أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لبنان أمام المتغيّرات الدفاعية في شرق المتوسط (الجمهورية ٢٠ تشرين الأول)

رأت تركيا أنّ هناك تهديداً استراتيجياً لها في التعاون العسكري بين قبرص وإسرائيل، فكيف بلبنان؟

أثارت الخطوات الأخيرة في شرق المتوسط، ولا سيما منها تسليم إسرائيل منظومة دفاع جوي متطوّرة من طراز Barak MX إلى قبرص، سلسلة من التساؤلات حول انعكاسات هذه التطورات على الأمن الإقليمي. فالتقارير تشير إلى أنّ المنظومة، المزودة رادارات تغطي مساحات واسعة، قد تغيّر معادلات الرصد والمراقبة في منطقة حساسة أصلاً. وقد جاءت ردود الفعل التركية سريعاً، إذ أعلنت أنقرة عن تدابير لحماية القبارصة الأتراك، بما يوحي بمرحلة جديدة من التوتر الجيوسياسي.
في ضوء هذه المعطيات، يصبح لزاماً على لبنان، بحكم موقعه وحدود مصالحه في البحر، أن يتعامل بحذر ودقّة مع المشهد المستجد. ويمكن تلخيص الخطوات الضرورية التي يفترض بالدولة اللبنانية اتخاذها على النحو الآتي:
أولاً: التقييم الاستراتيجي والاستخباراتي
على الأجهزة المعنية في لبنان إجراء تقييم وطني شامل للتأثيرات المحتملة لمنظومات الرادار والدفاع الجوي الجديدة، سواء على مجاله الجوي أو على مناطقه الاقتصادية الخالصة في البحر. إنّ فهم الصورة التقنية والأمنية هو الخطوة الأولى لحماية السيادة الوطنية.
ثانياً: الديبلوماسية الوقائية
ينبغي على لبنان أن يفعّل قنواته الديبلوماسية مع قبرص وتركيا والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الأمم المتحدة، لضمان عدم تعريض مصالحه لأي تهديد أو تضييق. ثمّ إنّه يُستحسن أن يعلن لبنان تمسّكه بحقّ الدفاع عن النفس، مع تأكيد حرصه على الاستقرار الإقليمي.
ثالثاً: حماية المصالح البحرية والطاقية
يشكّل ملف الطاقة في البحر أحد أعمدة الأمن القومي اللبناني. وفي هذا المجال، يتوجّب على الدولة أن تضع خطة استباقية لحماية البلوكات البحرية بالتعاون مع شركات التنقيب، وأن ترفع أي اعتراض محتمل على عملها إلى الجهات الدولية.
رابعاً: الجاهزية الدفاعية غير الاستفزازية
من دون الإنجرار إلى سباق تسلّح، يمكن للبنان تحسين قدراته في مجال الرصد الساحلي والإنذار المبكر، وتدريب قواته البحرية على التعامل مع سيناريوهات التشويش أو مراقبة الطائرات المسيّرة. تبقى هذه الخطوات دفاعية بحتة ولا تُفسَّر كاستفزاز.
خامساً: قنوات التواصل المباشر
إنّ إقامة قنوات حوار ثنائية مع أنقرة ونيقوسيا أمر ضروري لتوضيح نطاق تشغيل الأنظمة الدفاعية الجديدة، ولضمان أن لا تكون مصالح لبنان ضحية النزاع القبرصي ـ التركي. إنّ إشراك الاتحاد الأوروبي في هذه الحوارات قد يوفّر مظلة توازن إضافية.
سادساً: تدويل الملف قانونياً وسياسياً
يملك لبنان فرصة لاستخدام المنصات الدولية لتسليط الضوء على خطورة عسكرة شرق المتوسط. فالاستناد إلى القانون الدولي يوفّر له غطاءً يحول دون تهميشه في معادلات القوى.
سابعاً: خطاب إعلامي مسؤول
ينبغي أن ترافق هذه التحركات حملة إعلامية رسمية تشرح للرأي العام الداخلي أنّ الدولة تتابع التطورات من كثب، وأنّ إجراءاتها تهدف إلى حماية السيادة، من دون الإنجرار إلى مواجهات لا طائل منها.
وفي الخلاصة، يتغيّر المشهد الدفاعي في شرق المتوسط بسرعة، وما يجري في قبرص قد تكون له ارتدادات مباشرة على لبنان. إنّ الخيار العقلاني للبنان لا يكمن في المواجهة أو الانفعال، بل في الجمع بين الرصد الفني الدقيق، والديبلوماسية النشطة، وحماية المصالح البحرية، وتعزيز الجاهزية الدفاعية غير الاستفزازية. بهذه المقاربة وحدها يستطيع لبنان أن يحافظ على أمنه القومي، وسط أمواج النزاع الإقليمي المتلاطمة.

 

بواسطة
د. علي محمود الموسوي
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى