أخبار لبنانابرز الاخبار

التعليم المرن… تحوّل عالمي وضرورة لبنانية

يشكّل التعليم غير النظامي واللانظامي والمنزلي أحد أهم التحولات الحديثة في الفكر التربوي، لأن التعلم لم يعد محصورًا بالمدرسة أو الجامعة فقط، بل أصبح عملية مستمرة ترافق الإنسان طوال حياته. وقد دفعت التحولات الرقمية، وسوق العمل المتغيّر، والتطور السريع للمعرفة، كثيرًا من الدول إلى الاعتراف بأهمية هذا النوع من التعليم، ووضع تشريعات تنظّمه، وتمنحه قيمة أكاديمية ومهنية.

أنواع التعليم

التعليم النظامي (Formal education)
هو التعليم التقليدي الذي يجري داخل المدارس والجامعات، وفق مناهج رسمية وشهادات معترف بها.

التعليم غير النظامي (Non-formal Education)
هو تعليم منظّم، لكنه يجري خارج المؤسسات التعليمية التقليدية، مثل: الدورات المهنية، التدريب التقني، مراكز اللغات، برامج محو الأمية، التدريب المستمر للموظفين… ويكون – في أغلب الأحيان – مرنًا وموجّهًا إلى حاجات محدّدة.

التعليم اللانظامي أو غير الرسمي (Informal Learning)
هو التعلم الذي يكتسبه الإنسان من الحياة اليومية من دون برامج رسمية، مثل: التعلم الذاتي عبر الإنترنت، الخبرة المهنية، القراءة الحرة، التعلم من الأسرة والمجتمع، التعلم عبر وسائل التواصل والمنصات الرقمية…

التعليم المنزلي ( Home Scholing)
قيام الأسرة أو أولياء الأمور بتعليم الأبناء خارج المدرسة التقليدية، سواء داخل المنزل أو عبر منصات رقمية أو مجموعات تعليمية خاصة. وقد يكون ملتزمًا بمنهج رسمي للدولة، أو مرناً يعتمد على اهتمامات الطفل وقدراته.

أهمية التعليم غير النظامي واللانظامي والمنزلي
تحقيق مبدأ التعلم مدى الحياة: أصبح الفرد بحاجة دائمة لتحديث مهاراته بسبب تغير التكنولوجيا والمهن بسرعة كبيرة. لذلك لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية.
سدّ الفجوة بين التعليم وسوق العمل: في أغلب الأحيان، تكون الجامعات ومدارس التعليم الأكاديمي والمهني والتقني بطيئة في تحديث برامجها، بينما يوفر التعليم غير النظامي: مهارات رقمية حديثة، تدريبًا عمليًا سريعًا، تخصّصات مطلوبة مباشرة في السوق مثل: الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، التسويق الرقمي، البرمجة…

تعزيز العدالة التعليمية: يسمح هذا النوع من التعليم للأشخاص الذين: تركوا المدرسة أو يعيشون في مناطق فقيرة أو يعملون بدوام كامل أو لا يستطيعون تحمّل كلفة التعليم بالحصول على فرص تعليمية مرنة وأقل كلفة.

دعم التنمية الاقتصادية: الدول الحديثة باتت تعتبر المهارات العملية رأس مال اقتصاديً، لذلك تستثمر في: التدريب المهني، التعليم التقني، إعادة تأهيل العاملين…
تعزيز الإبداع والاستقلالية: التعلم الذاتي يجعل الفرد أكثر قدرة على البحث وأكثر استقلالية وأسرع في اكتساب المهارات الجديدة.

أمثلة على تشريعات ودول اعتمدت هذا النوع من التعليم

اعتمد الاتحاد الأوروبي مفهوم “التعلم مدى الحياة” (Lifelong Learning)، وأصدر عدّة سياسات للاعتراف بالتعليم غير النظامي واللانظامي. من أبرز المبادرات: الإطار الأوروبي للمؤهلات (EQF)، نظام الاعتراف بالخبرات السابقة، اعتماد الشهادات المهنية القصيرة (Micro-credentials). وتهدف هذه السياسات إلى الاعتراف بالمهارات المكتسبة خارج المؤسسات التعليمية، تسهيل التنقّل المهني بين الدول الأوروبية، وتشجيع التدريب المستمر. وتُعدّ فرنسا من أبرز الدول التي شرّعت الاعتراف بالتعلم غير النظامي، مثل قانونValidation des Acquis de l’Expérience (VAE)، الذي يسمح للفرد بالحصول على شهادة جامعية أو مهنية اعتمادًا على خبرته العملية، مهاراته المكتسبة خارج الجامعة، حتى لو لم يدرس رسميًا التخصص. وهذا تطور مهم جدًا في فلسفة التعليم الحديثة.

وتعتمد فنلندا نموذجًا مرنًا جدًا للتعلم فمن سياساتها: الاعتراف بالتعلم الذاتي، دمج التعليم المجتمعي، تشجيع المنصات الرقمية، دعم تعليم الكبار… وتعتبر أن التعلم يحدث في: العمل، المنزل، المجتمع والحياة اليومية وليس فقط في الصفوف الدراسية.

أما في كندا فتوجد برامج واسعة للتعليم المستمر والتدريب المهني المرن والتعلم الإلكتروني كما تعتمد بعض المقاطعات أنظمة: Recognition of Prior Learning (RPL) أي الاعتراف بالتعلم والخبرة السابقة.

أما أوستراليا فقد اعتمدت Australian Qualifications Framework (AQF) الذي يسمح بربط الخبرة المهنية والتدريب غير النظامي بالتعليم الرسمي ضمن إطار وطني موحّد للمؤهلات.

أما كوريا الجنوبية وسنغافورة قفد ربطتا التنمية الاقتصادية بالتعلم المستمر، مثل برنامجSkillsFuture في سنغافورة، الذي يمنح المواطنين دعمًا ماليًا للتدريب المهني المستمر وللتحديث الدائم للمهارات بغض النظر عن العمر أو الشهادة الجامعية.

التحديات التي تواجه هذا النوع من التعليم

رغم أهميته، لا تزال هناك تحديات مثل: ضعف الاعتراف الرسمي أحيانًا، وتفاوت جودة الدورات التدريبية، وصعوبة تقييم التعلم الذاتي، ومقاومة بعض المؤسسات التقليدية، والفجوة الرقمية في الدول الفقيرة.

العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتعليم غير النظامي

أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة كبيرة في هذا المجال من خلال: منصات التعلم الذكي، التعليم الشخصي المخصص، المعلم الافتراضي، التقييم التلقائي, التعلم حسب سرعة الطالب… ولهذا تتوقع دراسات حديثة أن يصبح جزء كبير من التعلم المستقبل مرنًا، رقميًا، قائمًا على المهارات، خارج الأطر الجامعية التقليدية…

ضرورة أن يسرع لبنان باعتماد أساليب التعليم الموازية للتعليم النظامي

في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها لبنان تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في فلسفة التعليم التقليدي، والانفتاح على أنماط تعليمية أكثر مرونة، وعلى رأسها التعليم غير النظامي واللانظامي والتعليم المنزلي المنظَّم.

فالنظام التعليمي اللبناني يعاني من تحديات متعددة، منها: ارتفاع كلفة التعليم، التفاوت في فرص الوصول إلى التعليم الجيد، هجرة الكفاءات التعليمية، ضعف المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، الانقطاع التعليمي الناتج عن الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وفي هذا السياق، يمكن للتعليم غير النظامي واللانظامي أن يشكّل رافعة وطنية مهمة عبر دعم استمرارية التعليم الذي يوفّر بدائل مرنة للطلاب، الذين تعذّر عليهم متابعة تعليمهم النظامي بسبب الظروف الاقتصادية أو الجغرافية أو الاجتماعية؛ ربط التعليم بسوق العمل عن طريق تزويد الشباب اللبناني بمهارات حديثة يحتاجها الاقتصاد الرقمي والعالمي، مثل: الذكاء الاصطناعي، البرمجة، الأمن السيبراني، التسويق الرقمي، ريادة الأعمال… والحد من البطالة وهجرة الشباب عن طريق برامج التدريب المهني والتعليم المرن التي من شأنها أن تعزز فرص العمل المحلية والعالمية، بما في ذلك العمل عن بُعد، مما قد يخفف من موجات الهجرة القسرية للكفاءات؛ تعزيز التعلم مدى الحياة مما يسمح بإعادة تأهيل العاملين وتطوير مهاراتهم بصورة مستمرة، خصوصًا في ظل التحولات الاقتصادية والمهنية السريعة؛ الاستفادة من التعليم المنزلي المنظّم الذي من الممكن أن يوفّر حلًا لبعض الأسر في ظروف استثنائية، شرط وجود ضوابط ومعايير واضحة تضمن جودة التعليم والتنشئة الاجتماعية.

الإطار الوطني للمؤهلات

ومن العناصر الأساسية التي ينبغي أن يعمل عليها لبنان بجدية إنشاء إطار وطني للمؤهلات (National Qualifications Framework – NQF) بوصفه أداة استراتيجية حديثة لتنظيم العلاقة بين التعليم النظامي وغير النظامي واللانظامي، وربطها بحاجات سوق العمل. ويقوم على تصنيف المعارف والمهارات والكفايات ضمن مستويات واضحة ومعترف بها وطنيًا ودوليا، ليصبح بالإمكان تقييم ما يكتسبه الفرد من تعلم، سواء داخل المدرسة أم الجامعة أم من بالتدريب المهني أو الخبرة العملية أو التعلّم الذاتي.

وتبرز أهمية هذا الإطار بالنسبة إلى لبنان في عدة جوانب أهمها: الاعتراف بالتعلّم خارج التعليم التقليدي، ربط التعليم بسوق العمل، تسهيل الانتقال بين أنماط التعليم المختلفة، تعزيز الاعتراف الدولي بالمؤهلات اللبنانية، إذا ما كان الإطار الوطني متوافقاً مع الأطر الإقليمية والدولية، مما يساهم في تسهيل الاعتراف بالشهادات والكفايات اللبنانية خارج البلاد؛ وهو أمر بالغ الأهمية في ظل انتشار العمل عن بعد، وارتفاع معدلات الهجرة اللبنانية. كذلك يشجع الأفراد على التعلّم مدى الحياة، وتطوير مهاراتهم بصورة مستمرة عبر مسارات تعليمية مرنة ومتراكمة، بدلاً من الاقتصار على التعليم التقليدي مرة واحدة في بداية الحياة المهنية.

لا شك في أن هذه الخطوة ليست سهلة، وتحديداً في خضم الأزمات الكثيرة التي يمر بها لبنان، ولأنها تفترض مشاركة مختلف المعنيين بوضع إطار للمؤهلات يتمتع بالوضوح والمرونة والمصداقية، ويشارك في صياغته: وزارة التربية والتعليم العالي، الجامعات، مؤسسات التعليم والتدريب المهني، النقابات المهنية، أصحاب العمل وممثلو القطاعات الاقتصادية، الهيئات الدولية المتخصصة، …

خلاصة
أصبح التعليم غير النظامي واللانظامي والمنزلي عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمعات الحديثة، لأنه يحقق مرونة أكبر، ويربط التعليم بالحياة والعمل والتكنولوجيا. وقد أدركت دول عديدة أن المعرفة لم تعد تُكتسب فقط داخل المدرسة، بل بالخبرة والعمل والتعلم الذاتي؛ لذلك بدأت بوضع تشريعات تعترف بهذه الأنماط التعليمية، وتمنحها قيمة أكاديمية ومهنية حقيقية. ومع تطور الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي، يبدو أن مستقبل التعليم سيتجه أكثر نحو النماذج المرنة والمفتوحة والتعلم مدى الحياة.

اَن الأوان لأن تأخذ الدولة اللبنانية، ولا سيما وزارة التربية والتعليم العالي، هذه المسائل على محمل الجد، وأن تلتحق بركب العصر، على الرغم من كل العقبات والمشكلات التي تتعرض لها؛ فمسألة بناء الإنسان مسألة لا تؤجل.

 

بواسطة
د. عامر حلواني
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى