ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

250 عاما.. كيف حكم الدولار العالم وهل يقترب من نهايته؟

 

في 4 يوليو/تموز 1776 أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها عن التاج البريطاني، بعد سنتين فقط من الإعلان عن تأسيس الكونغرس الذي بدأ يعمل على تأكيد سيادة واستقلال الولايات الأمريكية في مختلف المجالات، ومن أبرزها السيادة الاقتصادية.

حينها سعى الكونغرس إلى تفضيل الدولار الإسباني في معاملاته، والحد من استخدام الجنيه الإسترليني لترسيخ الاستقلال المالي عن بريطانيا، لكن العملة البريطانية ظلت مع عملات أوروبية أخرى مقبولة في التداول.

وسرعان ما قرر كونغرس الولايات المتحدة الأمريكية أن يحسم المنافسة لصالح العملة الأمريكية، وأصدر في عام 1792 قانون سك العملة، والذي بمقتضاه أصبح الدولار الأمريكي هو العملة الرسمية للبلاد. لكن العملات الأخرى بقيت مقبولة في التداول.

ظل الأمر على هذا النحو حتى عام 1863 حين أصدر الكونغرس “قانون المصارف الوطنية” الذي منع تداول العملات الأخرى، بما فيها الدولار الإسباني والعملات الأوروبية، ودخلت أوراق الدولار الأمريكي المعروفة باسم “غرين باكس” حيز التداول، وعرفت بهذا الاسم لاستخدام الحبر الأخضر للكتابة على ظهرها.

أما أصل كلمة دولار نفسها فهي كلمة “تالر”، وهي كلمة ألمانية الأصل كانت تطلق على العملات الفضية في أوروبا، وفق ما ذكره المنتدى الاقتصادي العالمي في شرحه لمعاني أسماء العملات، وانتقلت للولايات المتحدة مع المهاجرين الأوروبيين.

ومع احتياج الكونغرس لمزيد من الأموال لتمويل نفقات الحرب الأهلية، التي استمرت منذ عام 1861 إلى 1863 بين الولايات الجنوبية والشمالية، طلب من وزارة الخزانة إصدار سندات عند الطلب بدون فائدة، وكانت هذه بداية السندات الأمريكية، التي لا تزال مقبولة في التداول ويمكن استردادها، وفق موقع التوعية بتاريخ العملة الأمريكية التابع للاحتياطي الفدرالي الأمريكي (البنك المركزي).

تأسيس الاحتياطي الفدرالي

أقر الكونغرس قانون تأسيس الاحتياطي الفدرالي في عام 1913 لإدارة السياسة النقدية الأمريكية، بما في ذلك تحديد أسعار الفائدة، وضمان وجود ما يكفي من الدولارات وفق احتياجات السوق الأمريكي، وتنظيم عمل البنوك بشكل يضمن عدم وقوع أزمات تؤثر على الاستقرار النقدي.

وبرزت أهمية الاحتياطي الفدرالي بشكل خاص خلال فترة الكساد الكبير، من عام 1929 إلى عام 1934، التي عانت خلالها الولايات المتحدة من موجة كساد واسعة تسببت في إفلاس الكثير من الشركات والمؤسسات.

في ذلك الوقت لجأت الإدارة الأمريكية إلى اتباع مجموعة من السياسات النقدية والمالية للخروج من هذه الأزمة، ولعب الاحتياطي الفدرالي دوراً مهماً في تنفيذها.

اتفاقية بريتن وودز عام 1944

جاءت اتفاقية بريتون وودز قرب نهاية الحرب العالمية الثانية في وقت كانت فيه الدول الأوروبية الكبيرة، ومنها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، منهكة تماماً بعد سنوات من الحرب.

حينها كانت هناك حاجة ملحة لدولة أخرى، خارج أوروبا، تقود الاقتصاد العالمي وتقدم الدعم للدول الأوروبية للتعافي من آثار الحرب، وهو الدور الذي كانت الولايات المتحدة مؤهلة للقيام به، خاصة مع كبر حجم اقتصادها وتنوعه، وعدم تعرضها للدمار أثناء الحرب التي خاضتها خارج أراضيها، في أوروبا وآسيا، وخرجت منها منتصرة.

أكدت اتفاقية بريتن وودز دور الدولار كعملة للمبادلات الدولية، خاصة وأن العملة الأمريكية وقتها كانت مرتبطة بالذهب بسعر ثابت وهو 35 دولاراً للأوقية (الأونصة).

وتشير شركة “آر بي إس” لإدارة الاستثمارات الدولية، في تقرير نشرته بمرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة، إلى أنه بعد اتفاقية بريتن وودز تم ربط العملات الرئيسية بالدولار، وهو بدوره مرتبط بالذهب، لتصبح “الولايات المتحدة حجر الزاوية في النظام النقدي الدولي”، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.

وشكلت هذه الاتفاقية الأساس لبداية تفوق الدولار على عملات رئيسية وقتها، وعلى رأسها الجنيه الإسترليني والفرنك الفرنسي، بشكل يعكس صعود القوة الاقتصادية الأمريكية، وتراجع دور بريطانيا وفرنسا في الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.

إلغاء ارتباط الدولار بالذهب

لكن أوضاع الاقتصاد العالمي تغيرت بمرور الوقت، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على الوفاء بالتزاماتها القائمة على ربط الدولار بالذهب، خاصة في ظل ضغوط الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي سابقاً وتكلفة حرب فيتنام، وبدأت أمريكا تواجه مشكلات اقتصادية مهمة على رأسها ارتفاع مستوى التضخم وتراجع مستوى النشاط الاقتصادي.

حينها قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بعد التشاور مع كبار المسؤولين الاقتصاديين، وعلى رأسهم آرثر بيرنز رئيس الاحتياطي الفدرالي في ذلك الوقت، بإلغاء ربط الدولار بالذهب في عام 1971.

وأدى هذا الإلغاء إلى منح الاحتياطي الفدرالي المرونة اللازمة للتحكم في المعروض النقدي من الدولارات حسب احتياجات الاقتصاد الأمريكي، واستخدام سعر الفائدة لتحقيق هدفين أساسيين، وهما زيادة التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار.

وعلى الرغم من أن إلغاء ارتباط الدولار بالذهب حقق مرونة للحكومة الأمريكية في إدارة سياستها الاقتصادية، إلا أنه فتح الطريق أمام التوسع في زيادة المعروض النقدي، وزيادة الاقتراض من خلال إصدار سندات الخزانة الأمريكية.

تسعير النفط بالدولار

لكن نيكسون كان يخشى أنه، مع خروج الولايات المتحدة من نظام الذهب، قد يتراجع الطلب على الدولار، حسب ما قاله ممدوح سلامة خبير النفط للجزيرة نت، فطلب من دول أعضاء في منظمة أوبك تسعير النفط وبيعه بالدولار، وذلك لتعزيز دور الدولار في المبادلات الدولية، والنتيجة أن “الدولار أصبح عملة النفط في العالم”، وفق ما أوضحه سلامة.

ويقول سلامة إن “تسعير النفط بالدولار منح العملة الأمريكية قوة خاصة مقابل العملات الأخرى”، وارتفع الطلب على العملة الأمريكية و”جعلها العملة الأولى عالمياً بلا منازع”.

غير أن القمة التي وصل إليها الدولار بدأت تهتز في عام 2018، إذ تعرضت العملة الأمريكية لتهديد كبير من الصين عندما طرحت عملة البترو-يوان في الأسواق لمنافسة الدولار في سوق النفط العالمي.

وحققت العملة الصينية نجاحاً ملحوظاً، حسب ما قاله سلامة، لأن البترو-يوان مدعوم بالذهب، بمعنى أنه إذا اشترت الصين نفطاً، ودفعت بالبترو-يوان، فإنه يمكن تحويله لاحقاً إلى ذهب في بورصة شنغهاي.

التخلي عن الدولرة تدريجياً

ساهم صعود القوة الاقتصادية الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية في دعم دور الدولار، على حساب عملات أخرى، لكن صعود قوى اقتصادية أخرى، مثل الصين والاتحاد الأوروبي لاحقاً حد من هذا الصعود.

وفي هذا السياق أوضح استطلاع لمنتدى المؤسسات النقدية والمالية الرسمية، وهي مجموعة بحثية مقرها لندن، وشمل 74 بنكاً مركزياً حول العالم، توجه هذه البنوك لخفض وزن الدولار في احتياطياتها النقدية لصالح عملات أخرى مثل اليورو واليوان.

وأوضحت شبكة “سي إن إن” الأمريكية أن نتائج هذا الاستطلاع، تبرز ما بات يعرف “بالتخلي عن الدولرة” De-Dollarization، والمقصود بذلك التراجع في استخدام الدولار في التجارة الدولية واحتياطيات البنوك المركزية، مما قد ينعكس على سعر صرفه في الأجل الطويل.

ونقلت “سي إن إن” عن بنك “جي بي مورغان” الأمريكي أن حصة الدولار الأمريكي من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ عقدين خلال العام الماضي.

وأشارت إلى تصاعد المخاوف في الأسواق من مخاطر السياسة الأمريكية، وصعوبة التنبؤ بها، وهو ما ظهر بوضوح في الحرب الأمريكية على إيران، والرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الشركاء التجاريين لبلاده.

لكن رئيسة قسم الأبحاث في منتدى المؤسسات المالية والنقدية، أندريا كوريا، أوضحت في مقابلة مع “سي إن إن” أن حصة الدولار ظلت بحدود 58% من مخصصات البنوك المركزية على مدى السنوات الخمس الماضية، مشيرة إلى أنه لا يزال يمثل عملة رئيسية لاحتياطيات هذه البنوك، في حين يشير الاستطلاع إلى عملية تدريجية للتخلي عن الدولار.

ويوضح الاستطلاع أن البنوك المركزية تسعى لاعتماد بدائل أخرى للدولار في احتياطياتها، على رأسها اليوان واليورو، علاوة على زيادة وزن الذهب في هذه الاحتياطيات.

تقليل الاعتماد على الأصول الدولارية

وفي السياق ذاته ذكر تقرير لوكالة رويترز أن مجموعة من صناديق الثروة السيادية والبنوك المركزية، التي تدير أصولاً بقيمة 29 تريليون دولار، تتجه للاستثمار بشكل أكبر في الطاقة، ولديها مخاوف بشأن الدولار، وفق دراسة قامت بها شركة “إنفيسكو” لإدارة الاستثمارات والخدمات المالية.

وأوضحت رويترز أن الدراسة، التي شملت 90 صندوقاً سيادياً و54 بنكاً مركزياً، تبرز اهتمام هذه المؤسسات البالغ بالتنويع في محافظها الاستثمارية بحيث تستطيع أن “تتحمل الصدمات وتستمر”.

وأشارت الدراسة إلى مجموعة من العوامل التي تدفع هذه المؤسسات العملاقة إلى تقليل الاعتماد على الأصول الدولارية، مثل السندات الأمريكية، ومن أهم هذه العوامل إغلاق طرق بحرية مهمة، مثل مضيق هرمز، والرسوم الجمركية الأمريكية والحرب بين روسيا وأوكرانيا.

وترى هذه المؤسسات أهمية الاستثمار في البنية الأساسية للطاقة، خاصة في ظل التوسع في قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد على مراكز بيانات تستهلك الطاقة بشكل مكثف.

وأوضحت دراسة شركة “إنفيسكو”، حسب ما نقلته رويترز، أن 61% من البنوك المركزية التي شاركت في هذه الدراسة ترى أن المستوى المرتفع للديون الأمريكية يؤثر سلباً على الثقة في الدولار، باعتباره عملة للاحتياطيات.

يذكر أن حجم الديون الأمريكية بلغ نحو 39 تريليون دولار في نهاية يونيو/حزيران 2026، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، مع توقعات بزيادة هذه الديون نتيجة العجز المستمر في الموازنة العامة الأمريكية.

دور الدولار يتراجع

ويرى  الخبير ممدوح سلامة أنه في ظل الأوضاع القائمة حالياً في الاقتصاد العالمي، فإن الدولار لن يبقى لفترة طويلة العملة الرئيسية في العالم، وسيخسر مكانته الحالية لصالح اليوان واليورو، كما حدث مع الجنيه الإسترليني من قبل.

وأرجع سلامة ذلك إلى الأسباب التالية:

  • تحول المعاملات الدولية واحتياطيات البنوك المركزية إلى أصول غير دولارية.
  •  ارتفاع الطلب على اليوان الصيني، فقياس الناتج المحلي الإجمالي للصين بالقوة الشرائية الحقيقية لليوان سيحولها إلى القوة الاقتصادية الأولى في العالم، متقدمة على أمريكا.
  • تراجع الثقة بالأصول الدولارية مع ارتفاع الديون الأمريكية التي من المنتظر أن تصل بنهاية عام 2026 إلى أكثر من 41 تريليون دولار بسبب زيادة تكاليف الحرب على إيران.
  • فوائد الديون الأمريكية ستصل إلى 1.5 تريليون دولار، وهي فوائد “مهولة” تزيد المخاوف حول مستقبل الدولار.

والخلاصة أن هناك اتجاهاً عاماً بين المؤسسات المالية الكبيرة، ومنها شركات إدارة الاستثمارات والبنوك المركزية، لخفض الاعتماد على الدولار والسندات الأمريكية، والتحول نحو استثمارات بعملات تعكس اقتصادات ضخمة، مثل اليورو واليوان، وهو ما يعني أن الدولار قد دخل في دورة تراجع، بعد أن ظل لعقود في مسار صعودي.

المصدر: الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى