خاص – بعد تحذير وزير الاقتصاد .. كيف نتخطى الصدمة الاقتصادية الضخمة التي خلّفتها الحرب؟

أكد وزير الاقتصاد والتجارة د. عامر بساط، امس، أن البلاد شهدت صدمة اقتصادية ضخمة خلال الـ 5 أسابيع الماضية بسبب الحرب، مشيراً إلى تبعات مكلفة، خسائر يومية بين 60-80 مليون دولار، وانكماشاً متوقعاً بنسبة 7% من الناتج المحلي، مما يضع الاقتصاد تحت هشاشة شديدة تستوجب ترشيد الإنفاق.
وفي هذا الاطار، اكد الكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy ان “الصدمة الاقتصادية التي شهدها لبنان خلال الأسابيع الخمسة الأخيرة اتت لتضع الاستقرار الهش الذي ساد لفترة طويلة على المحك، حيث شهد سعر الصرف تحركاً مفاجئاً كسر رتابة الاستقرار النقدي، منتقلاً من مستويات 89,300 ليرة للدولار الواحد ليتجاوز عتبة 98,900 ليرة، وهو ما يمثل ضغطاً نقدياً رمزياً يعيد للأذهان مخاطر الانفلات السعري”.

واعتبر ان “هذا التحرك في سعر الصرف، رغم كونه ضمن هوامش محددة، إلا أنه يعكس حساسية مفرطة تجاه التطورات الأمنية والجيوسياسية، ويؤكد أن الدولرة الشاملة التي بلغت مستويات قياسية تقارب 98% لم تعد مجرد خيار تقني، بل أصبحت واقعاً قسرياً يحكم كافة المعاملات التجارية والخدماتية، مما يحول الاقتصاد اللبناني فعلياً إلى اقتصاد دولاري بالكامل مع بقاء الليرة كعملة ثانوية لتسوية المعاملات الصغيرة أو دفع الرسوم الحكومية.”
وقال الخوري: “إن تصريح وزير الاقتصاد الأخير يضعنا أمام واقع انكماشي حاد، حيث تشير التقديرات الميدانية والواقع الإنتاجي إلى أن حجم الناتج المحلي الإجمالي، الذي يحاول الصمود عند مستويات تقارب 30 مليار دولار، يواجه تهديدات حقيقية بالانكماش في حال استمرت الصدمة الحالية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على المؤشرات الاجتماعية. فبينما كانت التقديرات السابقة تشير إلى معدلات فقر أدنى، تؤكد المعطيات الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية أن الفقر قفز من 35% ليتجاوز عتبة 45%، وهو رقم يعبر عن تآكل الطبقة الوسطى وتحول فئات واسعة نحو الفقر المدقع نتيجة غياب شبكات الأمان وتضخم أسعار السلع الأساسية. يتزامن ذلك مع وصول معدلات البطالة إلى مستويات حرجة تتجاوز 30%، مما يعكس عجز القطاعات الإنتاجية عن خلق فرص عمل جديدة أو الحفاظ على العمالة الحالية في ظل ارتفاع كلف التشغيل واضطراب سلاسل التوريد.
واضاف: “على الصعيد المالي، تبرز المفارقة في سعي الدولة لتقديم ميزانيات متوازنة ظاهرياً، إلا أن هذا التوازن غالباً ما يأتي على حساب الإنفاق الاستثماري والاجتماعي، مما يضعف كفاءة الدولة في إدارة الأزمة. وفي اقتصاد يعتمد على الاستيراد لتأمين أكثر من 80% من احتياجاته، نجد أن ظاهرة التضخم المدفوع بالكلفة تسيطر على المشهد، حيث أدى ارتفاع كلف الشحن والتأمين المرتبط بالتوترات الإقليمية إلى زيادات تراكمية في الأسعار، مما أدى بدوره إلى انكماش الطلب الفعلي للأسر التي تراجع استهلاكها بنسب كبيرة. هذا الواقع أدى إلى تضخم الاقتصاد غير الرسمي، الذي بات يهيمن على أكثر من نصف النشاط الاقتصادي، وهو ما يفرغ السياسات المالية التقليدية من محتواها ويجعل التحفيز الاقتصادي عبر الأدوات النقدية أمراً شبه مستحيل في ظل تعطل الوساطة المصرفية”.
وشدد الخوري على ان “هذه الصدمات المتتالية تفرض ضرورة تبني سياسات عامة ترتكز على الواقعية الاقتصادية بعيداً عن الأرقام الدفترية المعطلة. فالتركيز يجب أن ينصب اليوم على ترشيد ما تبقى من إنفاق عام وتوجيهه نحو دعم الفئات التي انزلقت حديثاً تحت خط الفقر، مع العمل على تحسين جباية الرسوم في القطاعات التي لا تزال تحقق أرباحاً دولارية في المناطق غير الخاضعة للحرب. كما يتطلب المشهد ابتكار أدوات تحفيزية منخفضة الكلفة تستهدف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العصب الحيوي لما تبقى من الاقتصاد الرسمي، لضمان عدم انجرار البلاد نحو حلقة انكماشية أعمق تهدد الأمن الغذائي والاجتماعي”.
ورأى إن مواجهة تداعيات الأسابيع الأخيرة تستدعي استجابة سريعة توازن بين الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومنع الانهيار الكامل للقدرة الشرائية للمواطنين في ظل اقتصاد مدولر بالكامل وبنية إنتاجية متهالكة.
واشار الخوري الى ان الودائع أصبحت فعلياً “كتلة غير نشطة” خارج الدورة الاقتصادية الحقيقية (Dead Capital). فالبنك المركزي يحافظ على تجزئة الدفع من خلال التعاميم ولكن من احتياطي متناقص بسبب تعطل التدفقات المالية من الخارج.



