الميثاقية لا تشمل ملف تفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية (الاخبار ١٥ كانون الاول )

تصدّر ملف تفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية جلسات مجلس الوزراء أخيراً، وكان محور نقاشات القوى السياسية، وأثيرت تساؤلات حول ما اذا كان يخضع لنظام الموظفين العموميين ما يؤول إلى إدراجه ضمن التعيينات الطائفية. الا أنه في قراءة متأنّية للنصوص نرى خروجه عن هذه الاعتبارات للأسباب الآتية:
– أساتذة الجامعة اللبنانية، وفق المادة ٣٥ من قانون تنظيمها، خاضعون لنظام الموظفين وللأحكام الخاصة في قانون تنظيم الجامعة. هذه الإزدواجية تجري ترجمتها في خضوع طرق ومفاعيل التفرّغ أو التعيين لنظام الموظفين، وفي انتماء الأساتذة، في آنِ، إلى نظام خاص في شأن شروط التعيين في الوظيفة العامة، حيث تؤول إلى خروج الأساتذة عن الفئات الوظيفية الملحوظة في نظام الموظفين تبعاً لاختلاف شروط تعيين الموظفين في الإدارات العامة عن تلك المطلوبة في تعيين اساتذة الجامعة، لا سيما أن المادة ١٠ من قانون رقم ٤٤/٢٠١٧ والمادة ٢٢ من قانون رقم ٦٦٥/١٩٩٧ استثنتا أساتذة الجامعة من واجب الاستقالة فور الترشح للانتخابات النيابية أو البلدية، ما يعني أن شرط التوازن الطائفي في وظائف الفئة الأولى لا يسري على الأساتذة، لكونهم صُنفوا ضمن هيكلية خاصة: اساتذة، اساتذة مساعدون، اساتذة معيدون، انسجاماً مع مبدأ ذي قيمة دستورية معمول به في فرنسا، وهو مبدأ استقلالية اساتذة التعليم الجامعي أو العالي، بدليل أن مجلس شورى الدولة، في قرار رقم ١٧١/٢٠٠٢، جاء في حيثيته حرفياً: «بما ان قانون تنظيم الجامعة اللبنانية لا يتضمن أحكاماً خاصة تتناول كيفية تحديد تعويض الاساتذة المتفرغين المصروفين من الخدمة، يقتضي الرجوع الى الاحكام العامة الواردة في قانون الموظفين والمتعلقة بالمتعاقدين». ويُستشفّ من هذا القرار أن أحكام قانون الموظفين العموميين تُطبَّق على الجامعة فقط في الحالة التي يُغفِل فيها قانون تنظيم الجامعة الأحكام الخاصة، في حين أن توصيف الفئة الوظيفية لأساتذة الجامعة وارد صراحةً، ما يستوجب استبعاد تطبيق أحكام نظام الموظفين في ما يتعلّق بالفئات الوظيفية
– نصّ المادة ٩٥ دعا إلى الغاء التمثيل الطائفي، واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات الأمنية والعسكرية والمؤسسات العامة باستثناء وظائف الفئة الأولى، وهو يعني أن الوفاق الوطني قضى بإخراج الوظيفة العامة، باستثناء الفئة الأولى، عن الطائفية، وأنشد الاختصاص والكفاءة وفق ما تؤكد المادة ١٢ من الدستور، واستثنى، في الوقت نفسه، وظائف الفئة الأولى من هذه القاعدة بما لا يقوّض الاختصاص والكفاءة.
ويصمد هذا التحليل أمام ما جاء حرفياً في قرار مجلس شورى الدولة رقم ٦٢٦/٢٠٠٤، الذي نصّ على أن «هذا التمييز بين وظائف الفئة الأولى وسواها من الوظائف العامة يعبّر بوضوح عن إرادة المشرّع في حصر قاعدة التوازن الطائفي الدقيق، التي كانت معتمدة سابقًا في وظائف الفئة الأولى دون غيرها، واعتماد قاعدة جديدة مرنة في سائر الوظائف العامة تعتمد على الاختصاص والكفاءة وفقًا لمقتضيات الوفاق الوطني.
ويجب ألا يقوم تطبيق هذه القاعدة الجديدة على التوازن الطائفي والحسابي الدقيق المعتمد سابقاً لكل مشروع مرسوم أو قرار على حدة، وإلا لما كان لتعديل أحكام المادة ٩٥ أي مفعول، وللتمييز بين وظائف الفئة الأولى وسائر الوظائف العامة، لا سيما أن مقتضيات الوفاق الوطني هي التي أملت الغاء طائفية الوظيفة واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة»، مما يعني أن الوفاق الوطني يملي إخراج الوظيفة العامة عن الطائفية ولو باستثناء الفئة الأولى، لا تكريسها أكثر، إعمالا بالتعديل الدستوري الجديد، مما يجيز الاستنتاج باستثناء ملف اساتذة الجامعة اللبنانية، كفئة وظيفية خاصة، عن القيد الوارد في المادة ٩٥.
– تنص “الفقرة «ي» من مقدمة الدستور على أن «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك»، ما يمنع السلطات من العبث بحقوق الطوائف الّتي كفلتها قواعد النظام الدستوري، وتحديداً الأعراف والمواد الدستوريّة ولا سيما منها: احترام نظام الأحوال الشخصيّة والمصالح الدينية (المادة 9)، حق إنشاء المدارس الخاصة للطوائف (المادة 10)، استحداث مجلس شيوخ عند انتخاب مجلس نيابي وطني لا طائفي (المادة 22)، المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب (المادة 24)، تمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الحكومة ومراعاة التوازن الطائفي في وظائف الفئة الأولى خلال المرحلة الانتقاليّة (المادة 95)، التوزيع الطائفي للرؤساء الثلاثة (عرف دستوري مكمّل)، ما يعني أن كلّ محاولة تهدف إلى انتهاك الحقوق السالف ذكرها هي، في النتيجة، تعدٍ على قواعد الميثاقيّة. لكن، وبما أن تفريغ اساتذة الجامعة لا يعتبر انتهاكا لأيّ حق من حقوق الطوائف، فليس معقولا القول إنه يخالف الميثاقية!
جرّاء ما تقدّم، يتبين لنا أن ملف تفرّغ اساتذة الجامعة يخرج عن دائرة التوازن الطائفي، ويدخل في إطار القاعدة الأصلية التي أرستها المادة ١٢ من الدستور لجهة مبدأي الاختصاص والكفاءة، حفاظاً على ما جاء به التعديل الدستوري الجديد، وتأكيداً للإستقلالية التي يتمتّع بها هؤلاء في المجتمع.
* كاتب وأستاذ جامعي متخصص في القانون الدستوري


