أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

عندما واشنطن «تستوعب» طهران وسائر المشرق (الجمهورية 20 حزيران)

سيكون عبثياً التحليل: مَن انتصر ومَن هُزم في التفاهم الأميركي ـ الإيراني، لأنّ عمق اللعبة ليس ما يظهر على السطح. ما يريده ترامب من طهران واحدٌ لا غير: أن تنتقل من محور التحالفات مع الشرق، أي الصين وروسيا، وتبدأ الدوران تماماً في الفلك الأميركي. حينذاك، ستُحلّ كل المشكلات التي يتسبب بها المحور الإيراني من طهران نفسها إلى بيروت والجنوب، مروراً بصنعاء وبغداد.

عندما تقتنع طهران بالصفقة، وفي عبارة أخرى ترضخ للضغوط، وتوافق على الاتجاه صوب أميركا، سيكون الشرق الأوسط كله بحيرة أميركية صافية، تضمن للولايات المتحدة مصالحها الاستراتيجية، في العسكر والأمن، كما في السياسة والاقتصاد وخطوط الإمداد البرية والبحرية.

في حقيقة الأمر، لا تستهدف واشنطن نظام طهران كأولوية، ولا الصواريخ البالستية ولا الأذرع الإقليمية ولا حتى النووي. كلها ملفات قابلة للاستيعاب والتذويب إذا تحقق فعلاً انتقال إيران إلى الحضن الأميركي، على غرار باكستان وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، وصولاً الى العراق وسوريا الجديدة ومصر والأردن وطبعاً إسرائيل. ولبنان تحصيل حاصل.

إذا تحقق ذلك، ووافقت إيران، فستُكافأ بأن تبقى لها حصة معينة من النفوذ الإقليمي، بشكل معتدل ومتوازن ولا يشكّل نشازاً، على غرار ما تتمتع به تركيا والسعودية من حصص ـ ولكن أقل بكثير من إسرائيل ـ في سياق التفاهمات الكبرى بين القوى الإقليمية، وتحت مظلة واشنطن. حتى «حزب الله» في لبنان، سيتمّ حينذاك تدبير المخارج له ضمن صيغ معينة. وسبق أن طرح توم برّاك والمصريون بعضها، وتقضي بالاستيعاب التدريجي لـ«الحزب»، بدلاً من نزع سلاحه بالقوة وهدم هيكلياته السياسية. وطبعاً، هذا يقتضي ضمان أمن إسرائيل، وفق مفهومها الذي توافق عليه واشنطن، فلا يعود «الحزب» مالكاً للسلاح ولا لقرار استخدامه، ويكونان في يد الدولة وحدها.

عندما يحقق الأميركيون هذا الهدف، سيصبح العراق أيضاً في وضعية مستقرة داخل الحضن الأميركي، وستنتهي أزمات اليمن بتسويات دائمة. وأما سوريا الشرع فقد فتحت الأبواب باكراً وبالكامل للأميركيين. وستكون الجائزة التي تمنحها واشنطن لإسرائيل هي جعلها قِبلة الاستثمارات والخطوط والأنابيب ومركز الثقل العسكري الأساسي في الشرق الأوسط. وبالتأكيد، سيدعم ترامب مشاريع التسويات أو الحلول التي يفكر الإسرائيليون في تسويقها في ملف غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، وهو ما يحصل الآن في أي حال.

في هذا المعنى، يصعب الحديث عن خاسر ورابح في التفاهم الأوّلي الذي حصل بين واشنطن وطهران. ويمكن القول إنّ ترامب يستخدم مع إيران أسلوب صياد السمك بالصنارة: عندما تأكل السمكة الطُعم، لا يشدّ الخيط دفعة واحدة وبقوة لئلا ينقطع. يعتمد أسلوب «الشدّ والرخي»، ولوقت طويل، إذا كانت السمكة كبيرة وقوية. ولكن، بعد ذلك، تتعب السمكة وتجد نفسها في السلة. فإيران التقطت الطعم، والآن سينطلق المسار الطويل من الترغيب والضغط في آن معاً، حتى تصبح في الفلك الأميركي. وطبعاً، سيحاول الإيرانيون تحصيل أكبر مقدار من المكاسب ما دامت التسوية صارت أمراً حتمياً.

الذين يظنون اليوم أنّ إيران انتصرت في اتفاق التفاهم هم على جانب معيّن من الصواب، إذا نظروا إلى الملف من زاوية جزئية وآنية. لكن الصورة الواسعة في المدى البعيد تؤكّد خلاف ذلك. وهذا ما ينطبق أيضاً على «حزب الله» في لبنان، حيث تمضي إسرائيل في عملياتها بلا هوادة، بل تزيدها حدّة وتوسعاً، غير مكترثة للاتفاق الإقليمي. وفي الواقع، تعتبر إسرائيل أنّ لبنان هو شأنها الخاص ويعنيها مباشرة، كما سوريا وغزة والضفة الغربية، لأنّه تماسها الأمني المباشر.

ولذلك، قد توافق إسرائيل على أن تتولّى الولايات المتحدة ملف إيران على طريقتها، لأنّها تثق في أنّ حدود التنازلات التي ربما يقدّمها الأميركيون ستبقى محدودة ولن تمسّ بمصالح إسرائيل. أما ساحات لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية فهي تعني إسرائيل مباشرة، وترفض أن تجيّرها لأحد، حتى لواشنطن. ولذلك، هناك تطورات دراماتيكية قد يشهدها الميدان اللبناني في الفترة المقبلة، في موازاة جولات التفاوض المنتظرة بين واشنطن وطهران، وجولات المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة. وقد لاحت طلائع هذه التطورات في الأيام والساعات الأخيرة.

 

بواسطة
طوني عيسى
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى