ما جديد “المبادرة الفرنسيّة – المصريّة” لإدارة التهدئة الموقّتة جنوباً؟!( الديار 6 أيار)

لا يبدو الجنوب اللبناني حالياً داخلاً بالفعل في مرحلة المفاوضات التمهيدية الحاصلة في واشنطن، بل وكأنّه مساحة جغرافية “معلّقة” بين ثلاث طبقات متداخلة: حرب لم تُحسم، تهدئة لم تكتمل، وتسوية لم تولد بعد. وتتقاطع هذه المساحة سياسياً وأمنياً بين إرادات متناقضة عدّة: رغبة أوروبية في تثبيت الإستقرار، مقاربة مصرية تميل إلى إدارة الصراع بدل حسمه، نيّة “إسرائيلية” في استكمال الاعتداءات وجرف المنازل، وسقف أميركي لا يزال يصرّ على أنّ أي تسوية نهائية، يجب أن تمرّ عبر تفاوض مباشر برعايته.
وسط هذا التشابك، تبرز ما يُعرف اليوم بـ “المبادرة الفرنسية – المصرية”، وهي وفق مصادر سياسية مطّلعة، ليست اتفاقاً مكتوباً أو خطة نهائية، بل إطار سياسي مشترك يهدف إلى منع انهيار الوضع في الجنوب، وإدارة التهدئة تدريجياً، بدل الذهاب إلى تسوية شاملة فورية.
ما هي المبادرة الفرنسية – المصرية فعلياً؟ بحسب المصادر نفسها، تقوم المبادرة على فكرة مركزية واحدة ، هي تحويل وقف إطلاق النار الهشّ إلى “استقرار مُدار” يمنع العودة إلى الحرب الشاملة، من دون الدخول في تسوية نهائية حالياً. وهي بهذا المعنى ليست اتفاق سلام، بل آلية إدارة صراع طويلة الأمد تُبنى على خطوات متدرّرجة ومتشابكة.
ويستند الهيكل الأساسي للمبادرة على بنود عدّة أبرزها:
1- تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانهيار، ويشمل الحفاظ على التهدئة القائمة جنوب لبنان، منع توسّع الاشتباكات إلى حرب مفتوحة، ضبط الخروقات ضمن سقوف تمنع التصعيد، ومنع انهيار الترتيبات الأمنية القائمة.
2- إعادة تفعيل القرار 1701 بصيغة موسّعة، ما يعني تعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، توسيع دور قوات “اليونيفيل” في المراقبة، إنشاء آلية متابعة دولية أكثر صرامة، وتقليص الفراغ الأمني الذي يفتح الباب أمام التصعيد.
أمّا المقاربة المصرية، فترتكز على “التجميد بدل الحلّ”. وضمن هذا الإطار المشترك، تعود المقاربة المصرية المطوّرة، وفق المصادر السياسية، لتأخذ طابعاً تنفيذياً أكثر وضوحاً، عبر طرح وفد أمني مصري زيارة متزامنة إلى بيروت و”تلّ أبيب”، حاملاً تصوّراً يقوم على مبدأ “الخطوات المتزامنة”. ويعيد الطرح الإعتبار إلى فكرة تجميد استخدام سلاح حزب الله شمال الليطاني لفترة زمنية محدّدة، بالتوازي مع وقف العمليات العسكرية من الطرفين. على أن يترافق ذلك مع بدء انسحاب “إسرائيل” تدريجياً من الأراضي اللبنانية الى النقاط الخمس المحتلّة، وصولاً إلى خط الحدود الدولية.
وتضيف المصادر أنّ هذا المسار يهدف إلى إدارة الصراع لا حسمه، عبر إبقاء الجنوب في حالة “انخفاض توتّر طويل الأمد”، بدل تسوية نهائية غير ناضجة. فالتطوّر الأبرز في الطرح المصري داخل الإطار المشترك، هو اعتماد مقاربة فصل الملفات الحسّاسة ضمن مسارات متوازية: فملف تحرير الأسرى، على سبيل المثال، يُفصل عن مسار وقف إطلاق النار، ويُرحّل إلى تفاوض لاحق ضمن مسار أوسع. كما يُعالج كملفّ مستقلّ لتخفيف الضغط السياسي.
وفي ما يتعلّق بإعادة الإعمار، يدرجها المقترح المصري للمرة الأولى ضمن “سلة الحلّ” وليس كمرحلة لاحقة فقط، على أن ترتبط بآلية تنفيذ عربية – إقليمية – دولية، مع احتمال إشراف أو رعاية من الأمم المتحدة. وتُستخدم كأداة لدعم الاستقرار التدريجي، عبر ربط التمويل الدولي بمستوى الاستقرار الأمني، وتوجيه الدعم نحو المناطق الأكثر تضرّراً، واستخدام الإعمار كحافز لمنع الانفجار الأمني.
وعن المسار التفاوضي، تقترح القاهرة وفق المصادر السياسية المطلعة، أن تُستكمل أي تهدئة عبر استضافة جولات تفاوض مباشر بين لبنان و”إسرائيل” في شرم الشيخ، بمشاركة أميركية وضمانة عربية. على أن تُترك النقاط الحدودية المختلف عليها لمسار تفاوضي لاحق. كما تعمل القاهرة على تسويق المقترح لدى واشنطن و”تلّ أبيب”، معتبرة أنّه يُوفّر “حداً أدنى من الضمانات المتبادلة” يمكن البناء عليه، مع إمكان توقيعه رسمياً في حال نضجه.
ماذا عن فرنسا ودورها داخل المبادرة، توضح المصادر نفسها، بأنّ باريس تتحرّك ضمن مقاربة مكمّلة للطرح المصري، لكنها مختلفة في الأدوات، إذ تركز على:
• إعادة تثبيت القرار 1701 كمرجعية دولية أساسية.
• دعم الجيش اللبناني كركيزة أمنية جنوبية.
• تعزيز دور “اليونيفيل” في المراقبة والاحتواء.
• منع تكريس واقع أمني جديد على الحدود.
• الدفع نحو “ترتيب أمني مستقر” بدل هدنة مؤقتة.
أمّا العامل الحاسم فيبقى في واشنطن، حيث يتمسّك الموقف الأميركي، بحسب المصادر المطلعة، بأولوية مسار التفاوض المباشر بين لبنان و”إسرائيل”، وبرفض تحويل المبادرة إلى بديل كامل عن المسار الأميركي، والإصرار على دور إشرافي أميركي في أي تسوية نهائية. ما يعني عملياً أنّ المبادرة الفرنسية – المصرية تتحرّك ضمن هامش سياسي مسموح، لكنها ليست إطار الحلّ النهائي حتى الآن.
في الوقت نفسه، يتعامل لبنان، بحسب المصادر السياسية، مع المبادرة وفق مقاربة حذرة. فهو يبُدي انفتاحاً على أي مسار يخفّف التصعيد، ويرفض الالتزام بأي صيغة تمسّ التوازنات الداخلية. كما ينتظر وضوح الموقف الأميركي قبل أي خطوة نهائية، ويعتبر المبادرة إطار تهدئة لا تسوية شاملة. وبناء على ما تقدّم، تبدو المبادرة الفرنسية–المصرية، وفق المصادر السياسية، ذات إطار واحد بمسارين متكاملين: فمصر تسعى إلى تفكيك الأزمة وتجميدها عبر الخطوات المتزامنة وفصل الملفات. وفرنسا تعمل على إعادة هندسة الاستقرار الأمني عبر القرار 1701 والدولة اللبنانية. لكن فوق هذا الإطار كله، يبقى العامل الحاسم خارج المبادرة نفسها. فواشنطن هي التي تُحدّد سقف أي تسوية وتدفع نحو مسار تفاوض مباشر، ما يجعل المبادرة الحالية محاولة لإدارة المرحلة لا لإنهائها.
وفي هذا الفراغ بين المبادرة والواقع، يبقى الجنوب اللبناني معلّقاً بين تهدئة “ممدّدة” (حتى 17 أيّار الحالي) تأكل الأخضر واليابس ولا تُنهي الحرب، وحرب غير مُعلنة، تنتظر التسوية الأميركية- الإيرانية لتتوقّف بشكل نهائي.



