تهديدٌ بـ”مخاطر محتملة” يتحوَّل إلى ابتزاز يستنزف الخزينة! (الجمهورية 7 تموز)

تتعدَّد المشاهد التي كانت، وما زالت، تضع المسؤولين تحت ضغط وقف مرفق عام حيوي، بغاية الموافقة على تمديد عقود على شفير الانتهاء، بحجة الوقت الداهم وتعذُّر إجراء مناقصات جديدة، والخطرعلى الاستثمار. ولطالما تكرّر، في هذا السياق، التهديد بالعتمة الشاملة أو بتوقف خدمة الاتصالات أو البريد أو إغراق البلد بالنفايات. ويبدو أنّ «استثمار» هذا الأسلوب قد تطوَّر بعد تفجير مرفأ بيروت، واستغلال وجود كمّيات من المواد المخزّنة منذ عشرات السنين في مستودعات مؤسسات أو منشآت ومرافق عامة، والتهديد بإمكانية انفجارها والمطالبة بترحيلها من دون تأخير بموجب عقود بالتراضي.
يُخشى أن تندرج في ذات السياق بعض المطالبات بإجراء تدقيق جنائي حول تلزيمات، بعدما انقضت عليها سنوات طويلة على تنفيذها و«تبخّرت» مستنداتها، لا سيما عندما تكون قد أُجريت خارج المؤسسة المعنية بموضوعها ووافق مجلس الوزراء، في حينه، على شروطها ونتائجها، على هامش التدقيق الجنائي في عمليات تبديد أموال المودعين من خلال سياسة الدعم والهندسات المالية والإفادة من دولار «صيرفة». سياسة
ولتجنّب أن يؤدّي الرضوخ لهذه المطالبات إلى الهدر في الإنفاق على عقود مع شركات، أو مكاتب وخبراء بمختلف أنواع التدقيق المالي والمحاسبي والجنائي، يجري تلزيمها بطرق غير سليمة على حساب المال العام؛ ومن دون أن تكون المبررات جدّية أو ذات جدوى توازي تكلفتها، كما هو حال تدقيق حسابات المؤسسات التي تجريها مكاتب خاصة منذ عقود، من دون أن تكون هناك حسابات نظامية أو مؤهلون قادرون على إعداد حسابات نظامية تكون قابلة للتدقيق أصلاً، وبالتالي من دون الحاجة، أو من دون الاستفادة من نتائج هذا التدقيق والتقارير الصادرة حول نتائجه، لتفادي الثغرات التي سمحت بتكرار المخالفات والتحفّظات المدرجة في تقارير المدققين؛ وبالتالي إلى استمرار العجز عن ضبط الهدر الذي يتشكّل منه هذا العجز، أو على الأقل بنسبة عالية منه.
ولأنّ اللجوء إلى التدقيق غير المجدي تحت ضغط التهويل بات يشكلّ ظاهرة مقلقة؛ ولكي لا يشكّل استشراء هذه «الموضة»، ووهم الاستفادة منها في الحالات التي يتعذّر فيها توفير المستندات والأدلة ذات الصلة بطبيعة هذه الفئة من المهام، إمّا بحجة فقدانها، أو زوال الأدلة على حقيقة وتفاصيل نتائج العمليات الخاضعة لها بسب «انفجار المرفأ» على سبيل المثال، أو بنتيجة نشوب حريق أو الحرب، أو لمجرّد مرور الزمن على وقائع استحالت إمكانية التحقق من صحتها، إذ تكون قد انتفت إمكانية تحقيق المنفعة المتوخاة من بعض أنواع هذا التدقيق ومهامه.
لا بُدّ في هذا المجال من التطرّق إلى ظاهرة المطالبة بالتدقيق الجنائي (Forensic Audit)، الذي يشكّل أحد أنواع التدقيق الحديث، ويتطلّب مهارات إضافية خاصة، ويتقاطع مع التدقيق المالي لناحية موجبات التخطيط وجمع الأدلة وكتابة التقارير، ويتميّز عنه بموجب التعمّق توصُّلاً إلى كشف الاختلاسات وعمليات الاحتيال، أو العمليات غير المشروعة، التي يمكن كشفها من خلال الاستقصاءات والبحث وتحرّي خلفية النوايا المحتملة، وجمع الأدلة التفصيلية وتوفّر عناصر الجرم الجزائي وإحالة النتائج إلى القضاء المختص. وهو غالباً ما يُستخدم في قضايا الفساد المالي في القطاع العام وضمن نطاق الشركات الخاصة.
التدقيق الجنائي هو شكل متخصِّص من التدقيق، غايته كشف الفساد الاحتيالي وجمع الأدلة على مرتكبي العمليات والمخالفات غير العادية والبالغة التأثير، وتحديد المتورّطين فيها لتحميلهم المسؤولية القانونية وتبعات الإنهيار بمختلف أشكاله، وتعيين الشركاء في التسبُّب به. وهو كـ«الطب الشرعي» الغاية من تدخّله هي تحديد أسباب سقوط الدولة في أزمتها الخانقة، والتحقق ممّا إذا كانت هناك دوافع أو ارتكابات جرمية، أدّت إليه. وقد يُطلب في مهمّة التدقيق الجنائي التحقيق في معاملات محدِّدة أو إجراء عمليات تدقيق شاملة للسجلات المالية للمؤسسة، لتحديد مواطن الخطر أو الاحتيال المحتمل. وهو يتطلّب فحصاً معمّقاً للسجلات والمعاملات المالية، بهدف الكشف عن وجود احتيال أو تلاعب بالمستندات والبيانات المالية بقصد تغطية رشاوى قد تتصل بعمليات اختلاس، وجمع الأدلة التي يمكن استخدامها من خلال الإجراءات القانونية، أو للمساعدة في اتخاذ إجراءات تصحيحية لمنع الاحتيال في المستقبل.
أمّا اختلاس الأموال العمومية، فيتمثل في القانون باستيلاء الموظف العام أو الشخص المكلّف بخدمة عامة على أموال أو ممتلكات للدولة أو الأفراد، أو بتسهيل ذلك، عن طريق صرف النفوذ والتعسف في استخدام السلطة وممارسة الصلاحيات المناطة قانوناً بموقع وظيفي، أو وزاري معيَّن، يمكن أن تقع ضمن حيازته القانونية الموقتة، أو تسلّم إليه بسبب وظيفته، أصول تملكها الدولة أو أموال تعود للخزينة، ويكون صاحب قرار في إدارتها أو التصرُّف بها، فيستغل موقعه أو صلاحياته أو نفوذه وتأثيره السياسي للاستيلاء عليها أو الانتفاع منها. سياسة
ماذا عن استغلال المواقع والظروف والذرائع والتهويل والتهديد بـ«مخاطر محتملة»، أو سالفة فات أوانها، أو «تطايرت مستنداتها»، لفرض تلزيم تدقيق مالي عادي أو جنائي، في سبيل الانتقام السياسي، خلافاً لما يفترض أن يكون عليه هكذا قرار من الحياد والنزاهة والشفافية.
في خضم التنازع والانقسام الخطير الذي يشل البلاد ويمعن في تعميق حدّة أزمتها المالية والاقتصادية، بفعل النزاع الإقليمي والاختلاف حوله، يجب أن لا نهمل الأبعاد والغايات السياسية، الداخلية والخارجية، التي يمكن أن تكمن خلف حملات التدقيق الجنائي، وتصويب البعض على خصومهم للنَيل منهم، وضمان هذا البعض نجاته واستمراريّته لتكريس «قداسته» باعتباره المخلّص.
نتساءل في هذا المجال عن خلفية التوجُّه نحو إجراء تدقيق جنائي في تلزيمات قديمة في قطاع الكهرباء، وافق عليها مجلس الوزراء وانتفى وجود أثر للوقائع والمستندات التي بُنيَ عليها صرف الفواتير والمستحقات للبواخر والمحروقات، والتي طالها أكثر من تحقيق سابق، فيما هناك تساؤلات عديدة ما زالت مطروحة اليوم حول أسباب استمرار أزمة الكهرباء والتقنين القاسي بالتغذية والعجز المالي لكهرباء لبنان. ولماذا لم يُطبَّق بعد الشق المتعلّق منه بإعادة النظر بهذه التعرفة في ضوء انخفاض أسعار النفط من 110$ لبرميل برنت إلى أقل من 70$ اليوم وقبل سنوات، ولماذا لم يُعيَّن رئيس لمجلس إدارة كهرباء لبنان مع تعيين أعضاء المجلس الحالي والسابق، على رغم من الانهيار الذي أصابها والمستمر منذ سنوات طويلة، ولماذا لم يُعيَّن مدراء أصيلون في المؤسسة وإبقاء شاغليها في حالة «التكليف»، ولماذا لم يُعيَّن مدير عام للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه بعد، وهو المفترض أن يمارس دوراً مباشراً وأساسياً في الوصاية على كهرباء لبنان، ولماذا يستمر استيراد المحروقات للمؤسسة من قِبل وزارة الطاقة من دون عرضها على رقابة ديوان المحاسبة المسبقة، وأسباب اعتماد نفس الآلية التي ما زالت تؤدي إلى وصول شحنات مشبوهة وبمستندات مشكوك بصحتها وبحقيقة مصدر هذه الشحنات، وتؤدّي إلى تحميل المال العام غرامات من الممكن تجنّبها بحسن الإدارة والتدبير. وماذا عن نتائج التحقيق بالأخبار التي انتشرت حول «اختلاس» كابلات نحاس عن طريق استبدالها بمعدن آخر، فيما هي أموال وأصول عمومية؟
وكي لا يتحوَّل التدقيق الجنائي إلى لعبة شطارة، و»تدقيق حقّ يُراد به باطل»، فإنّ المطلوب اليوم في ضوء التجارب الواقعية والوعود المخيِّبة للآمال، من حقنا الحذر من إمكانية الاستغلال السياسي للتدقيق الجنائي، من خلال التركيز على إجرائه على تلزيمات معيّنة لاستثمار نتائجه المحتملة واستخدامها لإضفاء نوع من القدسية على ممارسات فئة وإبقائها سيفاً مصلتاً على أخرى! العربوشعوب الشرق الأوسط
نعم للمباشرة بالتحضير لإطلاق مناقصات جديدة، تكسر الاحتكار المزمن لعقود الخدمات والمرافق العامة السالف ذكرها، ولعدم الرضوخ للتهديد بانفجار مواد مخزّنة في مواقعها، منذ عقود، لتبرئة القيّمين عليها من إهمالهم المزمن، ونعم أخرى لتدقيق جنائي حيادي ومنزّه، غير قابل لتحويله إلى أداة انتقام سياسي.



