خاص- جدلية بواخر الكهرباء التركية تعود.. هل كانت أقلّ كلفة أم أكثر هدرًا؟

عاد ملف البواخر التركية التي استؤجرت لتوليد الطاقة الكهربائية إلى الواجهة مجددًا، مع توجّه وزارة الطاقة لإجراء تدقيق جنائي في هذا الملف، وسط تصاعد الحديث عن شبهات وفضائح وعمولات رافقته منذ انطلاقه.
ومن منا لا يذكر الباخرتين التركيتين «فاطمة غول سلطان» و«أورهان بيه» اللتين استأجرتهما الدولة اللبنانية في البداية لمدة ثلاث سنوات كحلّ مؤقت، ضمن خطة وزارة الطاقة الإصلاحية التي أُعلنت عام 2010. غير أنّ هذا «المؤقت» امتدّ لثماني سنوات، وبدل أن تؤمّنا كهرباء 24 ساعة على 24 كما كان مقررًا، غادرتا لبنان تاركتين خلفهما ساعات تغذية محدودة، وصلت في كثير من الأحيان إلى الصفر.
وطوال فترة وجودهما، شكّلت الباخرتان محور جدل واسع وتبادل اتهامات متواصل، بين شبهات سمسرات وعمولات وصفقات مشبوهة. واليوم، وحتى بعد مغادرتهما، لا يزال ملفهما حاضرًا كتهمة ووصمة عار، أعاد وزير الطاقة فتحها مؤخرًا من خلال إعلانه التوجه إلى إجراء تدقيق جنائي في هذا الملف.
وليس من باب الدفاع عن خيار البواخر، إلا أنّ ما ترسّخ في أذهان اللبنانيين من هذه التجربة، ورغم كل الشبهات التي أحاطت بها، هو الارتفاع النسبي في ساعات التغذية التي تراوحت بين 18 و20 ساعة يوميًا، إضافة إلى أن كلفة إنتاج الكهرباء من البواخر كانت أقل من كلفتها في مؤسسة كهرباء لبنان ومن المولدات الخاصة. فالسؤال المطروح: لماذا هذا الهجوم الدائم على البواخر؟ ولماذا لم يُقدَّم حتى اليوم أي مشروع فعّال يؤمّن ساعات تغذية طويلة للمواطنين، في وقت حلّقت فيه التعرفة وباتت من الأغلى في العالم؟
في هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي في المعهد اللبناني لدراسات السوق، المدير العام السابق للاستثمار، غسان بيضون، في حديث إلى موقع Leb Economy، إنّه لم يكن ممكنًا الاستمرار في استئجار البواخر التركية، إذ إن كلفة الاستئجار كانت كفيلة ببناء معامل كهرباء جديدة. وأشار الى أن كلفة استئجار البواخر بلغت نحو 290 مليون دولار سنويًا، فضلًا عن أن الدولة، ممثّلة بوزارة الطاقة، كانت تتحمّل أيضًا كلفة تأمين الفيول الذي تقوم البواخر بتحويله إلى كهرباء.

ويشير بيضون إلى أن استقدام البواخر حصل في فترة كان فيها الاقتصاد اللبناني بحالة جيدة، ولم تكن هناك صعوبات في الاستدانة، كما كان مطروحًا حينها تنفيذ خطة الكهرباء المعروفة بـ«ورقة سياسة قطاع الكهرباء». وقد جرى اللجوء إلى البواخر، بموافقة مجلس الوزراء، كحل مرحلي وانتقالي يتراوح بين ثلاث وأربع سنوات، يتم خلالها بناء المعامل. إلا أنّ جدلًا أُثير يومها حول آلية إجراء المناقصة واستدراج العروض، ولا سيما أن وزير الطاقة تولّى هذه الإجراءات منفردًا، من دون علم المديرية العامة للاستثمار أو مؤسسة كهرباء لبنان.
ويضيف بيضون أنه خلال تلك الفترة جرى إنجاز بناء معامل بقدرة إنتاجية تقارب 700 ميغاوات، منها نحو 450 إلى 500 ميغاوات في معمل دير عمار، إلا أن المشروع فشل نتيجة مناكفات وأخطاء سياسية، إضافة إلى ما بين 270 و300 ميغاوات في معملي الذوق والجية، اللذين يعملان على الفيول مع إمكانية تحويلهما للعمل على الغاز، وهو مشروع اعتُبر ناجحًا.
أما في ما خصّ الكلفة، فيؤكد بيضون أنها لا تُقاس بالقيمة المطلقة، بل بجدواها الاقتصادية. فدفع الأموال من دون تحقيق فائدة مستدامة يشبه استئجار منزل بدل تملّكه: أيهما أفضل، شراء معمل أم استئجاره بالكلفة نفسها؟ وبما أن عقود إنشاء المعامل لم تُستكمل، جرى التمديد لعمل البواخر بصيغة غير قانونية، إذ كان وزير الطاقة يُقدم على هذه الخطوة من دون العودة إلى مجلس الوزراء.
وعن كلفة الإنتاج، يوضح بيضون أن الاتفاقية مع البواخر التركية تنص على ألا تتجاوز كلفة الكيلوواط الواحد 14 غرام فيول، ما يعني كلفة تقارب 14 سنتًا، يُضاف إليها نحو 5.5 سنت لتحويل الفيول الى كهرباء، ليصبح المجموع حوالى 20 سنتًا للكيلوواط في الساعة. وفي تلك الفترة، كانت كلفة إنتاج الكهرباء من المولدات الخاصة تتراوح بين 30 و35 سنتًا للكيلوواط في الساعة.
ولتقييم هذه التجربة، يشدد بيضون على ضرورة مقارنتها بكلفة الإنتاج من المعامل التي كان يفترض إنشاؤها وفق الخطة المقررة، إذ كانت ستؤمّن كهرباء بكلفة أقل من البواخر، فضلًا عن أن المعامل تشكّل أصولًا ثابتة تبقى في لبنان، بينما الإنفاق على البواخر يشبه «رمي الأموال في الهواء”.
وختم: لا يجوز اعتبار أن انخفاض كلفة إنتاج الكهرباء من البواخر مقارنة بالمولدات الخاصة يعني أنها كانت خيارًا جيدًا، اذ لا يجب ان ننسى انه في خلال فترة بقائها في لبنان كان يجب تنفيذ خطة بناء المعامل التي كانت ستوفر في كلفة الانتاج من جهة، وتعديل تعرفة الكهرباء من جهة أخرى، لكن شيئا من هذه لم يحصل، ما أبقى النزف في الخزينة مستمرًا وأدّى لاحقًا إلى الانهيار المالي. فعمليًا، جرى اللجوء إلى سلف خزينة لتغطية كلفة استئجار البواخر وثمن الفيول، ما أنهك المالية العامة وساهم بشكل مباشر في الانهيار.



