خاص – لماذا لم تُحلّق أسعار الذهب رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية؟

مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، اتجهت أنظار الأسواق العالمية سريعًا نحو الذهب بوصفه الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الحروب والأزمات الجيوسياسية. إلا أن حركة المعدن الأصفر جاءت أقل حدّة مما كان متوقعًا، إذ سجل ارتفاعًا محدودًا حيث بلغ سعر الاونصة مستوى قرب الـ 5300 دولار مقارنة مع 5000 دولار قبل التصعيد، مسجلاً ارتفاع تراوح بين 6 و7% رغم خطورة التطورات العسكرية في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية. هذا الأداء المتحفظ للذهب يطرح تساؤلات كثيرة، وفي طليعتها: لماذا لم يشهد المعدن النفيس قفزات كبيرة كما جرت العادة في الحروب الكبرى؟
في هذا الإطار، لفت الكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري الى انه “يُنظر إلى الذهب تاريخياً بوصفه الملاذ الأكثر تقليدية في أوقات القلق. غير أن ما حدث في المرحلة الأخيرة يكشف أن العلاقة بين الأزمات وسعر الذهب لم تعد خطية كما كانت في السابق، وأن فهم حركة الذهب يتطلب النظر إلى مسارات السيولة العالمية أكثر من الاكتفاء بقراءة مستوى التوتر السياسي”.
وقال الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy: “في الظاهر، كان من المنطقي توقع قفزة حادة في أسعار الذهب مع تصاعد التوترات الإقليمية واتساع احتمالات المواجهة العسكرية. لكن المفارقة أن الذهب ارتفع بالفعل، إلا أن ارتفاعه جاء أقل بكثير من توقعات كثير من المستثمرين. السبب الأساسي لا يتعلق بضعف دور الذهب، بل بتغير خريطة توزيع السيولة في الاقتصاد العالمي”.

واضاف: “المسار الأول يتعلق بالدول والمؤسسات السيادية، وخاصة البنوك المركزية. هذه الجهات لا تتعامل مع الذهب بوصفه أداة مضاربة سريعة، بل كجزء من إعادة هيكلة طويلة الأمد للاحتياطيات. خلال السنوات الأخيرة بدأ اتجاه واضح لدى عدد من الاقتصادات الكبرى لتقليص الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار وزيادة حصة الذهب في الاحتياطيات. غير أن هذه العملية تتم ببطء محسوب وتخطيط طويل المدى، لأنها ترتبط بإدارة الاستقرار النقدي وليس بردة فعل على خبر حرب أو تصعيد عسكري. لذلك يستمر الطلب السيادي على الذهب، لكنه لا يظهر في شكل قفزات سعرية مفاجئة.”
وتابع: “المسار الثاني يتعلق بالشركات والمضاربين في الأسواق المالية. هنا تتغير قواعد اللعبة. الذهب لم يعد الملاذ الوحيد عندما تندلع الأزمات، لأن أسواق المال اليوم تقدم أدوات أخرى للتعبير السريع عن المخاطر الجيوسياسية. في حالات الصراع العسكري تحديداً تتجه السيولة المضارِبة بسرعة نحو قطاعات ترتبط مباشرة بالأزمة، مثل الطاقة والدفاع. عقود النفط، على سبيل المثال، تقدم للمستثمرين رافعة مالية أعلى وتفاعلاً أكثر مباشرة مع تطورات الحرب، وهو ما يجعلها أداة أسرع للمضاربة من الذهب. لهذا السبب تحرك جزء مهم من السيولة التكتيكية نحو النفط وأسهم الشركات الدفاعية بدلاً من أن يذهب بالكامل إلى المعدن الأصفر”.
ولفت الخوري الى وجود مسار ثالث يرتبط بالقطاع المنزلي والاستهلاكي، مشيراً الى ان ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية أدى إلى نتيجة معاكسة في أسواق المجوهرات، حيث تراجعت المبيعات في عدد من الأسواق الرئيسية.
وقال: “الأسر التي تواجه ضغوط التضخم وتآكل القدرة الشرائية أصبحت تركز إنفاقها على الاحتياجات الأساسية، وهو ما يقلل الطلب الاستهلاكي على الذهب. هذا العامل غالباً ما يتم تجاهله في التحليلات المالية، رغم أنه يشكل جزءاً مهماً من الطلب العالمي على المعدن”.
ووفقاً للخوري “العامل الأكثر حسماً في تفسير الحركة الهادئة نسبياً لأسعار الذهب هو أن السوق لم يدخل الأزمة من نقطة محايدة. الذهب كان قد سجل بالفعل ارتفاعاً كبيراً خلال عام 2025، إذ قفز بنحو 57 في المئة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من علاوة المخاطر الجيوسياسية كان قد تم تسعيره مسبقاً قبل اندلاع المواجهة العسكرية. عندما تكون المخاطر متوقعة جزئياً، فإن الأسواق تميل إلى امتصاص الصدمة بشكل أكثر هدوءاً لأن الأسعار تكون قد استبقت الحدث”.
وفي اطار حديثه عن المستقبل، رأى الخوري ان “الاتجاهات الأساسية في سوق الذهب تبدو أكثر وضوحاً من حركة الأسعار قصيرة المدى. الطلب الهيكلي من البنوك المركزية، خصوصاً في الاقتصادات الصاعدة مثل دول مجموعة البريكس، مرشح للاستمرار مع توجه هذه الدول إلى تنويع احتياطياتها بعيداً عن الأصول الدولارية. هذا التحول لا يحدث بسرعة، لكنه يمثل قوة دعم طويلة الأجل للسوق.”
ووفقاً للخوري “يعود الذهب عادة إلى لعب دوره الكامل عندما تتحول الأزمات من صدمات سياسية حادة إلى أزمات اقتصادية مزمنة، مثل التضخم المرتفع أو تآكل قيمة العملات. في تلك اللحظة لا يصبح الذهب مجرد أداة تحوط من الحرب، بل أداة حماية من فقدان القوة الشرائية للنقود. لذلك فإن كثيراً من التوقعات طويلة الأجل لأسعار الذهب لا ترتبط فقط بالجغرافيا السياسية، بل أيضاً بمستقبل التضخم والنظام النقدي العالمي”.
وختم: “السؤال الحقيقي الآن ليس لماذا لم يرتفع الذهب بقوة أكبر، بل إلى أين ذهبت السيولة في لحظة الأزمة؟ الإجابة تشير إلى أن الأسواق المالية أصبحت أكثر تنوعاً وتعقيداً، وأن الذهب لم يفقد مكانته كملاذ، لكنه بات واحداً من عدة مسارات تتجه إليها الأموال عندما ترتفع درجة المخاطر في العالم”.



