خاص – أي تداعيات للتوترات الأمنية في الخليج على اقتصاد لبنان؟

دون شك سيؤثر عدم الاستقرار في دول الخليج العربي، من جراء الحرب الأمريكية في إيران، على لبنان. إذ تُعدّ دول الخليج العربي شريكاً اقتصادياً واستراتيجياً ورافعة أساسية للاقتصاد اللبناني، حيث تمثل المصدر الأكبر لتحويلات المغتربين والسوق الرئيسي للصادرات الصناعية والزراعية، كما تحتضن استثمارات لبنانية كبيرة في قطاعات مختلفة.
في هذا الإطار، شدد عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الكاتب في الاقتصاد السياسب د. بيار الخوري على ان “الاقتصاد اللبناني يتأثر بشكل عضوي ومباشر بالاستقرار في منطقة الخليج العربي، نظراً لكونها الشريان الحيوي الأهم لتدفقات العملة الصعبة عبر تحويلات المغتربين والاستثمارات المباشرة”، معتبراً ان النزاع الأخير الذي اندلع في نهاية شباط 2026 يأتي ليزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي اللبناني المنهك أصلاً، حيث تؤدي التوترات العسكرية والسياسية بين القوى الإقليمية والدولية إلى حالة من الحذر الشديد في أسواق العمل الخليجية، مما قد ينعكس بوضوح على استمرارية العقود الوظيفية للبنانيين هناك، خاصة في ظل توجه بعض الشركات نحو تقليص النفقات أو تجميد التوسعات بإنتظار وضوح الرؤية الجيوسياسية.”

ووفقاً للخوري “تاريخياً، أظهرت بيانات البنك الدولي أن تحويلات المغتربين تشكل نسبة تتجاوز 25% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان، وأي اضطراب أمني في الخليج يؤدي بالضرورة إلى تباطؤ هذه التدفقات، نتيجة ميل المغتربين إلى زيادة الادخار الشخصي بدلاً من التحويل، لمواجهة احتمالات فقدان الوظيفة أو تغير الظروف القانونية والأمنية في دول المضيف”.
وفي إطار حديثه عن الاستثمارات اللبنانية في الخليج، اشار الخوري الى إن “القطاعات الخدمية والتجارية والعقارية تظل الأكثر عرضة للتأثر بالهزات السياسية، إذ يعتمد نجاح هذه الاستثمارات على حرية حركة الأموال والأفراد واستقرار سلاسل التوريد”، لافتاً الى ان “النزاع الحالي يفرض ضغوطاً على المستثمرين اللبنانيين لإعادة تقييم مخاطر السوق، مما قد يدفع برؤوس الأموال إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً أو تجميد النشاط التجاري مؤقتاً. علماً ان تقارير صندوق النقد الدولي تؤكد أن عدم الاستقرار الإقليمي يؤدي فوراً إلى ارتفاع تكلفة التأمين على الاستثمارات والشحن، وهو ما يقلص هوامش الربح للمؤسسات اللبنانية العاملة في دبي والرياض والدوحة. وينعكس ذلك سلباً على قدرة هذه الشركات على دعم الاقتصاد الأم في لبنان، عبر ضخ السيولة أو توظيف المزيد من الكفاءات اللبنانية المهاجرة.
وقال الخوري: بما يتعلق بالداخل اللبناني، فإن التداعيات تتجاوز مجرد تراجع الأرقام لتصل إلى عمق الأزمة المعيشية، حيث إن انخفاض التحويلات المالية يعني تراجع القدرة الشرائية لآلاف الأسر التي تعتمد كلياً على دعم أبنائها في الخارج، وهذا يؤدي بدوره إلى انكماش في الأسواق المحلية وزيادة الضغط على سعر صرف الليرة اللبنانية نتيجة نقص المعروض من الدولار الطازج.
واضاف: “كما ان غياب الدعم الاستثماري الخليجي، المباشر والمستتر، يضعف من فرص التعافي الاقتصادي ويحرم الدولة من موارد حيوية لإعادة بناء البنية التحتية أو دعم القطاع المصرفي المنهار، مما ينذر بإتساع رقعة الفقر وتفاقم الهجرة القسرية للشباب الباحثين عن استقرار مفقود في إقليم يغلي بالصراعات. الأمر الذي يتطلب من صانع القرار اللبناني والقطاع الخاص تبني استراتيجيات مرنة لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد المطلق على منطقة جغرافية واحدة تتعرض لهزات أمنية متكررة.”



