حجوزات الأضحى محدودة: الحرب قائمة( الأخبار 21 أيار)

قبل أيام قليلة من عيد الأضحى، يدخل القطاع السياحي اللبناني موسم الصيف، من بوابة القلق، مع حجوزات خجولة وحركة أقل من التوقّعات.
غير أنّ الحديث عن «انهيار غير مسبوق» يتجاهل أنّ السياحة اللبنانية لم تخرج أصلاً من اقتصاد الحرب والنزوح خلال السنتين الماضيتين، كما أنّ من أسباب التراجع ما يتعلّق بالأوضاع في المنطقة كلّها وليس في لبنان فحسب، إذ إن ارتفاع الأسعار المُسجّل بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية دفع الكثير من المغتربين إلى خيارات مختلفة من بينها تخصيص أهاليهم بدفعات مالية مقابل الامتناع عن السفر إلى لبنان، أو البحث عن وجهات أخرى غير لبنان لعطلة عيد الأضحى تكون أقل كلفة وأكثر استقراراً.
في المحصّلة ما يظهر من هذا المشهد أن وقف إطلاق النار لم يتحقّق وأن الحرب ما زالت قائمة.
في مقابل «النقّ» المُسجّل بوتيرة متصاعدة لدى العاملين في السياحة، يظهر أن الأسابيع الأولى من الحرب كانت مصدر رزق لإشغال الفنادق التي امتلأت بالنازحين، تحديداً في الحمرا والرملة البيضاء وجونية وغيرها حيث وصلت نسب الإشغال إلى مستويات الطاقة القصوى.
عملياً، فإنّ عدداً كبيراً من هذه المؤسسات كان سيبقى شبه فارغ خارج إطار النزوح، خصوصاً أنّ تلك الفترة لم تكن أساساً موسماً سياحياً، إلا أنّ استضافة النازحين سمحت لعدد واسع من المؤسسات بالاستمرار والعمل، ووفّرت مورداً مالياً خفّف جزئياً من حجم الخسائر الناتجة من تراجع السياحة وتعطّل مواسم الأعياد بسبب الحرب. لا يجب أن نغفل أن أكثر من 800 ألف من النازحين توزّعوا على الفنادق والشقق المفروشة والمنازل الجاهزة في العديد من المناطق.
صحيح أنّ هذه الإيرادات لا تتساوى مع ما يدرّه الموسم السياحي، ولا توازي حجم إنفاق السيّاح أو المغتربين خلال فترات الذروة، إلا أنّها في الوقت نفسه منعت جزءاً كبيراً من المؤسسات من الوصول إلى مرحلة الشلل الكامل أو الإقفال التام. لذلك، إنّ الحديث اليوم عن أنّ القطاع يواجه «أسوأ أزمة في تاريخه» يتجاهل أنّ جزءاً من الخسائر جرى امتصاصه خلال فترة النزوح، وأنّ عدداً من الفنادق والمطاعم بقي قادراً على التشغيل والاستمرار، ولو ضمن ظروف مختلفة تماماً عن النشاط السياحي المُعتاد.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الموسم الحالي يبقى ضعيفاً مقارنة بما كان يأمله أصحاب المؤسسات مع اقتراب الصيف. فبحسب رئيس اتحاد النقابات السياحية ورئيس نقابة أصحاب الفنادق في لبنان، بيار الأشقر، تُراوِح نسبة الإشغال في فنادق بيروت اليوم بين 5% و10% فقط، فيما تنخفض أكثر خارج العاصمة. ويشير الأشقر إلى أنّ عدد الوافدين إلى لبنان تراجع بشكل ملحوظ، فبعدما كان يدخل إلى البلاد يومياً ما بين 8 آلاف و9 آلاف شخص خلال الفترات النشطة، بات العدد اليوم يقارب 3 آلاف فقط، معتبراً أنّ كل شيء يبقى مرتبطاً بالتطورات الأمنية والسياسية خلال الأسابيع المقبلة.
إلا أنّ الأشقر، وفي اتصال مع «الأخبار»، يلفت في الوقت نفسه إلى أنّ نحو نصف المغتربين الذين اعتادوا المجيء إلى لبنان سيحضرون هذا الصيف، مقابل غياب النصف الآخر، وهو ما يعكس أنّ الحركة لم تتوقف بالكامل كما يُصوّر أحياناً، بل لا تزال هناك نسبة توافد «لا بأس بها» قياساً إلى الظروف الأمنية والسياسية المحيطة.
وفي السياق نفسه، يقول نقيب أصحاب المؤسسات السياحية جان بيروتي إنّ المؤسسات السياحية تعمل اليوم بما يقارب 50% فقط من طاقتها التشغيلية. ويلفت إلى أنّ الحركة لا تزال موجودة ولكن بوتيرة أضعف بكثير من المعتاد، مشيراً إلى أنّ الحجوزات الحالية تأتي بشكل أساسي من دول عربية مثل سوريا والعراق ومصر والأردن، إلا أنّ مدة الإقامة نفسها تغيّرت بشكل واضح. فبعدما كان الزائر يحجز لعشرة أيام أو أكثر، بات يختصر زيارته إلى بضعة أيام فقط، ما يخفّض عملياً حجم الإنفاق السياحي حتى في حال استمرار وصول الوافدين.
وتعليقاً على الحديث المتداول عن الأسعار «الخيالية» في بعض المنتجعات البحرية والمؤسسات السياحية، يؤكد بيروتي في حديثه إلى «الأخبار» أنّ الصورة المتداولة لا تعكس واقع السوق بالكامل، مشيراً إلى أنّ هامش الأسعار يبدأ من مستويات متدنّية ويرتفع تدريجياً بحسب نوع المؤسسة والخدمات التي تقدّمها، وبالتالي لا يمكن تعميم نماذج مُحدّدة على كامل القطاع.
إلا أنّ ذلك لا ينفي أنّ الأسعار المرتفعة باتت تشكّل عاملاً إضافياً يضغط على الحركة السياحية، إلى جانب الوضع الأمني. فخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت كلفة الفنادق والمطاعم والمنتجعات البحرية بشكل كبير، إلى حدّ باتت فيه بعض الأسعار تُوصف بالمُبالغ فيها. ولا يقتصر تأثير هذا الواقع على اللبنانيين المقيمين فقط، بل يطاول أيضاً المغتربين والزوّار العرب والأجانب، إذ بات جزء منهم يفضّل قضاء إجازاته في الخارج، في دول تُعتبر أقل كلفة وأكثر استقراراً، مثل تركيا، حيث يمكن للسائح أن يحصل على إقامة وخدمات بكلفة تقارب أحياناً ما يدفعه داخل لبنان أو تقلّ عنها.
وبالتالي، لا يبدو تراجع الحركة السياحية مرتبطاً بالحرب والتوترات الأمنية وحدها، بل أيضاً بكلفة السياحة نفسها، التي أصبحت بالنسبة إلى كثيرين عاملاً طارداً إضافياً، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية. أمّا وسط كل ذلك، فيبدو أنّ القطاع السياحي أمضى الأشهر الماضية وهو يتكيّف مع اقتصاد الحرب والنزوح، ما أتاح لعدد من مؤسساته الحفاظ على حدّ أدنى من الاستمرارية والإيرادات، بانتظار أي استقرار أمني أو سياسي قد يعيد تحريك الموسم الصيفي خلال الأسابيع المقبلة.
لذلك، يبدو الحديث عن «موت» الموسم السياحي مبكراً حتى الآن، خصوصاً أنّ الصيف لا يزال في بدايته، فيما تبقى التطورات الميدانية والسياسية قادرة على قلب المشهد بالكامل في أي لحظة.



