رسم المواد المُنتجة للنفايات: السجال حول الأثر والفعاليّة

منذ يوم الخميس الماضي، ضجّ الإعلام بالسجال الدائر حول الرسوم الجديدة، التي تمَّ فرضها على المواد المستوردة المُنتجة للنفايات، والتي تراوحت بين 1 و3 بالمئة، بحسب نوع السلعة المستوردة وأثرها البيئي. وفي واقع الأمر، جاء هذا المرسوم ضمن المسار التطبيقي للتعديل التشريعي المُقر في 5 كانون الثاني الماضي، الذي يُتيح فرض هذا النوع من الرسوم، بهدف وضع تمويل مستقرّ لقطاع معالجة النفايات الصلبة الذي أُبقي على عاتق الدولة. مع الإشارة إلى أنّ هذا الرسم لن يذهب لتمويل سائر أبواب النفقات ضمن الخزينة العامّة، بل سيُخصّص لثلاثة أوجه من النفقات، متّصلة بمعالجة النفايات.
لهذا السبب، وبالرغم من حساسيّة قرار فرض رسوم جديدة في هذا التوقيت بالذات، يبدو من الواضح أنّ الإشكاليّة لا تكمن في هذا القرار بحد ذاته. بل يمكن القول إن تمويل معالجة النفايات بهذه الآليّة يبقى أكثر شفافيّة واستدامة من جميع آليّات التمويل السابقة، التي اعتمدت على مصادر متفرّقة، وبأساليب تتسم بالغموض، بل وبالشبهة في بعض الحالات.
إلا أنّ التحدّي الأهم الآن يكمن في بعض الخطوات المطلوبة، لتقليص أثر هذا الرسم على الفئات الأكثر هشاشة، ومنع استغلاله من قبل التجّار، ووضع إجراءات كفيلة باستخدام عائدات الرسم بشفافيّة، خصوصًا في ما يتّصل بحقوق البلديّات.
طبيعة الرسم
في بدايات العام الحالي، أقرّ المجلس النيابي تعديلًا على قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، حيث تم تعزيز صلاحيّات البلديّات في إدارة عمليّة جمع النفايات الصلبة ومعالجتها بشكلٍ لامركزي. كما فوّضت التعديلات الحكومة إصدار مرسوم، لفرض رسوم على بعض المنتجات نسبة لكميّة أو نوعيّة النفايات المنتجة جرّاء استهلاكها، تطبيقًا لمبدأ مسؤوليّة المنتج، وما هو يسمح بتمويل الصندوق البلدي المستقل، القادر بدوره على تمويل عمليّات جمع ومعالجة النفايات. وبينما تمَّ إرفاق التعديل بجدول لمعدلات الرسوم الدنيا والقصوى، منح التشريع مجلس الوزراء هامشًا يسمح بتعديل وإلغاء الرسم بالنسبة لكل سلعة، بمرسوم خاص.
وعلى هذا الأساس، جاء المرسوم الذي نُشر في الجريدة الرسميّة هذا الأسبوع. وفي نظرة سريعة على الرسوم المفروضة بموجب المرسوم، يتبّين أنها تراوحت بين 1 بالمئة بالنسبة للحيوانات الحيّة واللحوم والألبان والخضار والحبوب والفاكهة، و2 بالمئة بالنسبة للملح والكبريت وخامات المعادن والمنتجات الكيماويّة العضويّة وجلود الفراء، ويصل حتّى 3 بالمئة بالنسبة للذخائر والبارود. وهكذا، يمكن القول إن اللائحة طالت الغالبيّة الساحقة من أنواع السلع المستوردة التي يمكن أن تخطر على بال المستهلك، ما يمكن عدّه رسمًا شبه شامل على الاستيراد، وإن بمستويات متفاوتة.
من الناحية العمليّة، لن تدخل عائدات هذا الرسم ضمن أبواب الموازنة التقليديّة. بل سيتم تخصيص نصفها للصندوق البلدي المستقل، لتمويل عمليّات رفع ومعالجة النفايات من قبل البلديات. أمّا النصف الآخر، فسيتم تخصيص معظمه للهيئة الوطنيّة لإدارة النفايات الصلبة، وهي هيئة مستقلّة ماليًا وإداريّا، تختص بوضع الخطط وتنفيذها لإدارة النفايات الصلبة، كما تقوم بأعمال الرقابة على عمليّات الجمع والفرز والمعالجة والتخلّص النهائي، فيما تحصل وزارة البيئة على الباقي من هذه الحصّة للقيام بالدور المطلوب منها.
بهذا الشكل، هدفت التعديلات التشريعيّة إلى وضع آليّات دائمة لتمويل جمع النفايات، مع ربط هذه الصلاحيّات بالبلديّات واتحادات البلديّات لامركزيًا. وهذا ما يحلّ مكان الحلول المؤقتّة التي كان يتم اللجوء إليها، إمّا عبر سلف الخزينة، أو مشاريع مجلس الإنماء الإعمار، والتي كان يتم اعتمادها بشكلٍ ظرفي ومن دون إطار تنظيمي متكامل للقطاع.
هواجس يجب معالجتها
كل ما سبق ذكره، لا يتعارض مع هواجس جديّة مرتبطة بفرض هذا الرسم. وهي هواجس يفترض أن تتم معالجتها لتنفيذ الخطّة الموضوعة أصلًا بفعاليّة وشفافيّة. وأولى هذه الهواجس ترتبط بآليّات عمل الصندوق البلدي المستقل، وبقدرة البلديّات على الاستفادة من الأموال المودعة فيها -بحسب حصصها- من دون قيود. وهذا يستلزم أولًا معرفة حجم هذه الحصص بشكلٍ دوريّ، وتمكين المجالس البلديّة من الاطلاع على حركتها ومراقبتها.
أي بمعنى أوضح، ينبغي أن تمتلك البلديّات واتحادات البلديّات الحد الأدنى من السيطرة على هذا الصندوق، كلٌّ بحسب نصيبه منه، لاستخدام عائداته لاحقًا في مشاريع إدارة النفايات الصلبة. وبطبيعة الحال، يفترض أن يتم تحديد لاحقًا وضع الآليّات التفصيليّة لاستخدام هذه الأموال عند الحاجة.
الإشكاليّة الثانية ترتبط بشموليّة الرسم، الذي جرى فرضه بشكل أفقي على الغالبيّة الساحقة من السلع المستوردة، وبحسب نسب متشابهة تتراوح ضمن هامش ضيّق. ولهذا السبب، يمكن العمل على الاستجابة لهذا الجانب من السجال، عبر تمييز بعض السلع الأساسيّة واستثناءها من الرسم، لرفع الكلفة عن الفئات المحدودة الدخل.
ويمكن في المقابل تعويض نقص الإيرادات الناتج عن هذه الخطوة، عبر رفع الرسم بشكلٍ إضافي على بعض السلع الكماليّة أو الأكثر إضرارًا بالبيئة. وبهذا المعنى، يمكن لهذا الرسم أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي وطبيعة السلعة ضمن هذا الوقع، بدل احتسابه حصرًا على أساس الأثر البيئي. وتجدر الإشارة إلى أنّ الحكومة تملك دائمًا صلاحيّة القيام بهذا التعديل.
أخيرًا، يبقى الخوف من استغلال التجّار لهذا الرسم، عبر اللجوء لنقل الكلفة كاملةً إلى المستهلك، أو حتّى تحميل المستهلك كلفة مضاعفة بحجّة الرسم المفروض. مع الإشارة إلى أنّ نقابة مستوردي المواد الغذائيّة كانت قد مهّدت لهذا الأمر، عبر حديثها عن ارتفاع “مباشر وفوري” مرتقب في الأسعار، كنتيجة لفرض هذا الرسم.



