أخبار لبنانابرز الاخبار

مطاعم بيروت تغذي تعافي اقتصاد لبنان

في ظهيرة مشمسة بوسط بيروت عاصمة لبنان، تصطف مجموعات من الكويتيين والإماراتيين بحماس لتذوق شطيرة طماطم يبلغ سعرها 13 دولاراً. هذه الوجبة باهظة الثمن، التي أثارت ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي في يوليو الماضي، تأتي ضمن مجموعة من المأكولات المتوسطية في “إم شريف ديلي”، المطعم الشهير الذي أسسته ابنة بيروت ميراي حايك عام 2011. أصبح مطعم “إم شريف” واحداً من أبرز العلامات التجارية اللبنانية، إذ تحول إلى إمبراطورية صغيرة تضم اليوم 30 مطعماً ومقهى في لندن وموناكو ومدن أخرى.

الانتظار في الطابور يتيح لك إلقاء نظرة حول مطعم “ديلي”، الذي يتميز بأجواء دافئة رغم الازدحام. ويعد وجهة مفضلة للأثرياء من السكان المحليين والسياح على حد سواء، حيث يعرض برطمانات من دبس الرمان والأعشاب والزهور المجففة. يرتدي النُدُل قمصاناً تحمل الشعار المميز للمكان والمزين بكلمات “بيروت، مون أمور” (وتعني بيروت حُبي). ويوثق السياح تجربتهم بحماس، بينما يستمتع الذين لم يحالفهم الحظ بالحصول على مقعد في الداخل بالجلوس تحت مظلات الأرصفة.

لبنان ينفض غبار الأزمات
جاء التوسع الدولي لـ”إم شريف” في وقت كان لبنان يمر فيه بأزمة مالية، وانفجار مرفأ مدمر أودى بحياة 218 شخصاً وأصاب الآلاف بجروح، إضافة إلى صراع مرهق بين حزب الله وإسرائيل. اليوم، بينما يخرج البلد من هذه الفترة العصيبة، تستعيد بيروت أيضاً روحها في فن الطهو. فالمطاعم التي كانت في السابق نقاط جذب بارزة تستعيد بريقها، والافتتاحات الجديدة تمهد لما يمكن أن يكون بداية جديدة لمدينة طالما عُرفت بأنها من الأكثر رُقياً وحيوية في المنطقة.

اختفى السياح من لبنان في السنوات الأخيرة تقريباً بالكامل، لا سيما القادمين من دول الخليج العربي، مع تصاعد النفوذ الإيراني وتدهور الأوضاع. لكن في يناير الماضي، انتُخب المرشح المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج العربي جوزاف عون رئيساً. وأقرّ القائد السابق للجيش، والحكومة الجديدة، نزع سلاح حزب الله بحلول نهاية العام الجاري، باعتبار ذلك خطوة أساسية لاستعادة الأمن والحصول على المساعدات التي تشتد الحاجة إليها.

أدى انتخاب عون أيضاً إلى رفع حظر السفر من قبل الكويت والإمارات العربية المتحدة، ومن المتوقع أن تحذو السعودية حذوها قريباً. ومنذ ذلك الحين، تدفق مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي إلى بيروت لتصوير مقاطع مصورة بالفيديو تستعرض جولاتهم في العاصمة اللبنانية. كان القاسم المشترك في مقاطعهم هو الحديث عن مدى حب آبائهم وأجدادهم لهذه المدينة.

“الجوهرة الخفية”
لكن العائدين ليسوا فقط الإماراتيين والكويتيين. أيمن حنيف، مهندس بريطاني، يقوم بزيارته السادسة إلى بيروت منذ أواخر عام 2022. وقال لي في “إم شريف ديلي”: “حرصت على إحضار والدتي في رحلتها الأولى إلى لبنان، بعد أن أخبرتها أنه مكان لا بد أن تراه”. وأضاف: “إنها جوهرة خفية، فيها أجواء ومناظر متعددة داخل بلد صغير جداً، إنه فعلاً فريد من نوعه”.

يظهر انتعاش العاصمة بوضوح في قرية الصيفي. فبعمارتها الاستعمارية الفرنسية ومبانيها الملونة بدرجات الباستيل التي أعيد بناؤها بعد الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً وانتهت عام 1990، يُعد هذا الحي الذي يمكن المشي في شوارعه من أكثر المناطق القابلة للتصوير على منصة “إنستغرام” في بيروت. كما ألهمت هذه المنطقة الراقية الجملة الرائجة “ألو، بيلاتس، ماتشا” التي اجتاحت منصة “تيك توك” العربية ووصلت حتى ميامي. تشكل أزياء ألو، وتمارين البيلاتس، ومشروبات الماتشا خلاصة الهوية العالمية التي تسعى بيروت لإبرازها.

تشتهر الصيفي بما يشبه كود ملابس غير مكتوب -وذلك على سبيل المزاح- عبارة عن ارتداء صنادل “هيرميس” وحقائب المصممين. من بين أبرز وجهاتها “باك بيرنر”، وهو مقهى متخصص في القهوة يبيع أيضاً الملابس ويضم استوديو لتمارين “لاغري فيتنس” (Lagree Fitness). ويشتهر بعصير التوت الذي يبلغ سعره 17 دولاراً، وبالطبع مشورب لاتيه الماتشا المقدم في أكواب تحمل شعار المقهى المميز على شكل شفاه حمراء.

وجبات مشبعة.. ومشاهد رائعة
إذا كنت تبحث عن وجبة أكثر إشباعاً، مثل برغر لحم الواغيو أو شطائر الكركند، فإن “بوكو” خيار مناسب. وهو أيضاً في الصيفي ويطل على ساحة الشهداء ومسجد محمد الأمين وكاتدرائية القديس مار جرجس المارونية، ليعكس الصورة اللبنانية النموذجية للتعايش. بُني المسجد ذو الطراز العثماني بتمويل من تبرع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، الذي شكل اغتياله في 2005 نقطة صعود أكبر لحزب الله في لبنان. (محكمة مدعومة من الأمم المتحدة تحمل شركاء حزب الله مسؤولية الاغتيال).

قالت مجموعة من السياح الفرنسيين الذين كانوا يتجولون في المسجد إنهم حجزوا تذاكرهم بعد تشكيل الحكومة الجديدة هذا الشتاء، معتبرين أن ذلك خطوة نحو الاستقرار. (وهذا بالطبع هو الرسالة التي تود وزارة السياحة إيصالها. فقد قالت لي وزيرة السياحة لورا لحود خلال حديثنا على الغداء إن “الناس بدأوا يستعيدون الثقة والاطمئنان في لبنان بفضل انتخاب رئيسنا”).

لكن المخاطر ما زالت قائمة، كما تظهر إرشادات السفر الصادرة عن الدول الغربية. بالإضافة إلى بعض أحياء بيروت، تنصح وزارة الخارجية البريطانية بعدم السفر إلى معظم جنوب البلاد ووادي البقاع ومدينة بعلبك المعروفة بآثارها الرومانية الضخمة. جوني بيلبي، مؤسس شركة رحلات المغامرات “وايلد فرونتيرز” ومقرها لندن، قال إنه يرغب في تنظيم رحلة إلى لبنان، لكنه لم يفعل بعد.

أضاف: “مع استمرار نصائح السفر البريطانية الحالية بعدم التوجه إلى معظم مناطق البلاد، يصبح من الصعب جعل الرحلة مجدية من الناحية المالية. لكننا نتابع الوضع شهرياً ونأمل بشدة أن نعود هناك بحلول الربيع المقبل”. كانت آخر رحلة لـ”وايلد فرونتيرز” إلى لبنان في أكتوبر 2023، قبيل هجوم حماس على إسرائيل. حتى ذلك الحين، كان لبنان وجهة شائعة للشركة، لكنها اضطرت إلى إلغاء الرحلات المباعة لعام 2024.

جراح في صدر بيروت
لم تكن هذه بالطبع المرة الأولى التي يعطل فيها الصراع الحياة في بيروت. فالحرب الأهلية اللبنانية التي انتهت عام 1990 تركت معظم العاصمة مدمرة. في طفرة إعادة الإعمار التي تلتها، وضع رفيق الحريري رؤيته بتحويل بيروت إلى ريفييرا على شرق المتوسط، واضعاً السياحة في قلب المشهد. وكانت المدينة تعج بالسياح مع انتعاش مشهد الطعام فيها في أوائل العقد الأول من الألفية، فيما امتلأت مقاهي وسط المدينة بشكل شبه دائم.
أعاد اغتياله تبديد كل ذلك مجدداً، وتراجعت السياحة أكثر بعد حرب حزب الله مع إسرائيل عام 2006، حين استهدفت الصواريخ الإسرائيلية مطار بيروت الدولي. أعيد بناء المدينة مرة أخرى بدعم من جيرانها العرب، لكن هذه المرة جاء التعافي قاصراً. فقد أدى صعود حزب الله إلى زيادة العنف في المدينة، ما أسهم في تدهور تدريجي في الأمن والنشاط الاقتصادي. أصبحت الأحياء العصرية، التي كانت تعج بالحياة، مجرد ظلال لما كانت عليه في السابق.

ومن بين النقاط الساخنة التي فقدت بريقها كانت الجميزة، الحي الملون الواقع شرق وسط المدينة والمسمى على اسم شجرة الجميز. شهد الحي انتعاشاً بعد إعادة بنائه عام 2020 إثر انفجار مرفأ بيروت. تنتشر فيه مبان من حقبة الانتداب الفرنسي، وغالباً ما يُوصف بأنه “سوهو بيروت” (حيث سوهو حي يحمل طابع ثقافي وفني شهير في لندن وكذلك نيويورك)، بعدما برز في أوائل العقد الأول من الألفية كمركز ثقافي لو طابع حر غير تقليدي جذاب. وهو أيضاً المكان الذي تلقيت فيه التدريب بمحطة تلفزيون عربية عندما كنت طالباً في الجامعة الأميركية في بيروت، التي تأسست عام 1866 وتُعد من أقدم الجامعات الأميركية في الخارج.

نكهات بطعم التاريخ
ولتفادي الازدحام، كنت غالباً أذهب سيراً على الأقدام من سكني في رأس بيروت، في مسيرة تستغرق 40 دقيقة تأخذني من شارع عمر بن عبد العزيز إلى شارع غورو. وقد سُمّي الأول تيمناً بخليفة أموي، فيما سُمّي الثاني على اسم جنرال فرنسي.

تحمل أسماء شوارع بيروت بصمات عصورها وشخصياتها البارزة، ما جعل جولتي أشبه بدروس في التاريخ والجغرافيا. بالنسبة للبعض، تمثل هذه التوليفة من الأسماء معركة حول هوية الوطن، بينما يحتفي آخرون بهذا المزيج وتطوره باعتباره وسيلة للتوفيق بين الاختلافات. ومؤخراً، جرى تغيير اسم شارع حافظ الأسد، وهو من بقايا هيمنة العائلة الاستبدادية بعد الحرب، ليُسمّى تكريماً للموسيقي الراحل زياد رحباني.

كما تركت العصور المتعاقبة أثرها على أسماء الشوارع، فقد شكلت أيضاً هوية المدينة في المطبخ. فالمطبخ اللبناني يحتوي على عناصر من الحقبتين العثمانية والفرنسية، وأخرى استوعبها من الأرمن وغيرهم من اللاجئين. أثناء فترة تدريبي، كانت خياراتي المفضلة لوجبة سريعة في الجميزة إما شاورما دجاج وقطع دجاج مشوية (شيش طاووق) من مطعم طبلية مسعد، أو شرائح لحم بقري من مطعم “سويس بتر”، مطعم الستيك المزدحم دائماً. وكما هو الحال مع “إم شريف”، توسع “سويس بتر” عبر لبنان وخارجه، بافتتاح فروع في مدريد والمنامة بالبحرين وأماكن أخرى.

“سويسرا الشرق”
العلاقة مع سويسرا لها مكانة خاصة لدى اللبنانيين—إذ تستحضر الحنين إلى العصر الذهبي للبلاد في ستينيات القرن الماضي، حين أُطلق على لبنان لقب “سويسرا الشرق الأوسط” لجمال طبيعته ودوره كمركز مالي. ورغم أن تلك الأيام قد ولّت، فإن عدداً من السياسيين والناشطين يدفعون باتجاه جعل البلاد محايدة في الشؤون العالمية، في انعكاس آخر لتلك الصلة السويسرية.

رغم الحديث عن الحياد، تبقى بيروت مدينة ساحلية تشتهر بمنطقة الكورنيش الخاص بها، ولا يوجد سوى قلة من المطاعم التي توفر إطلالة أجمل على الواجهة البحرية من مطعم “موري”. يقع المطعم بالقرب من شاطئ “سبورتينغ كلوب” العريق، وتُعد المقبلات فيه من الطراز الأول، خصوصاً البطاطا الحارة -مكعبات البطاطا المقرمشة المطهوة مع الفلفل الحار- وسلطة الفتوش. أما الأطباق الرئيسية فتشمل وجبات الشاورما والمشاوي المشكلة إضافة إلى المعكرونة وفطائر البيتزا.

كان المكان مكتظاً عندما زرته في أوائل أغسطس الماضي، ويستلزم حجزاً مسبقاً للحصول على طاولة مطلة على البحر؛ وهناك قد تسنح لك فرصة رؤية بعض الشخصيات البارزة. وأثناء المغادرة، لمحت بهية الحريري، شقيقة رئيس الوزراء الراحل وإحدى السيدات الأكثر تأثيراً في البلاد. وفي نادي الشاطئ القريب، كان مقدم برامج البودكاست الإماراتي أنس بوخش قد التقط صورة له بملابس السباحة على “إنستغرام” في يوليو الماضي، وكتب لمتابعيه البالغ عددهم 3.3 مليون في منشور منفصل: “كانت زيارة أولى مميزة”.

بيروت العالمية
وجبات أكثر تقليدية -لكن لا تقل تميزاً- يمكن العثور عليها في مطعم “أمالين” في وسط المدينة، و”ليزا” في الأشرفية. تأسس “أمالين” لأول مرة في منطقة سهل البقاع الخصيب في 2017، وهو قريب من أسواق بيروت النابضة بالحياة التي تشهد بدورها انتعاشاً تجارياً (ومن بين الافتتاحات الجديدة هناك -كما خمنت- ألو). أما في “ليزا”، فستتناول طعامك داخل بيت له طابع شرقي قديم يضم نافورة في فناء داخلي تفوح منه رائحة الياسمين. وفي “قهوة عزمي” في السوديكو، ستجد خياراً ثابتاً بفضل قهوته التركية. هذا المكان العريق في بيروت متمسك بجذوره، ولم يستسلم بعد لإغراء الماتشا.

مع مساحة لا تتجاوز 26 ميلاً مربعاً، لا تُعتبر بيروت مدينة كبيرة. يمكنك أن تتذوق أفضل ما في أحيائها المختلفة خلال يوم أو يومين، لكن سيكون من الصعب تجاهل ضواحيها الجنوبية، التي استهدفتها إسرائيل معقل وجود حزب الله. أنقاض المباني وغيرها من شواهد الخسائر البشرية هناك وفي أماكن أخرى، ليست مجرد شروخ عابرة يمكن التغاضي عنها. ولكي تلتئم جروح المدينة حقاً، يجب أن يتجاوز الأمر إعادة بناء المنازل المهدمة والمقاهي الفارغة. النسيج الاجتماعي للبنان، وتاريخه الطويل من الانفتاح والتسامح، يحتاج أيضاً إلى إعادة نسج. في هذا المسعى، تبقى بيروت بماضيها وهويتها العالمية النموذج الأمثل.

 

المصدر
بلومبرغ الشرق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى