بين مساعي الوفاق وخطاب التخوين…( اللواء ٢٨ نيسان)

جاءت حركة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان في توقيتٍ مفصلي لتعيد رسم الخطوط المقطوعة بين المقار الرئاسية، محققةً اختراقاً بروتوكولياً وسياسياً تجلّى في التمهيد للقاء ثلاثي في قصر بعبدا.
هذا الحراك لم يكُن مجرّد زيارة دبلوماسية عابرة، بل محاولة جادة لترميم «وحدة الموقف الرسمي» في مواجهة التحديات المصيرية المرتبطة بالمفاوضات مع العدو الإسرائيلي، وهي الوحدة التي تعرضت لاهتزازات عنيفة نتيجة الخيارات الصعبة على مستوى السلطة، وما أثارته من السجالات الحادة على المستوى السياسي والحزبي.
إلّا أنّ السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تكفي هذه الوساطة لتصفية الأجواء بين بعبدا وعين التينة؟ التحدي لا يكمن فقط في تباين بعض المواقف السياسية، بل في التراكمات الأخيرة التي تلت الحملة الشعواء التي شنها «حزب الله» على رئاسة الجمهورية.
تلك الحملة استدعت أمس رداً صاعقاً من الرئيس عون، حين وضع النقاط على الحروف، معتبراً أن «الخائن هو من يقود بلاده إلى الحرب لمصلحة الآخرين»، وهو موقف عكس عمق الشرخ في الرؤية الاستراتيجية بين الدولة والحزب لدور لبنان ومفهوم السيادة.
إنّ إحتمال استمرار خطوات تصفية الأجواء تعتمد بالدرجة الأولى على تغليب المنطق المؤسساتي على الحسابات الفئوية. فالمصلحة الوطنية تفرض اليوم «هدنة سياسية» تتجاوز لغة التخوين والردود المقابلة. نجاح الموفد السعودي في وصل ما انقطع يفتح نافذة لعودة الانتظام إلى عمل المؤسسات، شريطة أن تدرك كافة الأطراف أن تفتت وحدة الحكم في هذه اللحظة هو بمثابة انتحار سياسي، يشرع أبواب البلاد أمام رياح الفتنة والانهيار الشامل.
لذلك، يبقى الرهان على أن يشكل لقاء بعبدا المرتقب «مظلة حماية» للموقف اللبناني، حيث تتراجع السجالات أمام هيبة المصلحة العليا. فإذا كانت الوساطة السعودية قد وفرت السُلَّم الذي سينزل عنه الجميع من على شجرة التصعيد، فإن المسؤولية تقع الآن على عاتق الرؤساء لترجمة هذا التماسك إلى فعل سياسي يحمي لبنان من الانزلاق نحو المجهول.
إن وحدة الموقف الرسمي تُعد الركيزة الأساسية التي يستند إليها لبنان في أي تفاوض دولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمطالب سيادية كبرى مثل وقف التصعيد العسكري، وتثبيت الانسحابات من الأراضي المحتلة، والعودة إلى تكريس الحدود الدولية المعترف دولياً، والتي نصت عليها إتفاقية الهدنة بعام ١٩٤٩.
فعندما يتحدث لبنان بصوت واحد، يتحول من «ساحة صراع» إلى «دولة مفاوضة» قوية، تستطيع أن تدافع عن مطالبها بصلابة، وتعزز الثقة العربية والدولية بالقدرة اللبنانية على التصدي لصعوبات المفاوضات وتحقيق الإنسحابات. فضلا عن قطع الطريق على العدو الإسرائيلي لإستغلال أي ثغرة في الموقف اللبناني، لتبرير أساليب التسويف والمماطلة التي يلجأ إليها للتهرب من الإستحقاقات التي تنص عليها القرارات الدولية، لا سيما القرار 1701.
فهل تتغلب مساعي الوفاق على خطاب التخوين؟



