسساتية الكفيلة بفرض تنفيذ الأحكام القضائية من دون تمييز أو استثناء. فالسياسة العقابية لا يمكن فصلها عن طبيعة الدولة التي تتولى تنفيذها، لأن العدالة الجزائية ليست مجرد قواعد مكتوبة، بل هي منظومة متكاملة تبدأ بالتجريم، وتمر بالتحقيق والمحاكمة، وتنتهي بالتنفيذ الفعلي للعقوبات.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى إلغاء عقوبة الإعدام بوصفه معيارًا وحيدًا لقياس مدى احترام حقوق الإنسان. فالدولة التي تلغي الإعدام لكنها تعجز عن حماية مواطنيها من الجريمة المنظمة أو الإرهاب، أو تعجز عن تنفيذ الأحكام الصادرة عن قضائها، لا تحقق بالضرورة الغاية التي يرمي إليها الإصلاح الجزائي. وفي المقابل، فإن الدولة التي تضمن سرعة الملاحقة، وعدالة المحاكمة، وحتمية تنفيذ العقوبات، توفر حماية أكثر فعالية للحق في الحياة وللأمن العام، حتى وإن استغنت عن العقوبة القصوى.

ومن ثم، فإن نجاح اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان يبقى مرتبطاً، إلى حد بعيد، بقدرة الدولة على استكمال مسار بناء مؤسساتها، وتعزيز استقلال القضاء، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون، وترسيخ احتكارها الحصري للقوة المشروعة. فهذه العناصر ليست مسائل منفصلة عن السياسة العقابية، بل هي الشرط الذي يمنحها مشروعيتها وفعاليتها في آن واحد. فكلما ازدادت الدولة قوةً في إنفاذ القانون، تراجعت الحاجة إلى التعويل على شدة العقوبة، لأن الردع الحقيقي لا يتحقق بقسوة الجزاء، وإنما بيقين تطبيقه.

ثالثًا: الإرهاب والجريمة المنظمة بين الردع وحماية حقوق الإنسان

يُعدّ الإرهاب والجريمة المنظمة من أبرز الحجج التي يستند إليها أنصار الإبقاء على عقوبة الإعدام. فالجرائم الإرهابية لا تستهدف فردًا بعينه فحسب، وإنما تستهدف المجتمع بأسره، وتسعى إلى نشر الخوف، وتقويض مؤسسات الدولة، وتهديد الأمن الوطني والسلم الأهلي. كما أن الجريمة المنظمة، بما تمتلكه من إمكانات مالية ولوجستية وشبكات عابرة للحدود، تشكل تحديًا جديًّا لقدرة الدولة على حماية المجتمع وفرض سيادة القانون.

ومن هذا المنطلق، يرى جانب من الفقه أن الإعدام يبقى العقوبة الوحيدة التي تعبر عن جسامة هذه الجرائم، وتؤكد رفض المجتمع المطلق لها، ولا سيما عندما تؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا أو تهدد وجود الدولة نفسها. ويستند هذا الاتجاه إلى أن بعض الجرائم تبلغ من الخطورة حداً يجعل العقوبات السالبة للحرية، مهما طالت مدتها، غير كافية لتحقيق العدالة أو لإشباع الشعور المشروع لدى المجتمع بضرورة معاقبة مرتكبيها بأقصى العقوبات.

غير أن هذا المنطق، على الرغم من وجاهته الظاهرية، لا يحسم النقاش من الناحية الجنائية. فالدراسات المقارنة التي تناولت أثر عقوبة الإعدام على الجرائم الإرهابية لم تتمكن من إثبات وجود علاقة حاسمة بين الإبقاء على هذه العقوبة وانخفاض معدلات الإرهاب أو الجريمة المنظمة. ويعود ذلك إلى أن مرتكبي هذه الجرائم لا يتصرفون، في كثير من الأحيان، وفق الحساب التقليدي للمكاسب والخسائر الذي تقوم عليه نظرية الردع، بل تحركهم دوافع عقائدية أو أيديولوجية أو مصالح إجرامية تجعل احتمال العقوبة، مهما بلغت قسوتها، عاملاً محدود التأثير في قرارهم الإجرامي.

ومن ثم، فإن الردع الحقيقي لا يتحقق من خلال تشديد العقوبة وحده، وإنما من خلال رفع احتمال اكتشاف الجريمة، وسرعة توقيف مرتكبيها، وضمان محاكمتهم أمام قضاء مستقل، وتنفيذ الأحكام بصورة حتمية. فالمجرم، أياً كانت دوافعه، يخشى في المقام الأول يقين الملاحقة أكثر مما يخشى مجرد احتمال التعرض لعقوبة أشد.

وفي الحالة اللبنانية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة. فالخطر الذي يواجهه لبنان لا يتمثل في نقص النصوص الجزائية التي تجرّم الإرهاب أو تعاقب عليه، بل في التحديات التي تعترض فعالية الدولة في منع الجرائم قبل وقوعها، وفي ملاحقة مرتكبيها، وفي تنفيذ الأحكام القضائية بصورة كاملة. ولذلك، فإن تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير وسائل جمع المعلومات، وتحسين التنسيق بين المؤسسات المختصة، وضمان استقلال القضاء وسرعة الفصل في القضايا، تبقى جميعها أدوات أكثر فاعلية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة من الاقتصار على النقاش حول طبيعة العقوبة ذاتها.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة الجرائم الإرهابية أو الدعوة إلى التساهل مع مرتكبيها، بل على العكس تمامًا. فإلغاء عقوبة الإعدام لا يمكن أن يتحول إلى مدخل لإضعاف السياسة الجنائية أو إلى ذريعة للتخفيف من مسؤولية مرتكبي الجرائم التي تمس حياة الإنسان وأمن المجتمع وخصوصًا جرائم الارهاب والجرائم المنظمة واغتصاب الأطفال والاعتداء عليهم. بل يفترض أن يقترن بسياسة عقابية صارمة تقوم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وعلى تنفيذ العقوبات البديلة بكامل الجدية والحزم.

ومن هنا، فإن نجاح أي تشريع يلغي عقوبة الإعدام في الجرائم الإرهابية أو الجرائم المنظمة يظل رهنًا بقدرة الدولة على توفير بديل عقابي يتمتع بالفعالية واليقين، ويؤمن حماية المجتمع بصورة لا تقل عن الحماية التي كان يُفترض أن تحققها العقوبة الملغاة. فالعدالة الجنائية لا تقاس بدرجة القسوة التي يتضمنها النص، وإنما بقدرتها على حماية المجتمع، وصون حقوق الإنسان، وترسيخ الثقة بسيادة القانون.

رابعًا: حقوق الضحايا وفعالية عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة البديلة

لا يكتمل النقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام إذا اقتصر على حقوق المحكوم عليهم وحدهم، لأن العدالة الجزائية تقوم أيضاً على حماية المجتمع وصون حقوق الضحايا. فالضحية ليست مجرد عنصر في الدعوى العامة، وإنما هي صاحبة حق في أن ترى الدولة تؤدي وظيفتها في ملاحقة الجناة، وإنزال العقوبة المناسبة بهم، وتنفيذ الأحكام القضائية بصورة فعالة. كما أن المجتمع، بوصفه المتضرر من الجريمة، يملك بدوره مصلحة مشروعة في أن تحقق السياسة العقابية الردع الكافي لمنع تكرار الجرائم الأشد خطورة.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام لا يقاس بمجرد استبدالها بعقوبة أخرى، وإنما بمدى قدرة العقوبة البديلة على تحقيق الغايات التي كانت العقوبة الملغاة ترمي إليها، وفي مقدمتها حماية المجتمع، وتحقيق الردع العام والخاص، وضمان عدم الإفلات من العقاب.

وقد سعى المشرّع اللبناني إلى تبديد المخاوف من أن يؤدي إلغاء الإعدام إلى إضعاف السياسة العقابية، فاستحدث عقوبة جديدة هي الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة لتحل محل الإعدام في الجرائم التي كانت تستوجب هذه العقوبة. ويكشف هذا الخيار عن إرادة واضحة في الإبقاء على الحد الأقصى من الردع، مع الاستغناء عن إنهاء حياة المحكوم عليه احتراماً للحق في الحياة.

غير أن القراءة الدقيقة للنص المقترح تثير أكثر من علامة استفهام حول مدى قدرة هذه العقوبة على تحقيق الغاية التي استحدثت من أجلها. فالمشرّع، وإن شدد شروط تنفيذها، لم ينشئ لها نظاماً قانونياً مستقلاً يضمن بقاءها عقوبة مؤبدة بالمعنى الحقيقي للكلمة.

فقد نص الاقتراح على أن المحكومين بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة لا يستفيدون إلا من التخفيض المنصوص عليه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002. ورغم أن هذه الإحالة تهدف إلى الحد من إمكان الإفراج المبكر، فإنها تكشف في الوقت نفسه أن المشرّع لم يستحدث نظاماً خاصاً لتنفيذ هذه العقوبة، وإنما أخضعها، من حيث المبدأ، للنظام القانوني ذاته الذي يحكم تخفيض سائر العقوبات الجنائية. ويعني ذلك أن العقوبة الجديدة، رغم وصفها بالمؤبدة، ليست مؤبدة بصورة مطلقة، بل تبقى قابلة للتخفيض وفقًا للشروط التي يحددها قانون تنفيذ العقوبات. ومن ثم، فإن صفة “التأبيد” تصبح وصفًا نسبيًا لا وصفًا نهائيًا، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى احتفاظ العقوبة بوظيفتها الردعية في مواجهة أخطر الجرائم.

ويزداد هذا النقد أهمية إذا ما أخذنا في الاعتبار أن اقتراح القانون أغفل معالجة وسائل قانونية أخرى قد تؤدي إلى إنهاء العقوبة أو تقليص مدتها الفعلية. فهو لم يتناول مسألة العفو الخاص، رغم أن النظام الدستوري اللبناني يجيز لرئيس الجمهورية منح هذا النوع من العفو وفقًا للأصول الدستورية، بما قد يؤدي إلى إسقاط العقوبة كلها أو بعضها أو إلى استبدالها بعقوبة أخف. كما لم ينص الاقتراح على استبعاد المحكومين بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة من أي قانون عفو عام قد يصدر مستقبلاً عن مجلس النواب.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في لبنان، حيث شهدت الحياة التشريعية في أكثر من مرحلة صدور قوانين عفو عام ارتبطت، إلى حد بعيد، باعتبارات سياسية أو طائفية أو بتسويات وطنية فرضتها ظروف استثنائية، أكثر مما ارتبطت بمعايير السياسة الجنائية أو بالتقييم الفردي لخطورة المحكوم عليهم. ومهما كانت المبررات التي قد تفرض اللجوء إلى العفو في بعض الظروف، فإن مجرد احتمال شمول مرتكبي أخطر الجرائم بعفو خاص أو بعفو عام ينعكس سلباً على يقين تنفيذ العقوبة، ويضعف الثقة بقدرتها على تحقيق الردع الذي سعى المشرّع إلى الحفاظ عليه بعد إلغاء الإعدام.

ويكشف ذلك عن مفارقة تشريعية لافتة. فالمشرّع شدد العقوبة عند النطق بالحكم، لكنه لم يوفر الضمانات القانونية الكافية التي تكفل تنفيذها كاملة حتى نهايتها. فالردع لا يتحقق بمجرد إطلاق وصف “الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة” على العقوبة، وإنما يقوم على يقين تنفيذها واستقرارها، بحيث لا تتحول، بفعل التخفيض أو العفو الخاص أو العفو العام، إلى عقوبة محددة المدة أو إلى عقوبة تنتهي قبل الأوان.

ومن ثم، فإن حماية الحق في الحياة واحترام الكرامة الإنسانية لا يتعارضان مع ضرورة توفير نظام عقابي صارم وفعّال يضمن تنفيذ العقوبات البديلة بصورة يقينية وعادلة. فإذا اختار المشرّع إلغاء عقوبة الإعدام، فإن من واجبه، في المقابل، أن يضع نظاماً قانونياً متكاملاً يضمن أن العقوبة البديلة تحقق الحماية الكافية للمجتمع، وتصون حقوق الضحايا، وتحافظ على الثقة بالعدالة الجزائية. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بإلغاء عقوبة أو استحداث أخرى، وإنما بقدرة المنظومة القانونية بأكملها على تحقيق التوازن بين احترام حقوق الإنسان، وحماية المجتمع، وترسيخ سيادة القانون.

خاتمة: إلغاء عقوبة الإعدام بين الالتزام بحقوق الإنسان وضرورة الحفاظ على هيبة العدالة الجزائية

إن النقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان لا يمكن اختزاله في الاختيار بين الإبقاء على عقوبة تنهي حياة المحكوم عليه وبين استبدالها بعقوبة سالبة للحرية، بل هو نقاش أعمق يتعلق بوظيفة العقوبة نفسها وبقدرة الدولة على تحقيق التوازن الدقيق بين حماية الحق في الحياة، من جهة، وواجبها في حماية المجتمع وصون حقوق الضحايا، من جهة أخرى.

فلا شك أن الاتجاه نحو إلغاء عقوبة الإعدام ينسجم مع التطور الذي عرفه القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومع التحول التدريجي في السياسة الجنائية الحديثة التي أصبحت تنظر إلى العقوبة، حتى في مواجهة أخطر الجرائم، باعتبارها وسيلة لتحقيق العدالة وحماية المجتمع، لا مجرد أداة للانتقام أو القصاص. كما أن احترام الحق في الحياة، باعتباره من الحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف، يفرض على الدولة أن تمارس سلطتها العقابية ضمن حدود الكرامة الإنسانية.

إلا أن إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان لا يشكل، بحد ذاته، إصلاحًا كاملًا ما لم يقترن بإعادة بناء منظومة العقوبات البديلة على أسس واضحة وفعالة. فالمسألة لا تتعلق فقط بنقل العقوبة من خانة إلى أخرى، وإنما بضمان أن تحقق العقوبة البديلة الغايات التي كانت تبرر وجود العقوبة الأصلية، وفي مقدمتها الردع، وحماية المجتمع، وتحقيق العدالة للضحايا.

وفي هذا الإطار، فإن اعتماد عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة كبديل عن الإعدام يعكس محاولة من المشرّع اللبناني الحفاظ على شدة الردع مع التخلي عن إنهاء حياة المحكوم عليه. غير أن فعالية هذا الخيار تبقى مرتبطة بمدى إحاطة هذه العقوبة بضمانات قانونية تجعلها عقوبة مؤبدة بالمعنى العملي، وليس مجرد عقوبة تحمل وصف التأبيد بينما تبقى قابلة للتقليص بفعل آليات التخفيض أو العفو.

فالإحالة إلى قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002، وإن كانت تهدف إلى تنظيم مسألة التخفيض، تكشف في الوقت ذاته عن غياب نظام خاص يحدد بصورة دقيقة وضع المحكوم عليهم بهذه العقوبة الاستثنائية. كما أن عدم معالجة أثر العفو الخاص الذي يملكه رئيس الجمهورية، وعدم استبعاد إمكانية شمول هذه الفئة من المحكوم عليهم بأي عفو عام مستقبلي، يثيران تساؤلات جدية حول مدى استقرار العقوبة وفعاليتها الردعية. فالعقوبة التي يفترض أن تحل محل الإعدام يجب ألا تتحول عمليًا إلى عقوبة محددة المدة بفعل نصوص لاحقة أو اعتبارات سياسية ظرفية.

ومن هنا، فإن التحدي الأساسي أمام المشرّع اللبناني لا يكمن فقط في إلغاء عقوبة الإعدام، وإنما في بناء سياسة جنائية متماسكة تعيد الاعتبار إلى مفهوم يقين العقوبة وفعالية تنفيذ الأحكام القضائية. فالعدالة لا تتحقق بمجرد إصدار الأحكام، بل بقدرة الدولة على تنفيذها بصورة عادلة وثابتة، لأن ضعف التنفيذ يؤدي إلى تقويض الثقة بالقضاء وإلى شعور الضحايا والمجتمع بأن خطورة الجرائم لا تقابلها استجابة جزائية تتناسب معها.

كما أن أي إصلاح تشريعي في هذا المجال يجب ألا يغفل واقع النظام القانوني والمؤسساتي اللبناني. فالعقوبة لا تستمد فعاليتها من النص وحده، وإنما من وجود دولة قادرة على تطبيق القانون، ومن قضاء مستقل، ومن مؤسسات تضمن عدم تحويل الاستثناءات القانونية إلى وسائل للإفلات من المسؤولية. وفي مجتمع عانى تاريخيًّا من آثار الجرائم السياسية والأمنية ومن ثقافة التسويات والعفو المرتبطة أحيانًا بالظروف السياسية، تصبح مسألة ضمان تنفيذ العقوبات أكثر أهمية للحفاظ على هيبة العدالة.

وعليه، فإن إلغاء عقوبة الإعدام لا ينبغي أن يكون نهاية المسار، بل بداية لإصلاح أوسع يعيد صياغة العلاقة بين حقوق الإنسان والعدالة الجزائية. فالاحترام الحقيقي للحق في الحياة لا يكتمل إلا باحترام حق الضحايا في العدالة، وحق المجتمع في الأمن، وحق الدولة في فرض سيادة القانون على الجميع.

إن الدولة التي تلغي الإعدام تثبت التزامها بقيمة الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تتحمل مسؤولية مضاعفة: مسؤولية ضمان ألا يؤدي هذا الإلغاء إلى إضعاف حماية المجتمع أو إلى إهدار حقوق من وقعوا ضحية لأخطر الجرائم. ولذلك، فإن نجاح التجربة اللبنانية لن يقاس بمجرد حذف عقوبة الإعدام من النصوص، بل بقدرة النظام الجزائي على إيجاد عقوبة بديلة حقيقية، صارمة، عادلة، وقابلة للتنفيذ، تحقق التوازن المنشود بين مقتضيات الإنسانية ومتطلبات العدالة.

 

بواسطة
الدكتور دريد بشرّاوي
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى