أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص – الحرب في الشرق وإعادة تشكيل الاقتصاد والجغرافيا السياسية

–بقلم النقيب وليم بطرس

الحرب الدائرة في الشرق الأوسط لا تبدو مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحمل في طياتها إمكانية إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية على مستوى العالم. فهذه المنطقة تضم أهم ممرات الطاقة والتجارة في النظام الاقتصادي العالمي، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد والأسعار والتوازنات الدولية.

اختناق شرايين الطاقة والتجارة العالمية

يعد مضيق هرمز أحد أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي. فحوالي 20% من الاستهلاك العالمي للنفط يمر عبره يومياً، أي ما يقارب 20 مليون برميل يومياً، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.

وتعتمد اقتصادات آسيا بدرجة كبيرة على هذه الإمدادات. فالصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، تستورد ما يقارب 10–11 مليون برميل يومياً، ويأتي نحو 40–45% من وارداتها النفطية من دول الخليج مثل السعودية والعراق والإمارات وعُمان والكويت. أي أن أي اضطراب في مضيق هرمز سيؤثر مباشرة على أمن الطاقة الصيني وعلى الاقتصاد الآسيوي عموماً.

أما مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، فيمثل بدوره عقدة استراتيجية في حركة التجارة العالمية. إذ تمر عبره نحو 6 إلى 9 ملايين برميل نفط يومياً إضافة إلى جزء مهم من التجارة بين آسيا وأوروبا.

وترتبط أهمية باب المندب مباشرة بقناة السويس، حيث تمر عبر القناة نحو 12% من التجارة العالمية و30% من تجارة الحاويات سنوياً.

قناة السويس: شريان التجارة بين آسيا وأوروبا

تلعب قناة السويس دوراً محورياً في التجارة بين الشرق والغرب. فالقناة تمر عبرها سنوياً بضائع بقيمة تتجاوز تريليون دولار.

وتشير التقديرات إلى أن:

• نحو 60% من التجارة الصينية مع أوروبا تمر عبر قناة السويس

• ونحو 40% من تجارة الاتحاد الأوروبي مع آسيا تعتمد على هذا المسار البحري

ولهذا فإن أي اضطراب في البحر الأحمر أو باب المندب يجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن الرحلة 10 إلى 15 يوماً ويرفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار السلع العالمية.

الطاقة والأسمدة: تأثير مباشر على الأمن الغذائي العالمي

لا يقتصر تأثير الحرب المحتملة على الطاقة فقط، بل يمتد إلى قطاع الغذاء العالمي.

فدول الخليج تعد لاعباً مهماً في سوق الأسمدة النيتروجينية، إذ تشكل السعودية وقطر والإمارات معاً ما يقارب 10–12% من صادرات الأسمدة النيتروجينية في العالم، خصوصاً الأمونيا واليوريا التي تعتمد على الغاز الطبيعي.

كما أن روسيا وبيلاروسيا تهيمنان على نسبة كبيرة من صادرات البوتاس والأسمدة الفوسفاتية.

ولهذا فإن أي اضطراب في إمدادات الغاز أو الشحن البحري من الخليج قد يؤدي إلى:

• ارتفاع أسعار الأسمدة

• زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي

• ارتفاع أسعار الحبوب عالمياً

كما أن ارتفاع أسعار النفط يزيد الطلب على الوقود الحيوي، ما يحول جزءاً من إنتاج الحبوب إلى الطاقة بدلاً من الغذاء.

وهذا المزيج قد يدفع العالم إلى موجة تضخم غذائي جديدة.

إيران: دولة متعددة القوميات في قلب الصراع

على المستوى الإقليمي، فإن استمرار الضربات على إيران قد يؤدي مع الوقت إلى إضعاف السلطة المركزية. وإيران ليست دولة متجانسة قومياً، بل واحدة من أكثر دول المنطقة تنوعاً إثنياً.

يبلغ عدد سكان إيران نحو 88 مليون نسمة ويتوزعون تقريباً على النحو التالي:

• الفرس: 50–55%

• الأذريون: 15–20%

• الأكراد: 8–10%

• اللور: 6%

• العرب: 2–3%

• البلوش: 2–3%

• التركمان وأقليات أخرى: نحو 2%

هذا التنوع القومي يتداخل جغرافياً مع دول الجوار:

الأذريون في شمال غرب إيران يرتبطون عرقياً وثقافياً بجمهورية أذربيجان، ويقدر عددهم في إيران بأكثر من 15 مليون نسمة.

أما الأكراد فيمتد وجودهم عبر أربع دول رئيسية: إيران وتركيا والعراق وسوريا.

في حين يعيش البلوش في جنوب شرق إيران على امتداد الحدود مع باكستان وأفغانستان، حيث يشكلون أيضاً أقلية كبيرة في إقليم بلوشستان الباكستاني.

كما يرتبط التركمان في شمال شرق إيران بتركمانستان وآسيا الوسطى.

لهذا فإن أي تفكك محتمل للدولة الإيرانية لن يكون حدثاً محلياً، بل سيؤثر مباشرة في توازنات:

• تركيا

• أذربيجان

• باكستان

• آسيا الوسطى

وهو ما يجعل هذا السيناريو شديد الحساسية جيوسياسياً.

الخليج بين الثروة النفطية والهشاشة الاستراتيجية

في حال توسعت الحرب، ستجد دول الخليج نفسها أمام معادلة معقدة.

صحيح أن ارتفاع أسعار النفط قد يعوض بعض الدول — مثل السعودية — عن أي انخفاض في الكميات المصدرة، إلا أن معظم الدول الخليجية تعتمد بشكل شبه كامل على مضيق هرمز لتصدير الطاقة.

فدول مثل:

• قطر

• الكويت

• البحرين

• الإمارات

لا تمتلك بدائل بحرية حقيقية لتجاوز المضيق في حال تعطله.

كما أن اقتصادات الخليج تعتمد أيضاً على الاستقرار الأمني لاستقطاب الشركات الأجنبية والعمالة الوافدة.

المياه: نقطة الضعف الكبرى في الخليج

الأمن المائي يمثل أحد أخطر نقاط الضعف في دول الخليج.

فدول الخليج تنتج ما يقارب 45–50% من المياه المحلاة في العالم، ويعتمد أكثر من 90% من مياه الشرب في بعض هذه الدول على تحلية مياه البحر.

وأي استهداف لمحطات التحلية قد يؤدي إلى أزمة وجودية، لأن البدائل الطبيعية للمياه العذبة شبه معدومة.

تداعيات اقتصادية على مصر ولبنان

لن تتوقف آثار الأزمة عند الخليج فقط. فاقتصادات عربية عدة تعتمد بدرجة كبيرة على التدفقات المالية المرتبطة بالمنطقة.

في مصر:

• بلغت تحويلات المصريين في الخارج نحو 29–30 مليار دولار سنوياً

• ويأتي الجزء الأكبر منها من دول الخليج

كما تمثل قناة السويس أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر، حيث وصلت إيراداتها إلى نحو 10 مليارات دولار سنوياً قبل اضطرابات البحر الأحمر.

أما لبنان، فيعتمد بشكل كبير على تحويلات المغتربين في الخليج لدعم ميزان المدفوعات والاقتصاد المحلي.

إعادة توزيع الأدوار الإقليمية

مع استمرار الحرب وإطالة أمدها، قد تشهد المنطقة إعادة توزيع للأدوار الإقليمية.

فالإمارات، التي لعبت دوراً عسكرياً وسياسياً نشطاً في ملفات مثل السودان والقرن الإفريقي، قد تضطر إلى تقليص هذا الدور إذا تعطلت حركة الطيران أو التجارة أو ارتفعت المخاطر الأمنية.

وفي المقابل، قد تجد إسرائيل نفسها أمام هامش أوسع للحركة في الإقليم في ظل انشغال القوى الإقليمية الأخرى بأزماتها.

نحو مرحلة إعادة تشكيل

في ضوء هذه المعطيات، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية.

فالحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تعيد فقط توزيع النفوذ، بل تعيد أيضاً رسم خرائط الطاقة والتجارة العالمية.

وإذا استمر هذا التصعيد، فقد تكون المنطقة أمام مرحلة تشبه ما وصفه بعض المفكرين السياسيين بـ “الفوضى الخلاقة” — حيث ينهار النظام القديم تدريجياً قبل أن يتشكل نظام جديد لم تتضح معالمه بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى