ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

الذهب بين التوترات الجيوسياسية وترقب الفيديرالي: هل يواصل المعدن النفيس صعوده؟

تشهد أسعار الذهب تحركات قوية خلال الفترة الحالية، وسط حالة من الترقب تسيطر على الأسواق العالمية بفعل التطورات السياسية والاقتصادية المتسارعة، خاصة ما يتعلق منها بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب انتظار المستثمرين لبيانات الاقتصاد الأميركي وتوجهات السياسة النقدية للفيديرالي.

ارتفعت أسعار الذهب خلال تداولات الجمعة مدعومة بعودة الطلب على الملاذات الآمنة، ليستقر المعدن النفيس قرب مستوى 4723 دولاراً للأونصة، محققاً مكاسب أسبوعية تجاوزت الـ 2%، في ظلّ تراجع المخاوف التضخّمية نسبياً، وهدوء حدة التوترات الجيوسياسية مقارنة بالفترات الماضية.

رغم استمرار التوترات في منطقة مضيق هرمز، فإن الأسواق أظهرت قدراً من التفاؤل، بعد تأكيد كلّ من الولايات المتحدة وإيران استمرار المحادثات حول اتفاق محتمل؛ وهو ما خفّف من مخاوف اضطرابات الطاقة العالمية، وساهم في دعم أسعار الذهب.

في المقابل، ما تزال التصريحات السياسية والتطورات العسكرية تلعب دوراً محورياً في توجيه الأسواق، حيث تؤثر بشكل مباشر في معنويات المستثمرين، وفي حركة الدولار وأسعار النفط والمعادن الثمينة.

أما حالياً فالذهب يستفيد حالياً من حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي، لكنه يظلّ حسّاساً تجاه أيّ تغير في توقعات أسعار الفائدة الأميركية، خاصة مع استمرار الفيديرالي في مراقبة التضخم وسوق العمل قبل اتخاذ أي قرارات جديدة.

إحدى أبرز العوامل الداعمة للذهب خلال الفترة الحالية تتمثل في استمرار البنوك المركزية بزيادة احتياطياتها من المعدن النفيس، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، الذي اشترى نحو 8.1 أطنان من الذهب خلال أبريل، في أكبر عملية شراء منذ نهاية عام 2024. ويشير استمرار شراء البنوك المركزية إلى توجّه عالمي متزايد لتنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار والأصول التقليدية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية وارتفاع مستويات الدين العالمي.

ويُنظر إلى هذا النوع من الطلب باعتباره طلباً استراتيجياً طويل الأجل وأكثر استقراراً مقارنة بطلب المستثمرين الأفراد أو صناديق التحوط، ما يوفر دعماً هيكلياً مستداماً لأسعار الذهب على المدى البعيد، رغم استمرار تأثير أسعار الفائدة الأميركية وقوة الدولار وعوائد السندات على الاتجاه العام.

رغم أن الذهب يستفيد عادة من المخاطر الجيوسياسية، فإن ارتفاع أسعار النفط قد يشكّل عاملاً ضاغطاً عليه بصورة غير مباشرة، بسبب تأثيره على معدلات التضخم وتوقعات أسعار الفائدة. فارتفاع النفط يؤدي، في أغلب الأحيان، إلى زيادة المخاوف التضخّمية، ما يدفع الأسواق لتوقع استمرار الفيديرالي الأميركي في الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يدعم الدولار ويرفع عوائد السندات ويضغط على الذهب باعتباره أصلاً لا يدرّ عائداً.

لكن في الوقت نفسه، إذا ارتبط ارتفاع النفط بتصاعد التوترات الجيوسياسية أو المخاوف المتعلّقة بالنمو العالمي، فقد يستفيد الذهب من زيادة الطلب على الملاذات الآمنة، ما يجعل تحركاته محكومة بتوازن دقيق بين عوامل داعمة وأخرى ضاغطة.

ورغم التوترات في مضيق هرمز، تراجع الذهب بنحو 11% منذ بداية الصراع، وهو ما يمكن تفسيره بارتفاع توقعات استمرار الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، نتيجة المخاوف المرتبطة بالتضخم والدين الأميركي وأزمات الطاقة والنمو العالمي. كذلك، فإن الأسواق أصبحت تتفاعل بشكل مباشر وسريع مع التصريحات السياسية، وهو ما انعكس بوضوح على أداء الدولار والمعادن خلال الفترة الأخيرة.

من الناحية الفنية، ما يزال الذهب يحافظ على اتجاهه الصاعد طالما استقر فوق مستوى الـ 4700 دولار للأونصة، حيث يتداول فوق المتوسط المتحرك البسيط لـ 200 فترة، كما يبقى أعلى مستوى تصحيح 61.8% فيبوناتشي للموجة الصاعدة الأخيرة. ويستقرّ مؤشر القوة النسبية (RSI) قرب مستوى 64، من دون الوصول إلى مناطق التشبّع الشرائي، فيما يحافظ مؤشر MACD على إشارات إيجابية، ما يعكس استمرار الزخم الصعوديّ، ولكن بوتيرة أهدأ.

وتبرز مستويات دعم مهمة عند 4703 و4665 و4587 دولاراً، بينما تقع المقاومة الرئيسية قرب 4891 دولاراً. وبشكل عام، فإن أي تراجعات طالما بقي الذهب فوق منطقة الـ 4700 دولار تُعدّ ضمن إطار التصحيح داخل الاتجاه الصاعد الحالي.

يبقى السؤال الأهم في الأسواق: هل ما نشهده في الذهب مجرد موجة صعود مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية، أم أن الأسواق تدخل مرحلة جديدة يجري فيها تسعير المخاطر بشكل دائم؟

الواقع يشير إلى أن الأسواق تمرّ بمرحلة حسّاسة، تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد بشكل مباشر، ما يجعل الذهب أحد أبرز الأصول تأثراً بهذه التحولات، مع استمرار اعتماده على بيانات الفائدة الأميركية وحركة الدولار كمحدّد رئيسي لاتجاهه.

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى