أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

طبخة بحص “البطاقات التموينية” لم تنضج بعد…واللبنانيون تحت مقصلة رفع الدعم وجنون الاسعار!

كتبت سلوى بعلبكي في جريدة “النهار”:

منذ ان اعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مطلع أيلول الماضي ان الاحتياط المتبقي لديه والقابل للاستعمال لا يتجاوز الملياري دولار، كثر الحديث عن آلية بديلة قد تكون على شكل بطاقة تموينية مدعومة توزع على المواطنين أو على الفئات الأكثر فقراً. هذا الامر عاد وشدد عليه سلامة بوضوح في الاجتماع الاخير مع جمعية المصارف، إذ اكد أنه أبلغ الحكومة بعدم المسّ بالاحتياط الإلزامي لديه بالعملات الأجنبية لأغراض الدعم، ما يتيح الدعم عمليا لشهرين أو ثلاثة أشهر للمواد الأساسية وتحديداً المحروقات والقمح والدواء بسعر صرف 1500 ليرة للدولار وللمواد الغذائية بسعر صرف 3900 ليرة للدولار. إلا أن تمنّي الحاكم أن تنجز الحكومة مقترح البطاقات لحماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر انكشافاً على الأوضاع المعيشية، جاء ليؤكد معلومات “النهار” ان لا شيء واضحاً بعد في هذا الموضوع، وأن النقاشات الجدية لم تأخذ مجراها حتى الآن … “ثمة تصورات كثيرة ولكن لا شيء جدياً على الورقة والقلم”، وفق ما تؤكد مصادر رسمية، وتاليا كل ما يقال يبقى طبخة بحص لا تطعم جائعاً ولا تستر كرامة فقير.

هذا الواقع فتح باب التخوف من احتمال قوي لرفع الدعم في نهاية السنة من دون ان تقابله آلية عملية وواضحة لمساعدة الطبقة الفقيرة، بما سيؤدي حتما الى كارثة اجتماعية لا يحمد عقباها، خصوصاً ان الأسعار سترتفع في حال بقي سعر صرف الدولار على حاله (نحو 8000 ليرة) أو ارتفع أكثر من ذلك.

لقد بات معلوماً أن هدف مصرف لبنان من اعتماد سياسات الدعم للمحروقات والقمح والادوية والسلع الغذائية الاساسية، هو أولاً ضبط أسعار هذه السلع وعدم ارتفاعها على نحو جنوني مع ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، خصوصاً انها سلع تمس حياة الناس ومعيشتها، وثانياً ضبط سعر صرف الدولار وتقليص الطلب عليه في السوق الموازية، فمصرف لبنان يتولى تأمين 90% من الدولارات لشراء المحروقات والادوية والقمح بسعر صرف 1500 ليرة. كما انه يدعم سلة من المواد الغذائية الاساسية عند سعر صرف 3900 ليرة للدولار الاميركي، وكلفة استيراد المواد الاساسية والسلة الغذائية تتجاوز الـ 7 مليارات دولار.

إلا ان سياسات الدعم واجهت استنزافاً كبيراً من جراء التهريب الحاصل على الحدود للمواد الاساسية المدعومة، فالدعم ادى الى ان تصبح اسعار هذه السلع متدنية جدا بالنسبة الى دول الجوار، وشكلت هدفاً للمهربين لتحقيق مكاسب مرتفعة. على سبيل المثال، كان سعر صفيحة المازوت يوازي سبعة دولارات قبل الازمة، أما في الوقت الحاضر فأصبح يوازي دولاراً ونصف دولار، بما ادى الى زيادة حركة التهريب عبر الحدود وتضرر سياسات الدعم المعتمدة، وهذا ما ابرزته بصورة جلية كميات المحروقات المستوردة، والتي تفوق حاجة لبنان الى الاستهلاك، فيما قُدرت الخسائر التي يتكبدها مصرف لبنان من جراء التهريب بملياري دولار سنويا.

الخبير في الشؤون المالية والاستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور مروان القطب، أكد ان “استمرار الدعم على الوتيرة عينها امر شبه مستحيل، وستشهد الايام المقبلة تغييراً في هذه السياسة، فالدعم الشهري الذي يتكبده مصرف لبنان هو في حدود الـ 700 مليون دولار اميركي، ما يعني ان استعمال الاحتياط على الوتيرة نفسها لا يكفي سوى لثلاثة اشهر على أبعد تقدير، وهذا الامر يدفع الى طرح سيناريوات تخفيف الدعم على المدى القصير في اتجاهات عدة: على صعيد المحروقات، فان المطروح تخفيف الدعم من 90% الى 65%، وهذا الامر يؤدي الى ان يلامس سعر صفيحة البنزين 45 ألف ليرة. وعلى صعيد الادوية هناك دعوة الى ان يكون الدعم على اساس سعر صرف الدولار 3900 ليرة وليس 1500 ليرة، ما يعني زيادة أسعار الادوية بصورة تتجاوز الضعفين، مع بقاء دعم القمح الذي لا تتجاوز كلفته السنوية 150 مليون دولار”.

ماذا عن مستوى الاسعار عند رفع الدعم كليا؟ يجدد القطب التأكيد ان “سياسة الدعم الحالية لا يمكن ان تستمر، وسياسة التخفيف علاج موقت لشراء الوقت، وعلى ما يبدو ان الحلول الاقتصادية والسياسية لا تلوح في الأفق، ما يعني اننا مقبلون على سياسات رفع الدعم على المدى المتوسط، وستكون لها آثار سلبية على اسعار السلع الاساسية، إذ من المتوقع ان يصبح سعر صفيحة البنزين إذا ما رُفع الدعم في حدود الـ 70 ألف ليرة على أساس سعر صرف الدولار بـ 8000 ليرة وبرميل النفط بـ 40 دولاراً، وكلما ارتفع سعر الدولار ارتفع سعر الصفيحة، واذا ما ارتفع سعر برميل النفط الى حدود الـ 60 دولاراً، كما هو متوقع في الاشهر المقبلة، يصبح سعر صفيحة البنزين 100 ألف ليرة”. وهو ما أشارت اليه “الدولية للمعلومات” التي استنتجت أنه “تبعاً لأسعار النفط الحالية ولجدول تركيب الأسعار الصادر عن وزارة الطاقة والمياه الأربعاء في 23 أيلول 2020، وفي حال رفع الدعم واستقرار الأسعار عالمياً وبقاء الرسوم وعمولة أصحاب المحطات واجور النقل والتوزيع على حالها، مع اعتماد سعر 8000 ليرة للدولار، سيصبح سعر 20 ليتراً من البنزين 69,337 ليرة بينما هو الآن 24,600 ليرة، أي سيرتفع بمقدار 44,737 ليرة وبنسبة 182%، وقد ينخفض الى 57,940 ليرة في حال الغاء رسوم الدولة وخفض عمولة صاحب المحطة من 5,800 ليرة الى 1,900 ليرة”.

أما بالنسبة الى أسعار الادوية، فإنها سترتفع على الاقل 5 أضعاف اذا لم تُعتمد اي سياسات دعم، الا أن القطب يتوقع “اعتماد سياسات دعم لبعض الادوية التي ترتبط بالامراض المزمنة والمستعصية، وتبقى باقي الادوية خاضعة لسعر الدولار القائم في السوق الموازية”.

“المشكلة الاساسية في رفع الدعم تكمن في انتقال الطلب على الدولار لتأمين السلع الاساسية والسلة الغذائية من مصرف لبنان الى السوق الموازية، فكلفة تأمين هذه السلع تصل الى 7 مليارات دولار، وفي حال انتقال هذا الطلب الى السوق الموازية، فانه حكماً سيؤدي الى ارتفاع سعر صرف الدولار بصورة جنونية لا احد يستطيع ان يتوقع الحد الذي يمكن ان يصل اليه”، وفق ما يقول القطب، “مع الاخذ في الاعتبار أن السوق الموازية هي سوق غير منظمة كمصرف لبنان والمصارف، وتأمين الدولار من خلالها غير مضمون بصورة مستمرة وفي الوقت الذي يحتاج اليه المستورد، ما يعني حدوث انقطاع للسلع الاساسية من حين الى آخر، عدا عن نشوء اسواق سوداء تستغل الظروف بهدف تحقيق مكاسب على حساب المواطن ولقمة عيشه، ومن المحتمل في ظل الظروف التي ستنتج من رفع الدعم ان يطلب المواطن السلع ولا يجدها”.

هذا على مستوى الاسعار. ولكن ما هي الآثار التي يمكن ان تترتب على قرار رفع الدعم عن مختلف القطاعات؟
وفق القطب “سيكون لرفع الدعم آثار اقتصادية سلبية على قطاعات عدة:
قطاع النقل: من المتوقع ارتفاع أجور نقل البضائع، وتاليا ارتفاع اسعار السلع المختلفة، وارتفاع اجور نقل الاشخاص في الداخل، وكلفة التنقل بالنسبة الى الموظفين للوصول الى عملهم.

قطاع الطاقة: زيادة كلفة انتاج الطاقة من خلال المولدات بصورة كبيرة مما يشكل زيادة في الاعباء على المواطنين، كما ستؤدي الى زيادة الاعباء على مؤسسة كهرباء لبنان نتيجة زيادة كلفة انتاج الطاقة الكهربائية وتالياً زيادة عجزها.
القطاع الصحي: زيادة كلفة الاستشفاء في المستشفيات العامة والخاصة، خصوصا ان المستلزمات الطبية تتلقى حاليا الدعم بنسبة 50% من مصرف لبنان، عدا عن ارتفاع كلفة الادوية المختلفة، ويُتوقع تعثّر عدد كبير منها.

المؤسسات الضامنة التي تقتطع اشتراكات من رواتب العاملين في القطاعات المختلفة وهي بالليرة اللبنانية، وتاليا فإن زيادة الاعباء عليها ستكون مرتفعة، بما يجعل احتمال تعثّرها كبيراً جداً”.
ويخلص القطب الى القول: “اننا مقبلون على مرحلة حرجة جداً تداعياتها قد تكون كارثية، إن لم توضع الحلول السريعة للازمة الاقتصادية والنقدية القائمة”.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى