ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

هرمز بعد الهدنة… مفتوحٌ بحراً ومقيّدٌ سياسياً

لا يزال مضيق هرمز، الممر الأكثر حيوية في منظومة الطاقة العالمية، يعمل بنحو 15% فقط من طاقته الطبيعية البالغة 21 مليون برميل يومياً من النفط والغاز الطبيعي المسال، وفق بيانات شركة كبلر
(Kpler) الصادرة في 28 حزيران/يونيو. وعلى الرغم من أن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية المبرمة في حزيران/يونيو أتاحت خروج ما يزيد عن 35 مليون برميل من المضيق منذ توقيعها، فإن التعقيدات تتراكم. فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مؤتمر صحفي ببغداد، أن المضيق “يبقى تحت السيطرة الإيرانية لمدة ثلاثين يوماً”، مطالباً “جميع الأطراف بعدم التدخل في إدارة هرمز”. كما أصدر الحرس الثوري الإيراني تحذيراً يلزم السفن بالتنسيق مع قواته عبر القناة 16 قبل أيّ عبور، معتبراً أيّ مسار غير معتمد من طهران “خطيراً وغير مقبول”.

وزاد المشهد تعقيداً رفض نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية كاظم غريب آبادي، في 29 حزيران/يونيو، انعقاد محادثات تقنية مع واشنطن في الدوحة، مكتفياً بالقول إن “مشاورات ستجري مع المسؤولين القطريين”، وفق الجزيرة. وكان مسؤول أميركي قد أعلن لرويترز و”دي دبليو” في 28 حزيران/يونيو أن البلدين اتفقا على وقف الضربات المتبادلة واستئناف المحادثات، فيما الواقع الميداني يشير إلى أن حركة التجارة لم تعد إلى طبيعتها. في المقابل، أصدر وزراء خارجية الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي بياناً مشتركاً في 25 حزيران/يونيو يرفضون فيه “أي رسوم أو محاولات للسيطرة على المضيق”، ويؤكدون “الملاحة الحرة غير المشروطة”، وفق معهد دراسات الحرب.

المعضلة الحقيقية: الجغرافيا السياسية لا الحقول
يفرّق خبراء تحدّثوا لـ”النهار” بوضوح بين مسألتين: قدرة الحقول على الإنتاج، والقدرة على التصدير عبر ممر آمن. ويؤكد الدكتور سداد إبراهيم الحسيني، النائب التنفيذي السابق في أرامكو السعودية وعضو مجلس إدارتها، أن “حقول النفط وآباره وإنتاجه يمكن أن تعود إلى طاقتها الكاملة لتلبية جميع مستويات الطلب خلال أيام أو أسابيع في جميع أنحاء الخليج العربي”، مضيفاً أن رحلات الناقلات إلى الشرق الأقصى “يمكن أن تعود إلى مستوياتها الكاملة في غضون أسابيع أيضاً”.

لكن الحسيني يضع إصبعه على الجرح الحقيقي، قائلاً إن “المشكلة هي مصداقية الجغرافيا السياسية خارج الخليج العربي. لا تزال المفاوضات في إطارها الزمني البالغ 60 يوماً، ومصدّرو النفط ليسوا العائق”. ويلاحظ أن أصحاب السفن باتوا “يقفون في الانتظار لرفع أو تسليم المواد الهيدروكربونية والعودة إلى الأعمال الطبيعية، لكن الغموض لا يزال يكتنف مسار السلام في المنطقة برمّتها”. ويذهب في تشخيصه الاستراتيجي إلى أن “فكرة قدرة الولايات المتحدة أو أي قوة عالمية أخرى على الحفاظ على غطاء أمني استباقي على نقاط الاختناق الملاحية الحيوية حول العالم قد فقدت مصداقيتها وأصبحت بلا جدوى”.

يتقاطع الخبير النفطي الكويتي محمد الشطي مع هذه القراءة في جوهرها، مشيراً لـ”النهار” إلى أن “تسريع التصدير له علاقة مباشرة بعودة حركة الملاحة دون تغيير أي ترتيبات كانت موجودة قبل آذار/مارس 2026”. لكنه يبدو أكثر تحفظاً في توقعاته الزمنية: “لا أعتقد أننا أمام عودة قبل نهاية العام”. ويربط الشطي المشهد بسياقه السياسي، مشيراً إلى حراك دولي تقوده الولايات المتحدة بوساطات باكستانية وقطرية وتنسيق خليجي، “يأتي في وقت الداخل الأميركي مقبل على انتخابات فصلية، مع رغبة في خفض أسعار الطاقة”.

وعلى صعيد وتيرة العودة، يرى الشطي أن تقدير وود ماكنزي (Wood Mackenzie) باستغراق العودة إلى الطاقة الكاملة بين شهرين وثلاثة أشهر “منطقي نظرياً”، لكنه يقيّده بشرط محوري: “عودة الإنتاج يجب أن تتدرّج وفق حاجات السوق وبما يحقق توازنها واستقرار أسعار الطاقة”.

المضيق وميراث الأشهر الأربعة
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد توقف المضيق عملياً عن العمل إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر شباط/فبراير 2026، مما كبّد منتجي الخليج نحو مليارَي دولار يومياً من العائدات المفقودة، وفق تقديرات معهد بيكر. وفي الوقت الذي تمكّنت فيه السعودية والإمارات من الحفاظ على جزء من صادراتهما بفضل بنيتهما التحتية البديلة، تفاوتت تداعيات الإغلاق تفاوتاً حاداً بين دول المنطقة، من توقف كامل في حالة الكويت إلى تعافٍ نسبي في حالة الإمارات.

تحديات إزالة الألغام
يظل ملف الألغام البحرية عقبة مادية أمام عودة الملاحة الكاملة، حتى إذا توصّلت المفاوضات إلى اتفاق. وقدّرت المنظمة البحرية الدولية، في 25 حزيران/يونيو، وجود نحو 80 لغماً في ممرات الشحن التاريخية بالمضيق، تتولى إزالتها قوة تقودها فرنسا والمملكة المتحدة بمشاركة ألمانية وإيطالية ويابانية وكندية، مع دعم أميركي بطائرات مسيّرة لرصد القاع. وتُقدّر تقييمات البنتاغون أن عملية التطهير الكاملة قد تستغرق ستة أشهر. وعلّقت المنظمة مبادرتها لإجلاء السفن المحاصرة في 25 حزيران/يونيو إثر الهجوم على سفينة شحن قرب الساحل العُماني، فيما شنّت القيادة المركزية الأميركية ضربات في 26 حزيران/يونيو استهدفت مواقع صواريخ إيرانية وطائرات مسيّرة ومنظومات رادار ساحلية، رداً على اعتداءات الحرس الثوري على السفن.

السعودية: خط ينبع يتيح الصمود
اعتمدت المملكة العربية السعودية خلال فترة الإغلاق على خط الأنابيب شرق-غرب، الذي يربط حقول أبقيق بميناء ينبع على البحر الأحمر. وبلغت صادرات ينبع ذروتها بنحو 4 ملايين برميل يومياً في مطلع آذار/مارس، مع إمكانية نظرية لرفعها إلى 5 ملايين برميل يومياً من الطاقة الكاملة للخط البالغة 7 ملايين برميل يومياً، وفق بيانات كبلر ورويترز. وسجّل ميناء ينبع في حزيران/يونيو أعلى مستوياته لصادرات زيت الوقود في خمسة أشهر، إلى جانب حمولات الخام المتجهة إلى آسيا. واستأنفت أرامكو السعودية تحميل النفط في محطة رأس تنورة على الخليج العربي في 26 حزيران/يونيو للمرة الأولى منذ الإغلاق، مع ثلاث ناقلات نفط عملاقة تتعبأ أو تنتظر قبالة الساحل، وفق رويترز.

الإمارات: بنية تحتية متقدمة وخروج من أوبك
استخدمت الإمارات خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام (ADCOP)، الذي تتراوح طاقته ما بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، لنقل الخام إلى ميناء الفجيرة خارج نطاق المضيق. وأسفر ذلك عن انتعاش لافت في الصادرات الإماراتية، التي قفزت من 1.9 مليون برميل يومياً في آذار/مارس إلى 4.3 ملايين برميل يومياً مطلع حزيران/يونيو، أي ما يعادل 85% من مستويات ما قبل الحرب، وفق وكالة الطاقة الدولية.

يؤكد الحسيني في حديثه إلى “النهار” أن تدفق النفط عبر الخطوط البديلة السعودية والإماراتية، وعبر عُمان وتركيا، “مستمر وسيتواصل وسيتنامى بصرف النظر عن حركة المرور في هرمز”.

وفي خطوة تعكس تحوّلاً استراتيجياً، أعلنت الإمارات في 28 نيسان/أبريل انسحابها من أوبك اعتباراً من الأول من أيار/مايو 2026. وتسرّع أدنوك (ADNOC) العمل في خط الأنابيب الغربي-الشرقي الجديد الذي يستهدف رفع طاقة التصدير عبر الفجيرة إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027. وبلغت نسبة إنجازه حتى الآن نحو 50%، ضمن خطة استثمارية تتجاوز الـ 150 مليار دولار. وكان ثاني الزيودي، وزير الدولة للتجارة الخارجية، قد صرّح بأن الإمارات تتجه نحو “الاعتماد الصفري” على المضيق.

الكويت: من الصفر إلى البحث عن مخرج
كشفت أزمة هرمز هشاشة استثنائية في البنية التصديرية الكويتية، إذ سجّلت الكويت في نيسان/أبريل 2026 صفراً في صادراتها النفطية للمرة الأولى منذ الغزو العراقي عام 1991، وفق بيانات تانكر تراكرز (TankerTrackers). وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية “القوة القاهرة” على تعاقداتها التصديرية في 17 نيسان/أبريل، مع تحويل إنتاجها المستمر عند نحو 1.2 مليون برميل يومياً إلى التخزين المحلي. وكشفت المؤسسة عن مفاوضات مع السعودية والإمارات لربط شبكات أنابيبها بمحطات التصدير خارج نطاق هرمز، إضافة إلى دراسة مرافق تخزين في عُمان، وفق وكالة أرغوس للطاقة؛ وإن كان خبراء الصناعة يشيرون إلى أن أي مشروع جديد يحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل للتنفيذ.

قطر: أضرار هيكلية وعودة على مراحل
تواجه قطر وضعاً أكثر تعقيداً من نظيراتها الخليجيات. فقد تعرّضت منشآت رأس لفان، أكبر مجمع لتسييل الغاز الطبيعي في العالم، والذي يمثّل نحو 20% من الإمدادات العالمية، لأضرار جسيمة في آذار/مارس أوقفت الإنتاج بالكامل، ولن تُستعاد الطاقة الكاملة قبل نهاية آب/أغسطس في أفضل السيناريوهات، وفق وود ماكنزي. وشهدت المنشأة ذاتها انفجاراً جديداً في 21 حزيران/يونيو أسفر عن 13 قتيلاً، وإن أكد وزير الطاقة القطري سعد الكعبي أنه ناجم عن “خلل تقني”، ولن يؤثر في الصادرات، وفق الجزيرة وبلومبرغ. وأبلغت قطر للطاقة (QatarEnergy) المشترين باستعدادها لاستعادة نحو 50% من طاقتها خلال شهر من استئناف الملاحة الآمنة، و80% خلال شهرَين، وسط تجمّع ناقلات غاز أمام رأس لفان انتظاراً لرفع حالة القوة القاهرة.

العراق: خسائر كبيرة وبدائل طارئة
خسر العراق، الذي يعتمد على النفط في أكثر من 50% من ناتجه المحلي الإجمالي، نحو 76% من عائداته النفطية في آذار/مارس. واستجابة لذلك، أعادت بغداد تشغيل صادرات حقول كركوك عبر ميناء جيهان التركي بنحو 75 ألف برميل يومياً، مع إمكانية رفعها إلى 770 ألف برميل، فيما أذنت وزارة النفط بفتح باب العطاءات لمشروع خط أنابيب البصرة-حديثة بكلفة 4.6 مليارات دولار وطاقة 2.25 مليون برميل يومياً.

أسعار النفط وحسابات السوق
تراجع سعر خام برنت من ذروته عند نحو 117 دولاراً للبرميل في نيسان/أبريل، ومن 101 دولار في مطلع حزيران/يونيو، إلى نحو 73-74 دولاراً صباح 30 حزيران/يونيو، وفق بيانات ماركت ووتش (MarketWatch) وإنفستنغ دوت كوم (Investing.com). يعكس هذا التراجع توقعات السوق بعودة الإمدادات الخليجية، فيما تتوقع وكالة الطاقة الدولية وبنك سيتي مزيداً من الانخفاض في الأشهر المقبلة.

يرى الشطي أن “هبوط أسعار المنتجات البترولية يدعم تعافي الاقتصاد والطلب، إلى جانب قيام الدول ببناء مخزوناتها النفطية، مما يعزز جهود المنتجين في رفع الإنتاج وفق اتفاقيات التخارج من الخفض الطوعي”. وتحمل العودة الكاملة للإمدادات أهمية استثنائية للدول المستوردة، كالهند التي يمر عبر المضيق نحو نصف وارداتها النفطية، فضلاً عن خفض أقساط التأمين البحري التي تضاعفت منذ شباط/فبراير.

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى