أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص- تأجيل ردّ ودائع كبار المودعين.. هل يدفع الرساميل الى الهروب؟

أعطى مشروع قانون الفجوة المالية والانتظام المالي أولوية إعادة الودائع لصغار المودعين، ما يعني عمليًا تأجيل ردّ أموال كبار المودعين لسنوات طويلة. هذا التأخير لا يقتصر اثره على المودعين وحدهم ، بل ينعكس مباشرة على الاستثمار والنمو، إذ يشكل كبار المودعين محركاً اساسياً لضخّ الرساميل وتمويل المشاريع، وفي حال حُرِموا من الوصول إلى أموالهم أو فقدوا الثقة بإمكانية استردادها، يبرز السؤال: ما سيكون مصير الاستثمار وفرص النهوض بالاقتصاد اللبناني؟

في هذا السياق، أشار كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس، نسيب غبريل، لموقعنا Leb Economy، إلى أنّ إجمالي الودائع بالدولار في القطاع المصرفي بلغ في نهاية عام 2025 نحو 82 مليارًا و300 مليون دولار. من هذا المجموع، تشكّل الودائع التي تقلّ عن 100 ألف دولار حوالى 14 مليارًا و900 مليون دولار، أي ما نسبته 84.5% من إجمالي عدد الحسابات المصرفية، لكنها لا تمثّل سوى 18% فقط من إجمالي الودائع، ما يعني أن 82% من الودائع تعود لمودعين تفوق ودائعهم 100 ألف دولار.

كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس نسيب غبريل

وأضاف غبريل أنّه في حال استُثنيت الأصول غير المنتظمة، المقدّرة بنحو 25 مليار دولار، ترتفع حصة الحسابات التي تقلّ عن 100 ألف دولار إلى حوالى 26% من إجمالي الودائع. أما الودائع التي تتجاوز 100 ألف دولار وتقلّ عن مليون دولار في الحساب الواحد، فتُصنّف كودائع متوسطة الحجم، لكنها تبقى ودائع كبيرة ومؤثرة في النظام المصرفي.
اقتطاعات بالجملة
وبالانتقال إلى مشروع قانون الانتظام المالي وتحديد مصير الودائع، الذي أقرّته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب، أوضح غبريل أنّ الودائع التي تفوق 100 ألف دولار ستخضع لإقتطاعات متعددة. وفي حال تطبيق هرمية استيعاب الخسائر، يبدأ الأمر بشطب كامل رساميل المصارف، ثم حساباتها الدائنة، يليها حاملو السندات، وصولًا إلى كبار المودعين الذين سيتعرّضون بدورهم لإقتطاعات من ودائعهم.
كما ينصّ المشروع على شطب الفوائد التي تقاضاها المودعون منذ عام 2015، ولا سيّما أنّ الحسابات التي تفوق 100 ألف دولار استفادت من فوائد مرتفعة، ما يعني أنها ستخضع لإقتطاعات إضافية. أما ما يتبقّى من الوديعة، فيُعطى للمودع على شكل سند مدعوم بإيرادات أصول مصرف لبنان، مع آجال استحقاق قد تمتد إلى 10 أو 15 أو 20 عامًا، بحسب حجم الوديعة.
ويشير مشروع القانون إلى إمكان تداول هذه السندات في البورصة أو في السوق الثانوية. وفي هذا الإطار، لفت غبريل إلى أنّ الواقع يُظهر أن بورصة بيروت تضمّ تسع شركات فقط، وتتحرّك بمعظمها على وقع أسهم «سوليدير»، في حين أنّ الأسواق الثانوية شبه معدومة في لبنان. وذكّر بأن الاقتصاد اللبناني كان تاريخيًا يعتمد بشكل شبه كامل على التمويل المصرفي، لا على الأسواق المالية أو البورصات.
ورأى غبريل أنّ المودع الذي تتجاوز وديعته 100 ألف دولار، وبعد الاقتطاع وشطب الفوائد، لا يمكن تحديد القيمة الفعلية للسند الذي سيحصل عليه، إذ يرتبط ذلك بالوضع الاقتصادي، والنمو، والثقة، والاستقرار، وتدفّق رؤوس الأموال. وللأسف، لا تمتلك الحكومة حتى اليوم خطة اقتصادية متكاملة للنهوض، بل تكتفي بمحاولة التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهو أمر يتطلّب خطة إصلاح وإنقاذ واضحة، لا تزال غائبة رغم مرور عام على تشكيل الحكومة وأكثر من ست سنوات على اندلاع الأزمة.
وبناءً عليه، يؤكّد غبريل أنّه لا يمكن التكهّن منذ الآن بسعر هذه السندات، لكن المؤكد أنّها لن تعوّض حجم الخسارة التي سيتكبّدها المودع. وحتى في حال انتظار تاريخ الاستحقاق بعد 10 إلى 20 عامًا، ستكون الأموال قد فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها الشرائية. ويُطرح هنا سؤال جوهري: من أين ستأتي السيولة لتسديد مليارات الدولارات المستحقة؟ وحتى لو تمّ السداد كاملًا، فما قيمتها الفعلية مقارنةً ببدء تطبيق القانون؟
ويلفت المشروع إلى أنّه يحقّ للمودع، ابتداءً من السنة الخامسة، سحب ما نسبته 2% من قيمة وديعته نقدًا سنويًا حتى تاريخ الاستحقاق.

خروج الكبار من النظام المصرفي
في ظلّ هذا الواقع، يؤكّد غبريل أنّ شريحة واسعة من كبار المودعين تفكّر جديًا بالخروج كليًا من القطاع المصرفي، عبر بيع ودائعها بالليرة اللبنانية على أساس سعر صرف 15 ألف ليرة من المصرف، ثم استخدام المبالغ المحصّلة لشراء الدولار على سعر صرف 89,500 ليرة. وبرأيه، يرى هؤلاء أنّ هذا الخيار يبقى أفضل من الانتظار 10 أو 15 أو 20 عامًا، أو التعرّض لهيركات وشطب فوائد، فضلًا عن تآكل القدرة الشرائية للوديعة عند الاستحقاق أو تكبّد خسائر إضافية عند بيع السندات.
وأضاف أنّ عددًا من المغتربين، الذين كانوا يترقّبون حلًا لودائعهم العالقة، يعتبرون بعد طرح الحكومة الحالي أنّ الخروج من القطاع المصرفي وعدم إيداع أي أموال مستقبلًا في المصارف اللبنانية هو الخيار الأفضل، نظرًا لحجم الخسائر المتوقعة. ويحذّر غبريل من خطورة هذا التوجّه، لأن الودائع الكبيرة هي التي تؤمّن السيولة للمصارف وتتيح لها تمويل القطاع الخاص ودعم الاقتصاد.
وأشار إلى أنّ الاقتصادات الكبرى تتنافس اليوم لإستقطاب كبار المودعين، فيما يسير لبنان بالاتجاه المعاكس، عبر دفع أصحاب رؤوس الأموال والودائع الكبيرة إلى الرحيل بدل تشجيعهم على البقاء والمساهمة في إعادة رسملة المصارف. ويضاف إلى ذلك بند في مشروع القانون يفرض غرامة بنسبة 30% على توزيعات أرباح المصارف، بإعتبارها أرباحًا مفرطة، وهو بند من شأنه طرد المستثمرين وكبار المموّلين بدل استقطابهم.
وختم غبريل بدعوة النواب إلى التوقّف عند هذا البند ودراسته بعمق خلال مناقشة مشروع قانون الانتظام المالي، وتصحيح الشوائب الواردة فيه ليصبح قابلًا للتطبيق. وشدّد على أنّ الهدف من هذا القانون يجب أن يكون إحداث صدمة إيجابية وإعادة الثقة تدريجيًا، لا طرد كبار المودعين ورؤوس الأموال من لبنان، معتبرًا أنّ مقولة «قانون سيّئ أفضل من لا قانون» غير صحيحة، لأن نتائج القانون السيّئ ستكون كارثية.

بواسطة
ايفا ابي حيدر
المصدر
خاص- Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى