أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

فوج عسكري خاص وبرنامج زمني محدّد (الجمهورية 18 حزيران)

لم ينقشع الغبار بعد عن ورقة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، في انتظار نشرهاً رسمياً، بعد أن يوقّعها الجانبان الأميركي والإيراني غداً الجمعة في سويسرا. ووسط تمسك واشنطن وطهران بعدم تسريب بنود هذه الورقة، والتي يغلب عليها الغموض، كانت الأصوات الإسرائيلية تتّحد على اعتبار أنّ إسرائيل تعرّضت لما يشبه الخيانة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فهي اعتبرت أنّها حاربت إلى جانب الجيش الأميركي، ولكن الإدارة الأميركية نفّذت صفقة على قياس مصالحها وعلى حساب المصالح الإسرائيلية. وهي ليست المرّة الأولى التي تشهد فيها العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية افتراقاً في المصالح، فثمة محطات تاريخية عدة شهدت افتراقاً مشابهاً في المصالح.

يروي التاريخ، أنّه عند معظم المحطات الحربية التي خاضتها إسرائيل كانت تظهر خلافات جوهرية بين واشنطن وتل أبيب حول النتائج السياسية المطلوبة. وحتى خلال الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 حصل خلاف مماثل، دفعت ثمنه غالياً الدولة اللبنانية. والدروس المستقاة من هذه الخلافات، أنّ الرؤيا والمصالح السياسية تختلف أولوياتها في وضوح بين واشنطن وتل أبيب. ولكن علينا أن لا نخطئ التقدير بأنّ الترابط الأميركي ـ الإسرائيلي أقوى وأعمق من هذه الخلافات.
ويحلو للبعض أن يستذكر النتائج التي آلت إليها حرب العام 1973، ويشبّهها بالنتائج التي تمخّضت اليوم عن نهاية الحرب مع إيران. يومها حققت مصر نتائج عسكرية مبهرة، عندما نجح جيشها باجتياز قناة السويس وتحطيم خط بارليف المنيع والتوغل في سيناء. لكن النصر لم يكتمل، بسبب تمكّن قوة إسرائيلية بقيادة أرييل شارون من اختراق الخطوط المصرية، عبر استغلال ثغرة كانت تفصل بين الجيشين الثاني والثالث المصريين، وعمدت إلى العبور إلى الضفة الغربية من القناة عند منطقة الدفرسوار، حيث عمدت إلى تنفيذ حصار على الجيش الثالث. واعتقدت إسرائيل أنّها نجحت في قلب المعطيات الميدانية عبر إحكام قبضتها وحصارها على القوات المصرية، وأنّها باتت تراهن على الوقت لإعلان انتصارها. يومها تدخّلت واشنطن عبر «الثعلب» هنري كيسنجر، ولعبت دور الوسيط لإنجاز تسوية كاملة، تجعل إسرائيل تفك حصارها عن الجيش الثالث المصري. بالطبع لم تكن إسرائيل مسرورة بهذه النتيجة، كونها كانت تطمح لإعلان النصر، لكنها لم تكن تملك خياراً سوى الإذعان وقبول نتائج وساطة كيسنجر. ذلك أنّه عند اندلاع هذه الحرب وتقهقر الجيش الإسرائيلي في الميدان، سارعت واشنطن إلى نجدتها عبر إنشاء جسر جوي لتزويدها الأسلحة والذخائر. لذلك كانت إسرائيل في موقع لا يسمح لها بمعاندة كيسنجر الديبلوماسي الذي اشتهر بالواقعية وبأنّه خالٍ من العواطف. يومها تمسّك كيسنجر بعدم ترك إسرائيل تستمر في حصارها للقضاء على الجيش الثالث. فكيسنجر كان يعرف أنّ نتيجة كهذه ستعني توجيه إهانة تاريخية للرأي العام العربي بكامله، ولجيل كامل من الناس. وبالتالي فهو آثر على تسليف الرئيس المصري أنور السادات موقفاً ثميناً، قد يفتح الطريق لاحقاً أمام انتزاع مصر من الفلك السوفياتي واجتذابها إلى الفلك الأميركي. وتحقّق رهان كيسنجر، ما أدّى لاحقاً الى فتح أبواب العالم العربي أمام الديبلوماسية الأميركية. واكتشفت إسرائيل يومها أنّ لعلاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة تسلسلاً هرمياً متدرّجاً، يصبح أكثر وضوحاً عند خط النهاية.
واليوم يتكرّر المشهد، ولو من خلال بعض عناوينه العريضة. فإسرائيل التي كانت تعمل لإسقاط النظام الديني في إيران، تمهيداً لدفعها إلى الفوضى والتفتيت، اصطدمت بإرادة واشنطن، والتي كانت تعمل لترويض النظام الإيراني وإخضاعه لا تدميره. وفيما رأت إسرائيل أنّ اغتيال المرشد ومعه قادة الصف الأول سيفتح الباب في اتجاه تحقيق مشروعها، كانت واشنطن ترى في ذلك استبدالاً للجيل العقائدي الحاكم بآخر أكثر براغماتية وواقعية، وهو ماردّده ترامب مرّات عدة. فإيران التي تلقّت ضربات عسكرية وتدميرية هائلة تجاوزت الـ300 مليار دولار، وكان اقتصادها يرزح تحت حصار بحري محكم، وآبارها النفطية مهدّدة بالإغلاق، وجدت في التسوية السياسية مكسباً كبيراً لها، خصوصاً أنّه لا يتناسق مع المعطيات الميدانية، وهي النقطة التي أثارت نتنياهو. وفي العام 1973، وإثر الإتفاق الذي حصل مع مصر، انتقلت واشنطن من إدارة النزاع العربي ـ الإسرائيلي إلى احتواء تداعياته. واليوم تحاول واشنطن الإنتقال من سياسة الضغط والمواجهة إلى صيغة تضبط السلوك الإيراني. أي أنّها رجحت كفة الواقعية السياسية على الإنهاك وربما السقوط العسكري.
لكن ثمة مفارقات أساسية بين النموذج المصري يومها والنموذج الإيراني في يومنا الحالي. فمصر كانت دولة مركزية واحدة، تحظى بمساندة الدول العربية. أما إيران فهي دولة ذات نظام ديني، وتدير شبكة نفوذ إقليمية تمتد من اليمن وصولاً إلى لبنان ومروراً بالعراق، وهو ما يجعل تنفيذ أي توجه سياسي جديد أكثر تعقيداً. ثم إنّ التسوية الحالية تبدو أقرب إلى إدارة نزاع منه إلى سلام شامل أو بشائر تحالف جديد، أقله حتى الآن.
لكن الأهمية التي تقف عند بنود إطار الإتفاق المطروح تبقى في قراءة الفلسفة السياسية الموجودة في خلفية الورقة، خصوصاً أنّ هناك كثيراً من التفاصيل، والتي لن تظهر إلى العلن وستحظى بأهمية تتجاوز البنود نفسها.
لكن وفي قراءة سريعة، وبعيداً من إنفعالات الترحيب أو الشجب، إلّا أنّ النقطة المحورية التي لطالما تغنّى بها ترامب بأنّ ملف السلاح النووي لم يعد موجوداً. وإذا أضفنا إلى ذلك ما قيل عن التزام طهران بعدم تمويل الأنشطة العسكرية للمجموعات المحسوبة عليها في المنطقة، تصبح الصورة أكثر اتضاحاً. خصوصاً أنّه تمّ الترويج عن وجود بند يلزم واشنطن وحلفاءها (وضمناً إسرائيل) من استهداف إيران، في مقابل التزام طهران وحلفائها (وضمناً حزب الله) من استهداف المصالح الأميركية ومصالح حلفائها (وضمناً إسرائيل)، فهذا يعطي استنتاجاً سريعاً بأنّ الإستراتيجية التي قامت عليها إيران منذ وصول الثورة الإسلامية إلى السلطة في طريقها إلى التبدّل. فلقد حُكي كثيراً طوال العقود الأربعة الماضية، عن سعي طهران إلى بناء قوة عسكرية كبرى، تسمح لها ببسط نفوذها على كل المنطقة التي تشكّل خزان نفط العالم. وهذا النفوذ ستكلّله قدرة نووية تجعلها في مصاف الدول الكبرى عالمياً، ومحصّنة بمجموعات متحالفة معها تشدّها عصبية العقيدة الدينية، ويفتح طريقها إلى قلب عواصم المنطقة وإمساكها بقضية القدس. ولذلك، في حال صحّت التسريبات حول النووي والإلتزام بعدم استهداف المصالح المتبادلة، فهذا يعني جعل البوصلة تميل في اتجاه مسار جديد، ومن خلال طبقة جديدة من الحكام في طهران، كان ترامب قد وصف رجالها أكثر من مرّة بالأذكياء والواقعيين.
من هذه الزاوية يمكن تفسير انطلاق مسار إقليمي موازٍ للمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية السبت المقبل، أي غداة توقيع الإتفاق الأميركي ـ الإيراني في سويسرا غداً الجمعة. وهذا المسار يضمّ السعودية ومصر وقطر وباكستان إلى جانب إيران، والذي سيتناول إعادة تنظيم الحضور الإيراني على مستوى المنطقة، ولبنان في طليعة هذه الساحات. فهو بات مركز النفوذ الأساسي لإيران في المنطقة، على رغم الضربات التي تلقّاها بعد تراجع أدوار اليمن والعراق وغزة. لكن هذا المسار لا يزال يفتقر إلى المشروع المدروس والركائز السياسية المطلوبة، ربما في انتظار اتضاح التفاصيل على المحور التفاوضي الأميركي ـ الإيراني. وفي الوقت نفسه ستُستكمل المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن على المسارين الديبلوماسي والعسكري. لكن هذه المفاوضات ستستمر على وقع استمرار الخرق الواسع لإطلاق النار في الجنوب، والذي ترجح الأوساط الديبلوماسية استمراره حتى موعد الإنتخابات الإسرائيلية في أقل تقدير.
لكن هذه المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن ستكون مختلفة هذه المّرة. ويمكن استنتاج ذلك من خلال إشارتين أساسيتين: الأولى وجاءت عبر العراق أو الساحة الرديفة للبنان، من منظار مناطق النفوذ الإيرانية في المنطقة. ففي بغداد طلب الموفد الرئاسي الأميركي توم برّاك من رئيس الحكومة علي الزيدي وضع جدول زمني واضح لحصر السلاح بيد الدولة العراقية، وتفكيك كل الجماعات المسلحة العاملة خارج سلطتها. وفي المقابل، اشترطت القوى المعارضة والمحسوبة مباشرة على إيران، أنّ تسليم السلاح يجب أن يسبقه خروج القوات الأميركية من كل العراق بما في ذلك إقليم كردستان. وهو ما يعني أنّ الفريق الأميركي سيطلب بشكل حازم من الفريق اللبناني المفاوض وضع برنامج زمني واضح ومحدّد لنزع سلاح «حزب الله»، على أن يلتزم فريق المفاوضات العسكري بتنفيذه ووضع الخطة المطلوبة لذلك. ولكن «حزب الله» سيطلب أولاً إنسحاب إسرائيل الكامل، مع تأكيده أنّ ملف سلاحه هو شأن لبناني ويُبحث داخلياً، وهو ما كرّره في الأمس الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. وقد تكون إسرائيل تراهن على الخلاف للإندفاع أكثر في مشروعها الحربي.
والإشارة الثانية جاءت من واشنطن نفسها. فلقد سُجّل خفض حاد في الدعم المالي للجيش اللبناني، وذلك لدى إعداد مشروع الموازنة الأميركية للسنة المقبلة. فبعدما كانت هذه المساعدة السنوية تقارب 200 مليون دولار وتتجاوزها أحياناً في حال فرضت الظروف ذلك، فإنّ الملحوظ الآن مبلغ 36 مليون دولار فقط. وجاءت الإشارة الأوضح أن يجري إمرار هذه المساعدة المالية العسكرية عبر صندوق مكافحة الإرهاب، ولم يسبق للبنان أن كان تلقّى هذا النوع من المساعدات سابقاً. ومعنى الإشارة السياسية هنا، أنّ الدعم العسكري المستقبلي للجيش قد يصبح مرتبطاً بقدرة الجيش على إحراز تقدّم في فرض سلطة الدولة والتعامل مع التركيبة العسكرية لـ«حزب الله». والمساعدة المقترحة 36 مليون دولار عبر صندوق «تدريب وتجهيز قوات مكافحة داعش»، يعتمد آلية خاصة تُستخدم عادة لتدريب وتجهيز «قوات شريكة» في مهام مكافحة الإرهاب، كما يلحظ نظام هذا الصندوق. وبالنسبة إلى لبنان، فإنّ التغيير لا ينحصر فقط بخفض حجم المساعدة المقترحة، بل في الطريقة التي تنظر من خلالها واشنطن إلى الملف الأمني اللبناني. وهو ما يذكّرنا بما كان أعلنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في وقت سابق، حين دعا إلى تدريب وتجهيز وحدات نخبة من الجيش اللبناني، يجري انتقاء أفرادها بعناية، بهدف العمل على تفكيك البنية العسكرية لـ«حزب الله». وهو ما سيكون على طاولة المفاوضات في جولتها الخامسة في واشنطن.
قد لا يكون حتمياً إنعكاس التفاهم الأميركي ـ الإيراني إيجاباً على لبنان. لا بل على العكس، قد يشكّل لبنان ساحة اختبار إلزامي لتبيان مدى صلابة المسار التفاهمي الجديد، وتأكيد الوجهة الجديدة للشرق الأوسط الذي تدفع واشنطن في اتجاهه.

 

بواسطة
جوني منيّر
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى