قانون الفجوة المالية: 3 بوابات إلزامية لتحقيق النتيجة (الاخبار ٣٠ كانون الاول )
في لبنان، ليست أزمة الودائع أزمة أرقام فقط. إنّها، قبل أي شيء آخر، أزمة ثقة. والسبب بات معروفاً: كلّ وعد جديد يسمعه المودِع يستحضر تلقائياً سلسلة وعود سابقة لم تُنفَّذ، وخططاً أُعلنت ثم تبخّرت، وجداول زمنية تحوّلت إلى أدوات تسويف. من هنا، لا يمكن مقاربة مشروع قانون الفجوة المالية كونه مجرد آلية دفع أو برنامج تقسيط، بل بوصفه الإطار القانوني الذي يقرّر، للمرة الأولى، كيف تُعرَّف الفجوة أصلاً، وكيف تُقاس، وكيف تُوزَّع خسائرها، وبأي تراتبية، وبأي أدوات، وعلى أي موارد.
قانون الفجوة هو الذي يحدّد الحدّ الأدنى المحمي من الودائع وكيف يُحتسب، ومن أين يأتي تمويله، وما الذي يُدفع نقداً وما الذي يُحوَّل إلى أدوات مالية بعيدة الاستحقاق. وما طبيعتها القانونية، ومن هو المدين بها، وما هي الموارد التي ستُستخدم للسداد. والأهم: هو الذي يكرّس أو يفرّغ مبدأ تراتبية الحقوق، أي القاعدة التي تمنع تحويل المودِع إلى ممتصّ خسائر قبل المساهمين وأصحاب الامتياز ومن استفادوا من النظام المنهار.
من هنا، لا يكفي أن يتضمن القانون جداول سداد تمتد أربع سنوات هنا، وعشر سنوات هناك، وعشرين سنة في مكان ثالث. فالمشكلة ليست في طول المدة وحده، بل في أن هذه الجداول، إذا لم تُبنَ على حقيقة مالية مُدقَّقة، وعلى مراجعة نوعية للأصول، وعلى حوكمة تمنع الاستثناءات والتسييس، تتحوّل إلى تصميم سياسي قابل للتعديل والتعليق والالتفاف. عندها تصبح المهل الزمنية مساحة جديدة للإنكار، لا جسراً للحقوق.
والأخطر أنّ أي تحسّن اقتصادي محتمل، إذا لم يُترجم قانوناً إلى التزام مُلزِم، يبقى مجرّد خطاب قابل للتراجع عنه عند أول أزمة سياسية أو مالية. فالقانون، لا النيات، هو ما يضمن أن يتحوّل التحسّن إلى حقوق، لا إلى وعود جديدة.
من هنا تبرز الحاجة إلى إدخال مكوّن استشرافي واضح في قانون الفجوة المالية، يمكن تسميته «بند التسريع». فطالما تقول الحكومة إنّها تتجه إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، وإنّ هذا المسار سيُحسّن الظروف الاقتصادية ويزيد القدرة على الإيفاء للمودعين، فمن البديهي أن يُترجم هذا الكلام إلى نص قانوني يحوّل التحسّن إلى التزام تلقائي، لا إلى قرار سياسي ظرفي.
هذا البند ليس تفصيلاً تجميلياً، بل أداة لإعادة بناء الصدقية. قانون يبدأ بخطة سداد محافظة تحمي الاستقرار وتتفادى المغامرة، لكنه يتضمن آلية تلقائية تُسرّع السداد فور تحقق شروط موضوعية قابلة للقياس والتدقيق.
الفكرة بسيطة في جوهرها: بدل أن نعود كل سنة إلى السؤال نفسه – هل تحسّن الوضع؟ هل يمكن التسريع؟ – يصبح التسريع حقاً قانونياً للمودع عند تحقق الشروط. لا يعد القانون بمعجزة، لكنه يعد بشيء أكثر أهمية: إذا تحققت المؤشرات، فلن يحتاج المودِع إلى انتظار قرار سياسي أو مزاج حكومي. التسريع يصبح تلقائياً وملزِماً.
كيف يُكتب ذلك عملياً؟
اختبار البوابات الثلاث، وهي شروط متلازمة تُفتح سوية:
البوابة الأولى هي بوابة صندوق النقد الدولي:
اتفاق على مستوى الخبراء، ثم موافقة مجلس الإدارة، ثم وصول الدفعة الأولى. هذه البوابة لا تشكّل ضمانة كافية وحدها، لكنها تضع لبنان على سكة إصلاحية خاضعة لمراقبة خارجية. غير أنّ التجربة اللبنانية أثبتت أنّ الختم الخارجي لا يغني عن الحقيقة الداخلية.
البوابة الثانية، وهي بوابة الحقيقة المحلية:
لا تسريع من دون تدقيق مالي منشور وموثوق في حسابات مصرف لبنان والمصارف التجارية، ولا تسريع من دون مراجعة نوعية للأصول مصرفاً بمصرف. فلا يجوز فرض معاملة موحّدة على مصارف غير متساوية، فيُظلم مودعون في مصرف قادر نسبياً، ويُكافَأ فشل مصرف آخر على حساب الجميع. هذه البوابة تعني أمراً واحداً: قبل اختصار السنوات، يجب أن نعرف من يستطيع الدفع، ومن لا يستطيع، وما يجب أن يُعاد هيكلته أو تصفيته، وأن نثبت ذلك بوثائق لا بخطب.
البوابة الثالثة، وهي متصلة بالقدرة الفعلية على الدفع:
هنا لا يكفي القول إنّ الاقتصاد يتحسّن. المطلوب شهادة مستقلة بأن مصادر السداد موجودة، مُسيّجة، ومخصّصة للمودعين، ومختبرة عبر اختبارات ضغط جدّية. فإذا كان تسريع السداد سيموَّل عبر طباعة نقدية، أو عبر هندسات تُعيد التضخم وتكسر سعر الصرف، يصبح التسريع خدعة جديدة تُعطي الخسارة اسماً آخر.
عند تحقق هذه البوابات الثلاث معاً، ينتقل القانون تلقائياً من الجدول الأساسي إلى جدول رديف مُسرَّع. فتُختصر، مثلاً، مدة سداد الشريحة المحمية من أربع سنوات إلى سنتين، وتُقصَّر آجال الأدوات الطويلة من عشر سنوات إلى خمس، وهكذا. الأرقام قابلة للتعديل، لكن المبدأ ثابت: التسريع ليس كرم دولة، بل نتيجة قانونية لتحقق شروط موضوعية.
الأهم أنّ هذا التسريع يجب أن يكون تلقائياً لا تقديرياً. لا وزير، ولا حكومة، ولا تعميم إدارياً يجب أن يملك سلطة تعطيله أو تفريغه من مضمونه. لبنان غرق طويلاً في سلطة التعميم والاستثناء، والمودِع يعرف أنّ الاستثناء هو المقبرة التي تُدفن فيها الحقوق.
وتبقى الضمانة الحاسمة: قفل تراتبية الحقوق. لا يجوز استخدام التسريع ستاراً لمخالفة هذه التراتبية، أو لتحميل المودعين خسائر قبل استنفاد رساميل المساهمين ومعالجة مسؤوليات من استفادوا من النظام. التسريع الحقيقي هو الذي يُسرّع العدالة أيضاً، لا الذي يُسرّع التصفية على حساب الضحية.
قد يُقال إنّ في ذلك مخاطرة على الاستقرار. لكن الواقع عكس ذلك تماماً. هذا البند يوازن بين الحذر والعدالة: يبدأ بخطة محافظة، لكنه يبني جسراً قانونياً يربط التحسّن بالحقوق. وبهذا، يصبح قانون الفجوة المالية أقل شبهاً بتسوية سياسية، وأكثر شبهاً بعقد اجتماعي مشروط بالحقائق ومحصَّن بالحوكمة.
في النهاية، المودِع لا يريد شعارات عن قدسية الودائع، ولا تهديدات من نوع «خذ ما نمنحك أو لا شيء». يريد معادلة واضحة: إذا تحسّنت الظروف فعلاً، سيختصر القانون الزمن تلقائياً، وستعود الحقوق أسرع، من دون مزاج سياسي ولا مساومات. هذه هي الصدقية التي يحتاجها لبنان. لأن ما ينقصه ليس الكلام، بل أن يتحوّل أي تحسّن إلى التزام، وأي وعد إلى مادة مُلزِمة، وأي برنامج إنقاذ حقيقي إلى حقوق تُستعاد بساعة توقيت القانون، لا بحسن النيات.



