المقاومة تقترب من مرحلة «شطب ما قبل 2 آذار 2026»: هل تعود الحرب الواسعة؟ (الأخبار 8 تموز)

وقف إطلاق النار القائم على طول الجبهات، من إيران إلى اليمن والعراق ولبنان وصولاً إلى غزة، ليس وقفاً فعلياً للحرب. هو نمط مختلف منها، فيه الكثير من القتل والتدمير، والكثير من معارك تحسين المواقع التفاوضية لجميع الأطراف. أمّا المُتغيّر الأبرز خلال المئة يوم الماضية، فكان المقاربة الأميركية. ولا يعني ذلك تحوّلاً جوهرياً في موقف واشنطن من خصومها أو حلفائها في المنطقة، بقدر ما يرتبط بواقعية لا تزال حاضرة لدى أصحاب القرار داخل مؤسسات الدولة العميقة في الولايات المتحدة، ولا سيما العسكرية والأمنية المُكلّفة بتنفيذ الخيارات السياسية. فقد أفضت مراجعة أولية أجرتها هذه المؤسسات إلى رصد أوجه قصور كبيرة في الجولة الأخيرة من الحرب، ليس فقط في المواجهة المباشرة مع إيران، بل أيضاً في أداء الحلفاء، من إسرائيل إلى أوروبا وسائر القوى الإقليمية.
لا توحي المؤشرات الكبرى بأن الأميركيين يريدون استئناف الحرب في المدى المنظور، بل تعكس سعياً إلى إنتاج صيغة تسوية تتيح لواشنطن الإمساك بموقع الآمر في كل الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة. غير أن هذه الصيغة تستلزم تعديلات، تتعلّق أولاً بموقع إسرائيل على طاولة القرار الأميركي. وإذا كان الجدل يتصاعد حول دور «آخر ملوك إسرائيل»، بنيامين نتنياهو، فإن ذلك لا يعني تراجع مكانة إسرائيل في الحسابات الأميركية، بقدر ما يعكس نقاشاً متنامياً داخل واشنطن حول ضرورة الفصل بين مصالح نتنياهو الشخصية والمصالح الاستراتيجية للكيان. ومن المُتوقّع أن يزداد هذا النقاش حدّة مع اقتراب انتخابات كيان العدو. وإذا رأت الإدارة الأميركية فرصة للتخلّص من نتنياهو، فلن تقف في وجهها، وربما تسهّل وصول بديل عنه. لكنّ الهدف ليس تغيير الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة، بل تعديل أسلوب إدارتها وآليات عملها، بما يسمح بالانخراط في تسويات تعتبرها واشنطن ضرورية لإعادة ترتيب الأوراق وتنظيم الصفوف.
تركيا: وكيل لا يشبه الحليف
في أنقرة، التي يزورها ترامب، يجد الأميركيون أنفسهم أمام سؤال حول كلفة بناء علاقة نوعية مع قوة إقليمية بحجم تركيا؟ فواشنطن التي تهتمّ كثيراً لكل ما له علاقة بالاقتصاد والمال، تدرك أن الجولة الأخيرة من الحرب مع إيران فتحت الباب أمام تحوّلات كبيرة. وهي تفضّل، في هذه الحالة، أن تكون أنقرة «وكيلاً كبيراً» يمكن أن يحلّ مكان إسرائيل في أمور كثيرة، أبرزها إدارة العلاقة مع الدول القلقة من إيران.
غير أن لتركيا مصالحها وحساباتها. وهي وإن لم تكن في وارد إقامة تحالف جدّي مع إيران، إلا أنها ليست في وارد الصدام معها، وترى أن دول الجزيرة العربية أخطأت في الاتّكال على الولايات المتحدة وإسرائيل، انطلاقاً من فهم أعمق وأكثر دقّة لطبيعة التوازنات التاريخية والجغرافية التي تحكم المنطقة.
تدرك واشنطن أن العودة إلى الحرب مع إيران بالأدوات نفسها التي استُخدمت في الجولة الأخيرة لن تحقّق نتائج تتجاوز ما تحقّق، مهما ارتفع مستوى القوة العسكرية المُستخدمة. بل إن أصواتاً داخل المؤسسات الأميركية تحذّر من أن أي مواجهة جديدة قد تفرض أثماناً تفوق قدرة الولايات المتحدة على تحمّلها إذا تكرّرت الإخفاقات نفسها، وهو ما يجعل واشنطن تفكّر بالأمر بأساليب مختلفة، أقرب إلى فكرة «عقود الباطن» بما يوفّر لها الخدمة المطلوبة، مقابل أثمان تختلف عمّا تتقاضاه إسرائيل للقيام بدور الشرطي القذر في المنطقة.
التحدّيات أمام الاستراتيجية الأميركية في المنطقة تكبر، وإسرائيل لا تفكر إلّا في العودة إلى الحرب الشاملة ضد إيران وقوى المقاومة، فيما ينتظر العالم قرار واشنطن بشأن التسوية المُستدامة
يعيد ذلك إلى الواجهة عنواناً بدا، في حينه، عابراً في سلسلة المواقف التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما حديثه عن رغبته في إيكال ملف حزب الله في لبنان إلى النظام السوري الجديد. إلا أن الفكرة، في حقيقتها، ليست تماماً كما عرضها ترامب، ولا كما قدّمها الرئيس السوري أحمد الشرع، بل تعبّر عن نمط جديد في التفكير الأميركي لإدارة الملفات المُعقّدة في المنطقة.
وبحسب ما رشح من اتصالات أميركية – تركية – سورية – سعودية بشأن لبنان، يتبيّن أن واشنطن باتت تفضّل حلاً في لبنان تتولاه جهة قادرة على فرض الوقائع، وهي لا تجد، في الوقت الراهن، أفضل من تركيا، سواء عبر دور مباشر أو من خلال النظام السوري الجديد. وفي المقابل، لا ترغب في إقصاء السعودية عن المشهد اللبناني، لكنها تدرك أن اتّساع الدور التركي سيأتي حتماً على حساب مساحة النفوذ السعودي في لبنان وكل بلاد الشام. وهو ما يفسّر جانباً من التناقض الذي رافق زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، إذ كشفت اختلافاً في ترجمة الرياض وأنقرة لما قصده ترامب بشأن لبنان.
وماذا عن إسرائيل؟
وإذا كانت واشنطن تعيد التفكير في إدارة ملفات المنطقة بأسلوب مختلف عن السابق، بالتوازي مع نقاش متزايد داخلها حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤدّيه إسرائيل، فإن الدول المعنية بهذه التحوّلات سارعت إلى التقاط الإشارات. وهذا ما ينطبق على الإمارات، التي ذهبت بعيداً في تحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس في المواجهة مع إيران فحسب، بل أيضاً في كل الجبهات المشتعلة من اليمن إلى السودان وليبيا.
لكنّ حكام أبو ظبي تنبّهوا إلى حجم الخلل الذي أفرزته هذه المقاربة، فبادروا إلى فتح نقاشات جديدة مع إسرائيل حول المرحلة المقبلة، بالتزامن مع إرسال موفدين إلى طهران سعياً إلى تهدئة التوتر و«طلب الأمان»، خصوصاً بعدما تلقّوا رسائل واضحة من طهران بأن أي مواجهة جديدة ستجعل الإمارات تدفع أثماناً أكبر بكثير مما دفعته في السابق. وجاء ذلك في وقت كانت أبو ظبي تتلقّى رسائل قاسية من السعودية وتركيا حول دورها في السودان وليبيا، وتحذيرات جدّية من حركة «أنصار الله» بـ«التخلّي عن سياسة الصبر» حيال تدخّلاتها في اليمن.
يبقى العنصر الأهم مرتبطاً بإسرائيل. وإذا كان نتنياهو لا يزال يرى أن الحرب يجب أن تستمر حتى تحقيق كامل الأهداف، فإنه لم يعد قادراً على إقناع العالم بماهية هذه الأهداف أو بشرعيتها. غير أن إسرائيل لا تعير اهتماماً كبيراً لمسألة شرعية حربها، بقدر ما يهمّها استمرار الشراكة الأميركية فيها. ومن هذا المنطلق، لا تعتبر نفسها مسؤولة عن فشل الجولة الأخيرة مع إيران، بل تُحمِّل الإدارة الأميركية، وتحديداً الرئيس ترامب، مسؤولية عدم الذهاب إلى الخيار الذي كانت تطالب به، والمتمثّل في توجيه ضربات واسعة للبنى التحتية الإيرانية، معتبرة أن هذا التردّد حال دون استثمار الضربات الأولى وتحويلها إلى إنجاز عسكري وسياسي حاسم.
لذلك، لا يبدو منطقياً توقّع أي تبدّل جوهري في موقف نتنياهو من الحرب مع إيران. فهو، ومعه المؤسستان العسكرية والأمنية، سيواصلون العمل على إقناع الولايات المتحدة والعواصم الغربية بضرورة العودة إلى «حرب كبيرة ومفتوحة ومن دون سقوف»، لإسقاط النظام الإيراني، وتدمير سلسلة المقاومة الممتدّة من طهران حتى غزة.
وفي هذا السياق، يحتل لبنان موقعاً أساسياً في الحسابات الإسرائيلية. وبعيداً عن سذاجة سلطة الوصاية في لبنان وتورّطها، فإن إسرائيل لم تنظر يوماً إلى الاتفاق الموقّع مع لبنان باعتباره مدخلاً إلى علاقة مختلفة. فهي لا تنوي الانسحاب من الأراضي التي تحتلها، ولا ترى جدوى في ترتيبات أمنية مع سلطة لا تثق بقدرتها على إدارة حركة السير، فضلاً عن نزع سلاح حزب الله. ولذلك، فإن ما تريده إسرائيل عملياً هو نقل الصراع إلى الداخل اللبناني، سياسياً وعسكرياً إذا اقتضى الأمر، بما يتيح لها تنفيذ خططها البعيدة المدى تجاه لبنان.
وبذلك، تتعامل إسرائيل مع وقف إطلاق النار، سواء على الجبهة الإيرانية أو اللبنانية، باعتباره قيداً يحدّ من استراتيجيتها. وهي تريد استئناف الحرب الواسعة في أسرع وقت، وتضغط لاستعادة التوافق مع واشنطن على خيار المواجهة الشاملة، بما يشمل استهداف إيران مجدّداً، وتوسيع عمليات الاحتلال والقتل في لبنان. وإلى جانب ذلك، ورغم أنها لا تعلن الأمر صراحة، تبدو إسرائيل ماضية أيضاً في إعداد الأرضية لتوسيع نطاق احتلالها داخل الجنوب السوري.
معادلة ما قبل 2 آذار
في المقابل، لا تبدو الأمور في لبنان بالسهولة التي يفترضها العدو. فثمّة وضوح في أن الاتفاق الذي أُبرم مع سلطة الوصاية لن يكون قابلاً للتطبيق، وأن المقاومة أبلغت كل من يعنيه الأمر أنها غير معنية بما ورد فيه، وأنها تتصرّف انطلاقاً من تقدير مفاده أن إسرائيل تحضّر للعودة إلى الحرب الواسعة. لكنّ الأهم أن المقاومة، التي التزمت ضبط النفس منذ إعلان وقف إطلاق النار، باتت أقرب إلى حسم قرارها في كيفية التعامل مع الخروقات الإسرائيلية المتواصلة. وهذا القرار لا يقتصر على الرد المباشر على قوات الاحتلال في المناطق اللبنانية المحتلة، بل قد يمتد، إذا اقتضت المعركة، إلى استهداف قوات الاحتلال داخل شمال فلسطين المحتلة. وهو مسار يحمل في طياته تحدّيات ونتائج كبيرة.
غير أن قرار المقاومة لا يرتبط فقط برفض العودة إلى ما قبل الثاني من آذار، بل أيضاً بالسعي إلى تثبيت المعادلات التي أفرزتها نتائج المواجهة الأخيرة مع إيران. وهي، في هذا السياق، لا تتصرّف باعتبارها تخوض الحرب منفردة، بل تتكل – ولا تعرف فقط – على دور إيراني محوري في أي مواجهة مقبلة. وهو ما يعيد طرح السؤال المركزي على الجانب الأميركي: هل تريدون التسوية فعلاً، أم تشترون الوقت لإعادة تنظيم الصفوف تمهيداً للجولة الجديدة؟
الأكيد، أن المقاومة ليست في وارد تكرار تجربة الأشهر الـ15 التي تلت وقف معركة «أولي الباس» في 27 تشرين الثاني 2024. وهي تعدّ نفسها، وفق ما تراه مناسباً لجهة القدرة والتكتيك وآلية العمل في إدارة المواجهة المقبلة. والتحدّي أمامها يتصل أساساً بالصمود من جهة، ورفع مستوى إيلام العدو من جهة ثانية، وتجنيب المدنيين في لبنان الأثمان الكبيرة. وهي تحدّيات تتطلّب دوراً إيرانياً مركزياً في أي مواجهة جديدة، وهو ما تعرفه إسرائيل، لكنها لا تصدّقه، حالُها حالُ حلفاء أميركا وإسرائيل في لبنان ممن يراهنون على تخلّي إيران عن المقاومة.
تركيا – إيران والمواجهة مع إسرائيل
قلّة من المتابعين ربما تدقق في طبيعة الاستراتيجية التركية في بلاد الشام. والنقاش الدائر حول موقف أنقرة غالباً ما يبقى أسير الشعارات، من دون أن يلامس حقيقة ما يجب على تركيا القيام به في مواجهة التغول الإسرائيلي. ومن غير المنطقي افتراض أن لتركيا مصلحة في توجيه ضربة إلى إيران أو في سحق حزب الله، كما أنه ليس واقعياً الاعتقاد بأن مشروعها لتوسيع نفوذها الإقليمي يقوم على تعزيز الدور الإسرائيلي.
لكن، لا بد من الإقرار بأن مصلحة تركيا اليوم تتمثل في تعزيز شراكتها مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، وتقديم نفسها بوصفها الطرف الأكثر قدرة على إدارة شؤون المشرق. ومنذ السابع من تشرين الأول 2023، تكشف كل مواقف أنقرة وخطواتها أن معاندتها للاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية لم تتجاوز السقف السياسي والإعلامي. وحتى استضافة قادة المقاومة الفلسطينية في تركيا لم تتحول إلى خطوة عملية تساعد هذه المقاومة على إدارة أمورها بشكل مختلف، خصوصاً أن أنقرة، كما الدوحة، حرصتا على منع أي نشاط ذي طابع عسكري أو أمني ضدّ العدو انطلاقاً من أراضيها.
كثيرون أرادوا من تركيا قطع العلاقات مع إسرائيل، لكن أنقرة تأخرت كثيراً في الحدّ من التعامل التجاري مع تل أبيب. وفي سوريا، لم تبادر تركيا إلى أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل، رغم أن الغارات استهدفت مواقع يوجد فيها جنود أتراك. ووافقت على قواعد اشتباك منعتها من الاقتراب من العاصمة دمشق ومن كل الجنوب السوري، وصولاً إلى حدّ إبلاغ القيادات السورية بأنها تملك هامشا ردعياً في مناطق الشمال فقط.
في ملف الحرب على إيران، ترفض أنقرة هذه الحرب. لكن إيران تدفع بدلات كبيرة ثمن أي تعاون اقتصادي مع تركيا. والتفاهم الوحيد بين البلدين يتعلق بالمجموعات الكردية التي خُطِّط لاستخدامها ضدّ إيران انطلاقاً من تركيا أو العراق أو سوريا.
وحتى اليوم، لا تؤدي تركيا دوراً جدياً في إعادة تنظيم العلاقات بين الحكم الجديد في سوريا من جهة وإيران وحزب الله من جهة أخرى. وإذا كانت حجتها أن فريق الشرع لا يتحمل الصلح مع إيران اليوم، إلا أن الحجة تسقط مع ذهاب الشرع إلى موسكو التي قادت المرحلة الأقسى من الحرب الأهلية في سوريا. كما لم تبادر تركيا إلى معالجة مشكلات تتعلق ببعض المجموعات السورية التي لها تشكيلها الطائفي والمذهبي عبر تفاهم مع إيران. واهتمت فقط بإبلاغ إيران وحزب الله، بأنها معنية بعدم تورط الشرع في أي معركة ضد لبنان في ظل الحرب الإسرائيلية على حزب الله.
وكذلك في ملف حركات المقاومة الفلسطينية، لم تبادر تركيا إلى تنظيم العلاقة بين حركة حماس مثلاً وقيادة الشرع. وراعت المطالب الأميركية والإسرائيلية من دمشق حيال كيفية التعامل مع المجموعات الفلسطينية، وطلبت من قادة المقاومة من الفلسطينين التعهد بعدم استخدام سوريا ساحة للعمل ضدّ إسرائيل. أما المقابل، فكان العمل على إعادة تنظيم أمور اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، لكن، من دون العودة إلى ما كان عليه وضعهم أيام الحكم السابق.
والأهم هو ما بات واضحاً أنه يتعلق بالدور السياسي الكبير في بلاد الشام. طبعاً، لا يوجد اليوم من يتحدث عن معركة تركية ضد إيران وحلفائها في العراق ولبنان وفلسطين. لكن الإدارة التركية للملف اللبناني مثلاً، تكشف عن ميل إلى تعزيز القبضة السياسية عبر نفوذ قائم على أساس الكتل المذهبية، أي تكرار ما كانت تركيا تتهم إيران به في السابق. علماً أن أنقرة لا تريد وضع سنّة لبنان والعراق في كفتها في مواجهة إيران، بل تريد إفهام كل اللاعبين الآخرين، بما في ذلك السعودية والإمارات، بأنها مركز القرار لكل سنّة بلاد الشام.



