من غرينلاند إلى غوام.. تاريخ الطموح الأميركي الطويل للسيطرة على الجزر

أعاد سعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضم جزيرة غرينلاند إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من طموحات الولايات المتحدة تجاه الجزر. ويكرر البيت الأبيض التأكيد على اهتمام ترمب بجعل غرينلاند “مركزاً أميركياً” في القطب الشمالي، سواء عبر شراء الجزيرة من الدنمارك أو عبر اتفاقية ارتباط حر (COFA) تمنح واشنطن وجوداً عسكرياً وتجارياً موسعاً دون ضم كامل.
ورغم أن حكومة غرينلاند رفضت مراراً فكرة الانضمام للولايات المتحدة، فإن ترمب اعتبر هذه الجزيرة الغنية بالموارد هدفاً ضرورياً لأمن بلاده القومي في مواجهة النفوذ الروسي والصيني.
هذا التوجه ليس الأول من نوعه؛ إذ سبق أن حاولت واشنطن شراء غرينلاند بعد الحرب العالمية الثانية عام 1946 مقابل 100 مليون دولار ذهباً، بل وفكرت حتى في مبادلتها بأراضٍ في ألاسكا، قبل أن تكتفي في النهاية بإقامة قواعد عسكرية بموجب اتفاق دفاعي مع الدنمارك.
هذه المساعي تعيد التذكير بتاريخ أميركي حافل بالسيطرة على جزر، مع استراتيجيات متباينة لتحقيق ذلك، سواء عبر القوة العسكرية المباشرة أو الشراء والمعاهدات.
قانون “جزر الغوانو” 1856 والجزر النائية الصغيرة
واشنطن امتلكت منذ منتصف القرن التاسع عشر “آلية قانونية” تسمح بفرض سيطرة على جزر صغيرة خارج القارة، وهو قانون جزر الغوانو لعام 1856. هذا القانون أتاح لمواطنين أميركيين ادعاء جزر “غير مأهولة وغير خاضعة لسيادة دولة أخرى” إذا احتوت على رواسب الغوانو، ثم تُمنح تلك الجزر لاحقاً وضعاً أميركياً بحكم القانون، مع صلاحيات للرئيس لحمايتها.
من هذه الموجة خرجت مطالبات شملت جزراً نائية في الكاريبي والهادئ، وبعضها بقي ضمن ما يُعرف اليوم بـ”الجزر الأميركية النائية الصغيرة”، بينما ظلت جزيرة نافاسا مثلاً تحت سيطرة فعلية أميركية رغم استمرار النزاع حولها.
التوسع عام 1898: حرب إسبانيا وأول إمبراطورية أميركية
شهد عام 1898 نقطة تحول في بزوغ النفوذ الأميركي وراء البحار. فبعد انتصار الولايات المتحدة في الحرب الإسبانية-الأميركية في ذلك العام، أجبرت معاهدة السلام إسبانيا على التخلي عن مستعمراتها في الكاريبي والمحيط الهادئ. حصلت الولايات المتحدة بموجب المعاهدة على سيادة كل من جزيرة بورتوريكو في الكاريبي وجزيرة غوام في المحيط الهادئ، كما اشترت الفلبين من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار
كذلك استغلت واشنطن أجواء الحرب لتحقق حلماً قديماً بضم جزر هاواي في وسط المحيط الهادئ؛ إذ كانت مملكة هاواي قد شهدت انقلاباً مدعوماً من مُلاك المزارع المؤيدين للولايات المتحدة عام 1893، لكن تردد الإدارات السابقة أخر الضم. في أغسطس 1898، مع اشتداد الحمى التوسعية، صدق الكونغرس الأميركي على قرار مشترك بضم هاواي كإقليم تابع للولايات المتحدة.
رأى أنصار الضم آنذاك أن هاواي ذات قيمة استراتيجية لأسطول البحرية وقاعدة للتجارة باتجاه آسيا، إلى جانب تخوفهم من أن تستولي عليها قوى أخرى إذا تقاعست واشنطن.
وهكذا، مع نهاية 1898، أصبحت الولايات المتحدة قوة استعمارية تمتلك أراضي عبر البحار، وباتت تتمتع بنفوذ في البحر الكاريبي وبوابة إلى أسواق آسيا.
بالتوازي، ورغم تعهدها بعدم ضم كوبا إثر الحرب مع إسبانيا، فرضت واشنطن على الدولة الكوبية المستقلة حديثاً تعديل بلات 1901 الذي منحها حق التدخل في شؤون كوبا واستئجار قاعدة خليج غوانتانامو بشكل أبدي تقريباً. وبموجب اتفاق 1903 بين الرئيس ثيودور روزفلت وكوبا، حصلت الولايات المتحدة على عقد إيجار دائم لمساحة 45 ميلاً مربعاً في غوانتانامو لإقامة محطة فحم وقاعدة بحرية حيوية.
إنه بمثابة وضع شبه استعماري أبقى موطئ قدم أميركي على التراب الكوبي حتى اليوم.
مطلع القرن العشرين: صفقات واحتلالات في المحيط الهادئ والكاريبي
بعد 1898، واصلت الولايات المتحدة توسعها بطرق شتى. ففي جنوب المحيط الهادئ، تصادمت مصالحها مع قوى استعمارية أخرى في جزر ساموا. وبحلول عام 1899، انتهت الأزمة الساموية باتفاق دولي بين واشنطن وبرلين ولندن على تقسيم الأرخبيل. نالت ألمانيا السيطرة على الجزيرتين الكبريين أوبولو وسافايي، فيما حصلت الولايات المتحدة على الجزر الشرقية توتويلا ومانوا التي تكون اليوم إقليم ساموا الأميركي.
جاء هذا التقسيم بعد سلسلة مواجهات كادت تفضي إلى صراع أوسع، حيث احتشدت آنذاك بوارج أميركية وألمانية وبريطانية في ميناء آبيا بساموا في استعراض للقوة خلال المفاوضات.
وإلى جانب ساموا، كانت واشنطن قد بدأت حتى قبل ذلك بوضع يدها على جزر صغيرة غير مأهولة لأغراض استراتيجية؛ فمنذ ستينيات القرن التاسع عشر، جرى ضم جزيرة ميدواي النائية في المحيط الهادئ لتكون أولى الجزر التي تُسيطر عليها خارج القارة الأميركية عام 1867، سعياً لاستخدامها محطة تزود بالوقود للفحم.
ومن الجزر التي تكشف منطق “شبكة المحطات” في المحيط الهادئ جزيرة ويك. فبعد ضم هاواي والحصول على غوام والفلبين، بدأت واشنطن تنظر إلى ويك، الواقعة تقريباً في منتصف الطريق بين هاواي ومانيلا، كمرشح لمحطة كابلات واتصالات ونقطة تزود للسفن. وفي يناير 1899 أُعلنت رسمياً تحت السيادة الأميركية، في إطار بناء سلسلة نقاط ارتكاز تعزّز حركة البحرية والتجارة عبر المحيط، حتى لو لم تتحول الجزيرة إلى مركز مدني كبير. كانت “ويك” في هذا الإطار جزءاً من هندسة نفوذ بحري لا يقوم على جزيرة واحدة، بل على سلسلة جزر تُغلق الفراغات بين القواعد الكبرى.
في منطقة البحر الكاريبي، تبنت الولايات المتحدة نهجاً أكثر صرامة لتأمين نفوذها. تحت مظلة مبدأ مونرو وذريعته “أميركا للأميركيين”، تدخلت واشنطن مراراً في دول الجوار . فبين 1906 و1924، قامت القوات الأميركية باحتلال مؤقت لكل من كوبا (عدة مرات) وجمهورية الدومينيكان وهايتي، تحت شعار حفظ الاستقرار ومنع التدخل الأوروبي.
وعملياً، حولت تعديلات ومعاهدات تلك الحقبة بعض هذه الدول إلى محميات أميركية غير رسمية؛ إذ أصبح للولايات المتحدة اليد العليا في شؤونها المالية والأمنية.
على سبيل المثال، وُضعت جمهورية الدومينيكان تحت إدارة مالية أميركية تامة تضمن سداد ديونها وتحفظ مصالح المستثمرين الأميركية، بل وأعطت واشنطن الحق بالتدخل العسكري بحجة حماية نظام جباية الجمارك هناك.
وبالمثل، استمر احتلال هايتي من 1915 إلى 1934، ولم تنته السيطرة الأميركية على اقتصادها إلا في 1947.
منازل في حي سيتي سوليه في العاصمة بور أو برنس، هايتي
شراء الجزر الدنماركية: ضغط القوة الناعمة والصلبة
من أبرز صفقات التوسع الأميركية كانت شراء جزر الهند الغربية الدنماركية عام 1917، التي باتت تُعرف لاحقاً باسم جزر العذراء الأميركية (US Virgin Islands). فبعد مفاوضات ماراثونية امتدت لنصف قرن، استغلت الولايات المتحدة ظرف الحرب العالمية الأولى وخوفها من مطامع ألمانيا في الكاريبي لتضغط على الدنمارك. وافقت كوبنهاغن أخيراً على بيع جزر سانت توماس وسانت جون وسانت كروا مقابل 25 مليون دولار من الذهب، وتم نقل السيادة رسمياً في 31 مارس 1917 فيما يُعرف بـ”يوم التحويل”.
وتكشف وثائق نقلتها وسائل إعلام أن واشنطن لوحت بالخيار العسكري لإجبار الدنمارك المحايدة على القبول، إذ هددت ضمنياً باحتلال الجزر إن لم يتم التوصل إلى اتفاق.
كان الرئيس وودرو ويلسون يبرر الصفقة بحماية تلك الجزر قليلة السكان من وقوعها في أيدي قوة معادية (ألمانيا)، معتبراً أنها تشكل نقطة استراتيجية قرب الممرات البحرية وقناة بنما.
وتشير تحليلات تاريخية حديثة إلى أن الإدارة الأميركية آنذاك لم تكتف بجزر الدنمارك، بل حاولت أيضاً بشكل غير ناجح التفاوض مع بريطانيا وفرنسا لشراء جزر أخرى مثل جامايكا وترينيداد لتوسيع نطاق نفوذها في الكاريبي.
هكذا، جمعت واشنطن بين القوة الناعمة (الدبلوماسية والمال) والتهديد العسكري الضمني لتحقيق غاياتها التوسعية؛ وكتب المؤرخ الراحل إسحاق دوخان في عدد عام 1975 من دراسات الكاريبي، أن الصفقة كانت نتيجة تقاطع رغبة أميركية متصاعدة في الإمبريالية مع أفول الشهية الاستعمارية لدى الدنمارك.
ما بعد الحرب العالمية الثانية: الوصاية الدولية والارتباط الحر
أفضت هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية إلى انتقال سيطرة العديد من جزر المحيط الهادئ إلى الولايات المتحدة تحت مظلة دولية. فقد منحت الأمم المتحدة واشنطن عام 1947 تفويضاً لإدارة إقليم “وصاية جزر المحيط الهادئ” الذي شمل أرخبيل جزر مارشال وميكرونيزيا وبالاو إلى جانب جزر ماريانا (باستثناء غوام).
أدارت الولايات المتحدة تلك الجزر الاستراتيجية نيابة عن الأمم المتحدة، وتعهدت بإعدادها للاستقلال أو الحكم الذاتي. وخلال فترة الوصاية هذه، استغلت واشنطن بعض تلك المناطق لأغراض عسكرية؛ أبرزها جزر مارشال التي أصبحت موقعاً لسلسلة من التجارب النووية الأميركية بين 1946 و1958 بلغ عددها 67 تجربة نووية، ما خلف آثاراً بيئية وصحية ما زالت قائمة حتى اليوم. وفي ذروة الحرب الباردة، أدركت الولايات المتحدة أهمية هذه المواقع المتقدمة لتعزيز دفاعاتها في المحيط الهادئ.
مع انتهاء فترة الوصاية تدريجياً، اختارت بعض الجزر الاندماج في الكيان الأميركي بينما اختار البعض الآخر الاستقلال مع ارتباط خاص. فقد اختار سكان جزر ماريانا الشمالية عام 1975 إقامة كومنولث سياسي مرتبط بالولايات المتحدة بدلاً من الاستقلال التام؛ فأبرم “عهد الاتحاد” الذي جعل من ماريانا إقليماً تابعاً يتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الأميركية.
بالمقابل، سلكت كل من جزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الفيدرالية وبالاو طريق الاستقلال بين 1986 و1994، ولكن ضمن إطار فريد هو اتفاقيات الارتباط الحر (COFA). هذه الاتفاقيات، التي عُقدت لأول مرة في الثمانينيات ثم جُددت لاحقاً، تمنح الدول الصغيرة المستقلة ضمانات أمنية ودعماً مالياً وتنموياً أميركياً مقابل السماح للجيش الأميركي بحرية الوصول الكامل لأراضيها ومياهها.
وبموجبها تلتزم واشنطن بالدفاع عن تلك الدول وجعلها شريكة في برامج وخدمات أميركية عديدة، فيما يستفيد مواطنوها من امتيازات مثل حرية العمل والإقامة في الولايات المتحدة والتجارة المعفاة من الجمارك.
عملياً، حافظت هذه الدول على استقلالها السياسي، لكنها أرست علاقات خاصة تجعلها ضمن المدار الاستراتيجي الأميركي في المحيط الهادئ، حتى أن البعض يطلق عليها اسم “الدول المرتبطة حراً” ضمن المنظومة الأميركية.
ولا تزال هذه الترتيبات سارية حتى اليوم (مع اتفاقات تمتد لعدة عقود قابلة للتجديد)، ما يضمن لأميركا وجوداً عسكرياً أمامياً قرب خطوط الصين وطرق الملاحة الحيوية في آسيا.



