وسيلة ضغط لفرض قواعد أمنيّة جديدة على لبنان؟! (اللواء 10 حزيران)

في كل مرة يسقط فيها شهداء من الجيش اللبناني بنيران إسرائيلية، يتجاوز الحدث إطاره العسكري المباشر ليطرح أسئلة سياسية تتصل بطبيعة المرحلة التي يحاول العدو الإسرائيلي رسم ملامحها على الحدود الجنوبية. فاستهداف المؤسسة العسكرية اللبنانية بصورة متكررة، وآخرها العملية التي أدّت إلى استشهاد عميد وضابط وجندي، لا يبدو منفصلاً عن سياق أوسع يتداخل فيه الأمني بالسياسي، والميداني بالتفاوضي، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تشهد حراكاً دبلوماسياً متواصلاً بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية ومن خلال قنوات تفاوضية تستضيفها واشنطن.
انطلاقا من هنا، لم يعد النقاش محصوراً في أسباب كل استهداف على حدة، بل بات يتمحور حول الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي الكامن خلف تكرار هذه الاعتداءات، وما إذا كانت تل أبيب تسعى إلى فرض واقع جديد على لبنان يجعل من التنسيق الأمني أمراً واقعاً تفرضه الوقائع الميدانية قبل أن تكرّسه التفاهمات السياسية.
فالجيش اللبناني ليس مجرد قوة عسكرية تنتشر في الجنوب، بل هو التعبير الرسمي عن سيادة الدولة وحضورها في منطقة تعدّ الأكثر حساسية على مستوى الصراع مع إسرائيل. ولذلك فإن استهدافه يحمل في طياته رسالة تتجاوز حدود العمل العسكري لتصيب جوهر الدور الذي تؤدّيه الدولة اللبنانية في الجنوب، وكأن إسرائيل تريد القول إن أي ترتيبات أمنية مستقبلية لن تكون ممكنة إلا وفق الشروط التي تضعها هي، وإن المؤسسة العسكرية اللبنانية مطالبة بالانخراط في منظومة أمنية جديدة ترسمها تل أبيب بما ينسجم مع مصالحها وحساباتها.
وتأتي أهمية استهداف الجيش اللبناني كونها تزامنت مع المفاوضات التي كانت جارية في واشنطن. فبدلاً من أن تشكّل المفاوضات مدخلاً لخفض التوتر وبناء مناخ من الثقة، تبدو الساحة الجنوبية وكأنها تتحوّل إلى وسيلة ضغط موازية لطاولة التفاوض. فإسرائيل تدرك أن التفاوض لا يقتصر على ما يقال في القاعات المغلقة، بل يشمل أيضاً ما يفرض على الأرض من وقائع ومعادلات. ومن هذا المنطلق، قد يكون استهداف الجيش جزءاً من محاولة تحسين الشروط التفاوضية وإيصال رسالة مفادها أن الأمن الحدودي يجب أن يخضع لرؤية إسرائيلية صارمة، وأن أي تفاهمات مقبلة ينبغي أن تتضمن آليات أكثر تشدّداً في ما يتعلق بالمراقبة والضبط والتنسيق، فإسرائيل من جهة تطالب بأن يكون الجيش اللبناني أكثر حضوراً وفعالية في الجنوب، ومن جهة أخرى تستهدف عناصره وآلياته وتضعف قدرته على أداء مهامه. هذا التناقض الظاهري يخفي هدفاً أكثر تعقيداً، يتمثل في محاولة دفع المؤسسة العسكرية إلى تبنّي قواعد عمل تتوافق مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية، بحيث يصبح الأمن الحدودي جزءاً من منظومة ترتيبات تتيح لإسرائيل الاطمئنان إلى مصالحها الاستراتيجية، ولو بصورة غير مباشرة.
غير أن هذه المقاربة تصطدم بجملة من الحقائق اللبنانية. فالجيش اللبناني يرتكز في شرعيته الوطنية على كونه مؤسسة سيادية مستقلة، وأي محاولة لربط دوره بمقتضيات أمنية تفرضها إسرائيل ستواجه رفضاً سياسياً وشعبياً واسعاً. كما أن الذاكرة اللبنانية المثقلة بالصراع والحروب تجعل من فكرة التنسيق الأمني المباشر مع إسرائيل مسألة شديدة الحساسية، بغض النظر عن طبيعة العناوين التي قد تطرح تحتها.
في موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل البُعد السياسي الكامن خلف استهداف الضباط والعسكريين اللبنانيين. فإسرائيل تدرك أن الجيش يمثل إحدى الركائز القليلة المتبقية لوحدة الدولة اللبنانية، وأن ضرب هذه المؤسسة يترك آثاراً تتجاوز الخسائر البشرية إلى محاولة إضعاف صورة الدولة نفسها وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية قواتها أو فرض قواعد اشتباك تحمي عناصرها.
لكن التجارب التاريخية أثبتت أن الضغط العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق المكاسب السياسية المرجوة، فكلما ارتفع منسوب الاستهداف، تراجعت فرص بناء الثقة المطلوبة لإنجاح أي مسار تفاوضي. كما أن فرض التنسيق الأمني بالقوة يبقى أمراً بالغ الصعوبة في بيئة سياسية معقّدة كلبنان، حيث ترتبط قضايا السيادة والأمن الوطني بحساسيات داخلية عميقة تتجاوز الحسابات التقنية والعسكرية.
لذلك، فإن ما يجري اليوم على الحدود الجنوبية لا يمكن قراءته فقط من زاوية العمليات العسكرية المتفرقة، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءاً من صراع أوسع حول شكل المرحلة المقبلة. فإسرائيل تبدو ساعية إلى انتزاع مكاسب سياسية وأمنية من خلال الجمع بين الضغط الميداني والتفاوض الدبلوماسي، فيما يحاول لبنان التمسّك بمعادلة تقوم على حماية سيادته ومنع تحويل المفاوضات إلى بوابة لفرض وقائع جديدة عليه.
وبين طاولة المفاوضات في واشنطن والدخان المتصاعد من الجنوب، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تشكّل دماء العسكريين اللبنانيين وسيلة ضغط لفرض قواعد أمنية جديدة على لبنان، أم أنها ستؤدي إلى نتيجة معاكسة تعزز التمسّك بالثوابت الوطنية وترفع منسوب الحذر تجاه أي ترتيبات مستقبلية؟ المؤكد أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد جانباً أساسياً من ملامح العلاقة بين الحرب والتفاوض في المرحلة المقبلة، كما ستكشف ما إذا كانت إسرائيل تسعى فعلاً إلى صناعة أمنها عبر التفاهمات، أم عبر فرضها بقوة النار.



