أخبار لبنانتقارير وإحصاءات

كتاب نهوض لبنان (8): معـادلــة النفـــط والغـــاز

في ظل الضياع الذي يسود البلاد جراء الاختلاف على خطة الانقاذ المالي، والانتقادات التي وجهت اليها من قبل الكثير من القوى السياسية والجهات الاقتصادية لتضمنها الكثير من الاجراءات والافكار التي تتعارض مع الدستور وتضرب النظام الاقتصادي الحر، فضلاً عن عدم تضمنها برنامجاً واضحاً للنهوض بالاقتصاد الوطني،
تبرز الحاجة الملحة الى الكتاب الذي عمل على وضعه واعداده رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السابق روجيه نسناس، حين كان لا يزال يشغل هذا المنصب في العام 2016، تحت عنوان: نهوض لبنان، نحو دولة الانماء، لكونه يقدم حلولاً عملية وعلمية لمشكلات لبنان الاقتصادية ولكونه يقدم سلسلة متكاملة من الاقتراحات والسياسات والتدابير التي تسمح بإعادة وضع الاقتصاد الوطني في مسار التعافي والنهوض وحماية قوته البشرية.
إنطلاقاً من هذه الاعتبارات فإن موقع leb economy files سيقوم بنشر محاور الكتاب التي يتضمنها بشكل متلاحق،

في حلقة اليوم(8) ننشر الفصل الثامن تحت عنوان “معـادلــة النفـــط والغـــاز”


معـادلــة النفـــط والغـــاز

تسارعت و تيرة استكشاف النفط و الغاز في شرق البحر المتوسط في التسعينيات و العشرية الاولى من الالفية الثانية انطلاقا من حوض النيل في المنطقة الاقتصادية المصرية الخالصة، الى حوض المشرق – Levant Basin – أو كما سماه جغرافيوا العرب بحوض الشام الذي يغطي مياه غزة و فلسطين و شرق قبرص و مياه لبنان كما مياه سوريا. فاستنادا الى نتائج أعمال هذه الاكتشافات و خاصة تلك التي اجريت قبل 2010، عمل المركز الجيولوجي الاميركي (USGS) الى مقاربة كافة المعطيات الخاصة بمياه شرق المتوسط ذات المساحة 83000 كم2 و قدر متوسط موجودات الغاز الطبيعي بحوالي 122 ترليون قدم مكعب و السوائل بحوالي 1.7 بليون برميل.

لم تتوقف أعمال الاستكشافات عند نتائج المركز الجيولوجي الاميركي، فقامت دول المشرق و حوض النيل باجراء مسوحات جيوفيزيائية لعشرات الاف الكيلومترات المربعة في المياه المصرية و مياه المشرق، كما تم حفر عشرات ابار الاستكشاف و الانتاج توج أخرها باكتشافات ضخمة تتجاوز الثلاثين ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي في حقل زهر من رقعة شروق الواقعة شمال حوض النيل الجيولوجي المصري. كان قد سبق ذلك اكتشافات كبيرة في مياه فلسطين تقدر بحوالي 25 الى 30 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و اكتشافات مهمة في البحر القبرصي من 3 الى 5 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

اما في سوريا، فاكتشاف الغاز و النفط ليس بحديث، فقد تم تأكيد وجود أكثر من 8 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و أكثر من بليون برميل من النفط في البر. اما في البحر، فالاستكشافات تجري على قدم وساق و لم تتوقف رغم الاضطرابات الامنية.

 

 

المشغل المخزون ترليون قدم مكعب سنة الاكتشاف اسم الحقل رقم الحقل
بريتش غاز – فلسطين 1 – لم يبدأ الانتاج 2000 مارين 1
نوبل انريجي – فلسطين 1 – بدء الانتاج 2014 2000 ماري  – ب 2
نوبل انريجي – فلسطين 1.2 – بدء الانتاج 2012 2000 نوح و بنكلس 3
نوبل انريجي – فلسطين 16 2010 لفياتان 4
نوبل انريجي – قبرص 7 2011 افروديت 5
ديليك – فلسطين 1.8 2013 كاريش 6
ايني – مصر 30 2015 زهر 7

اما في لبنان، فقد باشرت الادارة اللبنانية قبل حوالي الثلاثة أعوام بالاجراءات الآيلة الى تأهيل الشركات العالمية التي ابدت استعدادها باستكشاف وانتاج النفط والغاز في الشاطئ اللبناني، في وقت ضائع وكحدث مبكر وغير منتظر. لبنان يعاني الامرين من التدهور الامني وتراجع السياحة وانعكاسها السلبي على كافة المرافئ الاقتصادية؛ ويشهد مكتوف الايدي معاناة سوريا ونزوح سكانها الى لبنان بما يفوق بكثير طاقته بالاستيعاب. وصدف الخبر عندما انهار النمو الى جوار الصفر بعد وتيرة بلغت متوسط 8 بالمئة للسنوات التي تلت الاجتياح الاسرائيلي عام 2007، وعاد الدين العام الى طبيعته التصاعدية بعد تثبيته وحتى تراجعه الى ما دون 134 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي على اثر مؤتمر باريس 3.

وبات التنقيب عن النفط والغاز مجديا نتيجة البحث الثنائي الابعاد وخاصة الثلاثي الابعاد التي قامت به بعض الشركات في المنطقة واسفر عن كميات تقديرية تعادل قيمتها في الشاطئ اللبناني اضعاف الدين العام. وازدادت مصداقية النتائج عندما اكدت دول الجوار و جود النفط و الغاز في طبقات جيولوجية ممتدة الى لبنان. ولم تكن تلك المرة الاولى التي يأمل فيها لبنان دخول عالم النفط، الا انها المرة الاولى التي اعتمد فيها على تقنيات متطورة قادرة على اكتشاف، بنسبة عالية من التأكيد، ما يخفيه جوف الارض. ولم يكن هذا النشاط حديثا في لبنان. لقد صدر عام 1926 قرار من المفوض السامي هانري دو جوفنيل يجيز التنقيب عن الثروات الجوفية لا سيما النفط. وتم اكتشاف في فترات متتالية اكتشاف غاز الميتان وبعض الموارد الهيدروكاربونية الثقيلة، لكن الكلفة العالية للاستخراج لم تسمح باستثمار الآبار. في مطلع الخمسينات من القرن المنصرم اسست مجموعة من رجال الاعمال اللبنانيين شركة مغفلة لاستخراج النفط في سهل البقاع، نذكر من بينهم رئيس مجلس الادارة السيد شارل عماطوري، قنصل شرف احدى دول امريكا اللاتينية في لبنان. واستمرت الشركة بالتنقيب دون جدوى واستهلكت اموالها واصدرت سندات دين لمتابعة اعمالها، وسرعان ما خاب املها، وانهارت الشركة، واُلحقت المسؤولية بادارتها. ولم يكن ذلك غريبا اذ كان يُعرف آنذاك هذا النشاط بمغامرة النفط.

وبعد حوالي عشر سنوات اسس احد المقاولين الناجحين من آل دباس شركة مماثلة للتنقيب عن النفط، وتهافت رجال الاعمال للاستثمار باسهمها؛ وبات محظوظا من تمكن من المساهمة بها؛ وكان يقضي المشروع ايضا التنقيب على اليابسة. وبعد جهود حثيثة لاستخراج النفط دون نتيجة اضطرت الى الاقفال والتصفية، هي التالية، بعد ان تكبدت خسائر بالغة في حينه. وقام هذا النشاط استنادا الى التشريع الفرنسي، المذكور آنفا، الذي صدر في عهد الانتداب، وكان يجيز التنقيب عن مناجم النفط والمعادن واستخراجها واستثمارها. وبدا هذا التشريع لرجال الاعمال بمثابة قرينة لوجود النفط. ومن تابع تاريخ تلك الحقبة من الزمن يعرف ان التنقيب لم يكن يحتاج آنذاك الى اكثر من ذلك؛ ولم يكن بعيدا العصر حينما كان الكولونيل ” دريك ” يرمي قبعته عشوائيا ليحدد مكان حفر الآبار. نجد في الموقع الالكتروني لمعهد باسل فليحان المالي والاقتصادي لائحة بالآبار التاريخية التي حفرت في لبنان بعد الحرب العالمية الثانية وقبل الحرب الاهلية في لبنان :

جدول 1                      حفر الآبار عبر التاريخ بحثا عن النفط[1]

تاريخ الحفر

المكان

عمق البئر

1947 تربـــل 3,075 متر
1953 يحمـــر 2,672 متر
1960 القـــاع  2,557 متر
1960 / 1961 عدلـــون 2,150 متر
1963 سحمـــر 1,433 متر
1962 تل زنـــوب 1,421 متر
1966 / 1967 عبريـــن 650   متر

1 – البحث المتطور عن الموارد الهيدروكاربونية في لبنان

يجري حاليا البحث عن الموارد الهيدروكاربونية دون كلفة على الدول، وعلى عاتق الشركات المتخصصة التي تتولج القيام بهذا العمل، على مساحات محددة من قبل البلاد مانحة الرخص، بغية بيع المعلومات الى الشركات الراغبة بالتنقيب عن النفط . عام 2000 تقدمت شركة “سبكتروم” Spectrum ، صاحبة النشاط الاقليمي على مدى البحر الابيض المتوسط ، من الدولة اللبنانية ، بطلب القيام بمسح زلزالي ثنائي الابعاد “2D” في منطقة لبنان الاقتصادية الخالصة، حددت لها مساحة وقامت بهذا النشاط، وعرضت على الدولة والشركات صاحبة الاهتمام نتائج ايجابية. عام 2001 كلف مجلس الوزراء مركز Southampton Oceanographic ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة. عام 2002 نفذت شركة TGS NOPEC مسح زلزالي ثنائي الابعاد في المنطقة الاقتصادية الخالصة كجزء من مسح شامل قامت به على مدى شرقي البحر المتوسط. وصرحت الشركة اثر المسح ان ” آفاق النفط العملاقة تكمن في الجزء الأعلى  من شرق حوض البحر الأبيض المتوسط (اي المنطقة التي يتواجد فيها لبنان).

وفي شباط 2007 قامت شركة PGS بمسح جيوفزيائي ”  3D” امتد على مساحة 2,350 كم2 . وفي السنة ذاتها اطلق لبنان والنروج برنامج ” التعاون في مجال النفط من اجل الانماء ” . كما تمت مفاوضات لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان و قبرص.  وفي شهر تشرين الاول عام 2007 تم مناقشة مسودة اولى لسياسة التنقيب عن النفظ والغاز من قبل مجلس الوزراء.

في شباط 2009 نالت شركة PGS  مساحة اضافية 4,900 كم2 من اجل اجراء مسح ثنائي الابعاد 2D ، ووقعت مع الحكومة اتفاقا لدمج وادارة كافة البيانات الزلزالية المتوفرة؛ وفي شباط 2011 نالت مساحة 3,800 كم2 ايضا لاجراء مسح ثنائي الابعاد، و1,400 كم2 من اجل اجراء مسح زلزالي مثلث الابعاد 3D.

وكان قد اقر مجلس الوزراء في ايار 2009  ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان. و في آب 2010 صادق المجلس النيابي على قرار استخراج الموارد النفطية من البحر. وفي تموز 2011 انجزت شركة BEICIP FRANLAB، المستشار الدولي في مجال النفط والغاز، تقرير التقييم وقاعدة الموارد.

عُقد في لبنان ما بين 29/6/2011 و 1/7/2011 المنتدى الدولي الاول المخصص للتنقيب عن النفط والغاز. وكانت الادارة قد باشرت العمل في حزيران 2011 على التقييم البيئي الاستراتيجي Strategic Environment Assessment (SEA). واعدت بين الفصل الرابع عام 2011 والفصل الاول عام 2012 جولة التراخيص البحرية.

2 – النفط والغاز في الشاطئ اللبناني

غطت المسوحات الثنائية الابعاد عام 2013 كامل المنطقة الاقتصادية الخالصة وشملت المسوحات الثلاثية الابعاد 70% منها. ولا شك ان تقديرات النفظ والغاز في الشاطي اللبناني جدية واستخدمت اهم الوسائل التقنية الحديثة لاستكشافها؛ الا ان الخبراء لا يعتبرون النتائج نهائية، لاي منطقة وفي جميع الاحوال، قبل حفر اول بئر واستخراج منه عينات من النفط او الغاز؛ ولم يتم حفر بئر اختباري واحد حتى الآن.

وفي هذه المرحلة لا يمكننا سوى اعتماد التصاريح الرسمية المعززة بالابحاث الفنية الموثوقة. قدرت شركة Spectrum مخزون الغاز في المنطقة التي استكشفتها والتي تمتد على مساحة 3,000 كيلومتر مربع في جنوب-غرب لبنان (من اصل 22,700 كم2) بحجم 25 تريليون قدم مكعب[2].  كما صرح السيد رودي بارودي، الامين العام لمجلس الطاقة الدولي، ان انتاج النفط سوف يبلغ 90,000 برميل يوميا لعشرين سنة قادمة[3].  وكان قد صرح وزير الطاقة الاستاذ جبران باسيل “ان التقديرات الحالية، في ظل احتمال 50% لمساحة 45% من المنطقة الخالصة، بلغت 96 تريليون قدم مكعب من الغاز و865 مليون برميل من النفط”[4]. وقدرت دراسة المسح الجيولوجي الامريكية في العام ذاته ان الحوض الشرقي للبحر الابيض المتوسط وتبلغ مساحته 83,000 كيلومتر مربع يحتوي على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و1.7 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج[5].

 1-أ المنطقة الاقتصادية الخالصة

تُعرف بالمنطقة الاقتصادية الخالصة المنطقة البحرية التي تمارس عليها الدولة حقوقا سيادية بهدف استكشاف مواردها الطبيعية واستغلالها، وقد جرى تحديدها ضمن 200 ميل بحري من الخط الاساسي (370 كم) وحقوق الغير من الدول المجاورة. وتنحصر المياه الاقليمية بمسافة 12 ميل (22.2 كم)، حيث تمارس الدولة سيادة كاملة على بحرها الاقليمي؛ ولكن يُعترف لها بحقوق سيادية في المنطقة  الاقتصادية الخالصة وفقا للقانون الدولي العرفي  Customary international law. وتنص المادة 74 من اتفاقية قانون البحار على ضرورة المفاوضة والاتفاق للدول ذات السواحل المتقابلة و/او المتلاصقة. تم بالنسبة للبنان الاتفاق منذ عام 2007 على المفاوضة مع قبرص بناء لمبدأ يقضي تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الطرفين بالاستناد الى خط المنتصف الذي تكون كل نقطة على امتداده متساوية الابعاد من اقرب نقطة على خطوط الاساس لكلا الطرفين.

استنادا الى ذلك يمتد الاوف شور اللبناني الذي يشكل المنطقة الاقتصادية الخالصة على مساحة 22,700 كم2  وذلك طول الشاطئ اللبناني من العريضة في الشمال الى الناقورة في الجنوب، ويجتاز المياه الاقليمية في الشمال حتى مسافة 130 كيلومتر من الشاطئ تقريبا وفي الجنوب حتى مسافة 80 كيلومتر. تم تقسيم هذه المساحة الى 10 رقع يمكن تخصيص كل منها بامتياز مستقل. ولكن لم يوافق مجلس الوزراء على الخريطة لتاريخ كتابة هذا الفصل، والمرسوم موجود على طاولة المجلس يتنظر الاقرار.

وكانت قد حددت هيئة ادارة قطاع البترول عدد البلوكات التي سوف تطرحها بخمس بلوكات، تاركة الخمسة الباقية لمرحلة ثانية.  رُفع المرسوم القاضي بتوزيع البلوكات وكيفية استثمارها (نموزج اتفاقية الاستكشاف والانتاج) الى رئاسة مجلس الوزراء، يوم استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ولم تبت به حكومة الرئيس تمام سلام حتى الآن. كما يتضمن المرسوم الموافقة على شروط المزايدة، لا سيما الشروط المالية (الربح الاقصى) والشروط التقنية (عمق الآبار).

في المقابل تمت اجراء مسوحات جيوفيزيائية من الجو للبر اللبناني من قبل تجمح شركتي NEOS  و PETROSERV أظهرت النتائج الاولية امكانيات مرتفعة لوجود النفط.

3 – النفط نعمة

احتلت تلك العبارة مكانة مميزة بالادبيات الاقتصادية وباتت تعبر عن الشروط التي يحتاج البلد الى تطبيقها حتى لا يتحول استخراج النفط والفاز الى ” نقمة ” تولد العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمالية.

يزيد اكتشاف النفط بالمطلق الثروة الوطنية، وكانت اولى ردات الفعل للمسؤولين والمواطنين ان تلك الثروة سوف تسدد الدين العام، الذي يرزح لبنان تحت وطأته ، بسحر ساحر. الا ان اندماج اقتصاد النفط بالانتاج التقليدي ليس بالشيء السهل وقد عانت بلاد عديدة من نتائجه السلبية؛ واشهر المخاطر التي يذكرها التاريخ كان “الداء الهولاندي”، الذي عانى لبنان بعض مظاهره قبل اكتشاف الثروة النفطية.

يزداد النمو، كل شيئ على حاله، عندما تتراجع البطالة وترتفع نسبة القوى العاملة من السكان في سن العمل، اي ما بين عمر 15 سنة و64 سنة. والبطالة ترتفع ظرفيا وفقا لعوامل السوق او الحياة السياسية التي تؤثر على الدورة الاقتصادية، ترتبط نسبة القوى العاملة بعوامل بنيوية تعكس واقع عميق في الاقتصاد. في السبعينات، عندما استخرجت هولاندا كميات وفيرة من الغاز في البحر استقطبت كميات اضافية من العملات الصعبة ادت الى ارتفاع الguilder العملة الوطنية آنذاك وتحسين مستوى المعيشة وزيادة الاستهلاك والاستيراد وتقهقر التصدير وتراجع الاستثمار وفرص العمل. هذا ما جعل مثلا الجزائر تقرر فصل عائدات النفط عن الاقتصاد الحقيقي واحداث صندوق مستقل مخصص لتعزيز انشاء البنية التحتية؛ وبهذا تتجنب الدولة انعكاسات المداخيل الاضافية، غيرالمكونة بالانتاج، وتستفيد بالوقت ذاته من تطوير البنية التحتية بشكل كانت عاجزة عن تحقيقه من الميزانية العادية. هكذا تجنبت الجزائر ارتباك الحركة الاقتصادية وارتفاع البطالة، الا انها لم تستفد ايضا من تطور الاقتصاد وتعزيز مستوى المعيشة الذي تؤمنه زيادة المداخيل الناجمة عن قطاع النفط. ولا يختلف الواقع المالي في لبنان كثيرا عن ظاهرة الداء الهولاندي حيث حركة رؤوس الاموال الوافدة والاستثمارات الاجنبية المباشرة في القطاع العقاري فضلا عن عائدات اللبنانيين من الخارج ادى الى خلق فقط 3,500 فرصة عمل، العام الماضي، في الوقت الذي يحتاج البلد الى 35,000 فرصة عمل ولربما 50,000 اذا ما تطورت العمالة والتحقت بالمعايير الدولية حيث تشكل القوى العاملة 65% من السكان في سن العمل.

تبقى اهمية اكتشاف واستثمار الغاز والنفط في لبنان مرتبطة باندماجهما بالاقتصاد الحقيقي وانعكاسهما على مستوى المعيشة الشامل والحد من البطالة وتعزيز شبكة الامان الاجتماعي، وليس باهمية المخزون والعائدات التي سوف تؤمنها تلك الموارد اذا ما ادت الى تعاظم البطالة والهجرة من لبنان.

 

4 – استراتيجية استخراج النفط والغاز

يحتاج حسن استثمار الثروة الهيدروكربونية الى استراتيجية مزدوجة؛ الاولى تسعى الى المحافظة على الكميات المتوفرة والاستفادة منها لمدة طويلة، وتأمين منها اعلى نسبة ممكنة من العائدات، واستحداث الصناعات المتممة لها وخاصة تلك التي تستخدم موادها؛ والثانية تنحصر بتفاعل اقتصاد النفط مع النشاط الاقتصادي القائم، ويبدو ذلك ايجابيا اذا ما حافظ الانتاج التقليدي، بالحد الادنى، على مستواه السابق، وسجل اجمالي الناتج المحلي ارتفاعا يوازي قيمة المنتج المستجد.

يشكل القسم الاول من المعادلة الاستراتيجية للنفط والغاز الشغل الشاغل لهيئة ادارة قطاع البترول، وان لم تنجح حتى الآن بتنفيذ خططها بحكم الظروف، الا ان تلك الخطة جيدة وسوف تعطي دون شك ثمارها المرجوة. لكن الشق الثاني من الاستراتيجية المطلوبة، اي اندماج قطاع النفط بالاقتصاد الشامل بشكل ايجابي، لا يبالي به مرجع حتى الآن؛ وهذا ما يجعلنا نخشى على مصير لبنان “النفط والغاز” اكثر ما خشينا على لبنان “الدين العام” .

4 أ – التنقيب عن النفط والغاز واجراءات التلزيم

قسمت المنطقة الخالصة الى عشرة اقسام وسوف تكون كل منها موضوع مناقصة لاستخراج النفط والغاز؛ و يتم ذلك تدريجيا للمحافظة على المخزون وتحسين شروط التلزيم. وتتناول خطة الادارة الاخيرة ثلاث مناطق على الاكثر وسوف تتابع تدريجيا المناطق التالية. وكانت قد حددت اولى المناطق للتلزيم بالارقام 1 و 4 و 5 و 6 و 9 . وتستوجب المباشرة بالمزايدة والتلزيم الى الاجىاءات التالية:

  • مسودة تقسيم الرقع البحرية؛
  • مسودة قانون الضرائب؛
  • مسودة مرسوم نموذج اتفاقية الاستكشاف والانتاج؛

كلها جاهزة بانتظار اقرارها من مجلس الوزراء.

  • وتحتاج الشركات الى ثلاث اشهر لتحضير طلباتها؛
  • كما تحتاج الادارة الى ستة اشهر لمراجعة الطلبات وتقييمها؛
  • وشهرا واحدا لتوقيع اتفاقية الاستكساف والانتاج؛

يبدأ الحفر خلال سته اشهر من تاريخ توقيع الاتفاقية.

5 – الصفقة المتكافئة والظروف المؤاتية

ان عملية الاستكشاف والانتاج تستغرق وقتا طويلا (من 5 الى 10 سنوات للاستكشاف و25 الى 30 سنة للانتاج) وبالتالي تستوجب امتيازا طويل المدى. وتحتاج الدولة كي تحفظ حقوق التمتع بثروتها الطبيعية  الى اتفاق عادل لتقاسم الارباح، لا يتأثر بمدى الزمن، فضلا عن الضرائب التي تستوفيها من كل نشاط اقتصادي. ونتوسع بهذا التوجه في خلاصة الفصل.

على صعيد الاقتصاد، يوفر استخدام الغاز بين مليار ونصف ومليارين  دولار امريكي بالسنة لانتاج الطاقة الكهربائية؛  كما يسهل استثمار صناعات الطاقة المكثفة التي تشكل في كل بلد العامود الفقري للتطور الصناعي حيث تحتاجها صناعات تحويلية عديدة لتأمين  المواد الاولية والوسيطة محلياً. وسوف يتناول الانتاج الغاز الطبيعي المسال وبشكل رئيسي ال  methane وغاز البترول المسال ولاسيما ال propane وال  butane ويُستخدم في محطات انتاج الطاقة  وفي انتاج ال methadone وال ethylene التي تحتاجها صناعة البلاستيك، فضلا عن الاسمدة واليوروا وغيرها … وتبلغ كلفة انتاج الاتيلين في البلاد غير المنتجة للنفط خمسة اضعاف كلفة البلاد المنتجة.

6 – الداء الهولاندي في الاقتصاد اللبناني

اذا تصورنا ببساطة ان لبنان قادم على استخراج النفط والغاز بالمستقبل القريب وحصل على الشروط التي يبتغيها من الشركات المستثمرة، واستفادت الدولة من عائدات كافية لتغطية عجز الموازنة وزيادة حصة النفقات الاستثمارية، هل سوف يزيد ذلك فرص العمل ؟ ليس بالضروي، وتفيد التجربة اللبنانية ان الهجرة قد استمرت بوتيرتها المرتفعة في سنوات اعمار لبنان. ان الاموال المتدفقة، مهما كان مصدرها، سواء عن طريق الاستدانة و/او العائدات، اما من الاغتراب او من جوف الارض، سوف تؤدي الى زيادة الاستيراد بالمطلق وبالنسبة للتصدير. يفتقر الاقتصاد اللبناني الى الانتاجية الكافية لبناء طاقة تنافسية تساعده على التكافؤ مع الاقتصاد العالمي. ويترجم تعاظم عجز التجارة الخارجية بتقلص فرص العمل بشكل عام؛ وبالطبع لا تعوض بضع مئات فرص عمل مستجدة في حقل النفط والصناعات البتروكيمائية، اذا كان لها جدوى بفضل قربها من آبار النفط، فرص العمل التي سوف تضمحل من جراء انهيار بعض النشاطات الانتاجية. لا يشكل التدبير الذي اعتمده التشريع بفرض نسبة 80 بالمئة من اللبنانيين على القطاع المستجد حلا، اذ يعالج نسبة زهيدة جدا من المشكلة، ويتعارض مع عدد من الاتفاقات القائمة والتي سوف تطرح في العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار ودول المنطقة. علما ان توجه كهذا يهدد عمل اللبنانيين في الخارج. كما ان الافضلية التي فرضتها هيئة ادارة قطاع البترول، 10 بالمئة لصالح الصناعة الوطنية، واذ تشير الى وعي للمشكلة ونية صادقة لمعالجتها، لا تؤدي الى تصويب الخلل في مجال العمل والانماء.

على الصعيد المالي تفترض بعض الدراسات ان اجمالي الناتج المحلي سوف يتابع نشاطه بشكل طبيعي، وتضاف اليه عائدات النفط والغاز، ويؤدي ذلك الى سد عجز الموازنة وتخفيض الدين العام وفقا للنموزج التالي:

جدول 2                 توقعات عائدات النفط والغاز واجمالي الناتج المحلي

2014 2020 2021 2022 2023 2024 2025 عام
        47.80         64.06         67.26         70.62         74.15         77.86         81.75 اجمالي الناتج المحلي الاسمي
           0.84           0.97           1.11           1.28           1.47           1.69 مجموع عائدات النفط للدولة
           2.04           2.35           2.70           3.10           3.57           4.10 مجموع عائدات الغاز للدولة
        66.94         70.57         74.43         78.53         82.90         87.55 مجموع اجمالي الناتج المحلي

 

لا تسمح المعطيات السياسية والاقتصادية معرفة متى سيتمكن لبنان من استثمار ثروته النفطية وبالوقت نفسه لا يمكن استشراف المستقبل ورسم سياسات اقتصادية اجتماعية دون الحد الادني من التوقعات المحافظة، التي لها اكبر امل ان تتحقق، وتشكل كل ظروف افضل تأتي، خبرا سعيدا ينعكس ايجابا على الوضع العام.

بلغ اجمالي الناتج المحلي الاسمي لعام 2014 ما يوازي  47.8 مليار دولار امريكي؛ وتراوح التضخم للسنوات الاخيرة بين الصفر واثنين بالمئة؛  ويبدو من المعجزة تقدير النمو، فاذا استتب الوضع السياسي، المحلي والاقليمي، يمكن ان نشهد وتيرة نمو تعادل 8 بالمئة كما حصل بين عامي 2007 و2011 ، اما اذا استمر التجازب السياسي وعدم الاستقرار، من الصعب ان نسجل نموا للسنة الجارية. لذلك اعتمدنا وتيرة ارتفاع لاجمالي الناتج المحلي الاسمي بحدود 5 بالمئة للعشر سنوات القادمة، تعبر عن النمو والتضخم معا.

ويبدو تقدير عائدات النفط والغاز اكثر عشوائية حتى الآن. ورغم المسوحات المتقدمة علميا لا يمكن الجزم بوجود النفط والغاز القابل للاستخراج  قبل حفر الآبار الاختبارية، وهذا ما لم يحصل حتى الآن. وقبل ان تستقر الاسعار التي تعرضت لانخفاض ملحوظ في السنوات الاخيرة، حيث بلغ برميل النفط اقل من نصف قيمته المتداول بها لعدة سنوات حوالي 100 دولار البرميل واستقر حوالي 50 دولارا، كما انحدر الغاز الى ثلث قيمته بعد ان حلق في مستوى 8 دولارات للالف قدم مكعب قبل خمس سنوات.

فضلا عن ذلك واذا سلمنا جدلا انه بات الاستثمار على الطريق الصحيح، هنالك خطة تقضي باجراء المزايدة وتلزيم الآبار تدريجيا للاستفادة من احسن الشروط، وبالتالي تبدأ العائدات عند استخراج المواد الهيدروكاربونية بعد خمس سنوات، وترتفع الكمية تدريجيا، ولا تستقر الا بعد عشر سنوات على الاقل.

ان الجدول 2 اعلاه يأخذ بعين الاعتبار كل تلك المعطيات لبناء ارقام قريبة للمنطق. والجدير بالذكر انه عندما تتعدد الارقام العشوائية فهي تصحح بعضها البعض بدلا ان يتراكم من الخطأ. وقد اعتمدنا في هذا النموذج سعر البرميل 100 دولار اميركي واستخراج 90الف برميل يوميا[6] ؛ كما اعتمدنا استخراج 1.8 تريليون[7] غاز سنويا بسعر 3.4 دولار كل الف قدم مكعب.

واذا صح التصور المتواضع للمداخيل الناتجة عن استثمار قطاع النفط، يخشى ان يتراجع اجمالي الناتج المحلي من جراء تراجع عدد من النشاطات الاقتصادية يفوق حجم النشاطات المستحدثة. ولبنان اكثر ما هو معرض الى هذا الخطر لانه يعاني بالفعل من الداء الهولاندي منذ مطلع التسعينات وانتهاء الحرب الاهلية فيه. وبالتالي لا اسف على التأخير في استثمار قطاع النفط قبل وجود الحلول البنيوية التي تدرأ الخطر الداهم من جراء ارتفاع الاكلاف وتراجع الانتاجية وفرص العمل.

7 – تطبيق برنامج العمل

بدت كافة الاجراءات جاهزة للمباشرة في استثمار القطاع في مطلع عام 2013 سواء على صعيد مجموعة القوانين المنظمة للقطاع او لهيئة ادارة قطاع البترول وسائر الادارات المعنية بالنشاطات المستجدة. كما تقدمت الشركات العالمية من الحكومة اللبنانية بطلب الاشتراك في استثمار القطاع، وادى كل ذلك الى اطلاق عملية التأهيل  لتحديد الشركات التي بامكانها الاشتراك بالاستكشاف والانتاج على المدى البعيد. وكان من المقرر ان تبدأ اول دورة لاجراءات التلزيم في 2 ايار 2013 وتنتهي في 4 تشرين الثاني  من العام ذاته.

وكانت قد تأهلت اثنتاعشر شركة عالمية بصفة “مشغل” واربعة وثلاثون شركة بصفة “اصحاب حقوق” تشارك بالمجموعات المستثمرة. وبات من حق الشركات المؤهلة انشاء مجموعات للدخول بالمناقصات، على ان تضم كل مجموعة شركة لها صفة “المشغل” وشركتين على الاقل من “اصحاب الحقوق”. وتريثت الادارة في اجراء اول مزايدة نظرا لتأخر اقرار المرسوم، الذي يحدد الاجراءات التنفيذية، من قبل مجلس الوزراء.

منذ اعلان الشركات المؤهلة، في نيسان عام 2013 ، اجلت الادارة المزايدة خمس مرات، وهي مؤجلة الآن لاجل غير مسمى. لقد مضى عامان على عملية التأهيل، ولا يزال استحقاق التلزيم غير محدد. ومن الممكن ان يجري في الاسابيع القليلة المقبلة اذا ما صدر المرسوم، ولا شيء يحول دون ذلك، ولكن هل يصدره مجلس الوزراء بعد ان علقه كل تلك المدة؟ وعند صدوره هل لا تزال الشركات المؤهلة مستعدة للدخول في المزايدة؟ يطرح السؤال في ظل التغير الطبيعي للظروف الخاصة، ويزداد حرجا اذا ما استمر انخفاض اسعار النفط الذي يؤثر سلبا على جدوى المشروع بالنسبة لجميع الاطراف باستثناء المستهلك. تجد الادارة نفسها، باحسن الاحوال، امام 12 مجموعة مؤهلة لدخول المزايدة. هل ان هذا العدد يسمح بالحصول على افضل الشروط؟

تتصرف الادارة بحذر ولا تفصح عن قرارها في هذا المجال وكانها امام خيارين: الاول، اذا صدر المرسوم بفترة وجيزة، واستمرت الشركات المؤهلة للتشغيل على استعدادها، سوف تجري الادارة المزايدة؛ والا سوف تفتح دورة جديدة للتأهيل. وهنا لنا راي آخر. لقد طالت المدة وتغيرت الظروف واصبحت دورة جديدة للتأهيل مفيدة ان لم تكن ضرورية، وبالتالي الاعلان عنها يسمح للشركات القادرة على التشغيل والتي لم تتقدم في السابق، و/او تقدمت ولم تؤمن المواصفات المطلوبة، ان تهيئ نفسها، وهذا يعود بالافادة الكبيرة للبنان. وعلى سبيل المثال ان دولة النروج، العريقة في هذا المجال، تجري عملية التأهيل بشكل مستمر كل سنتين. ومن فوائد هذا التدبير انه يفسح المجال لشركات لبنانية ان تطبق المواصفات، لا سيما بالاندماج مع شركات عربية و/او اجنبية ودخول معترك التشغيل. وبالطبع يلاقي هذا التوجه مجابهة من قبل الشركات المؤهلة والمستعدة للتشغيل، حيث يستطيع العدد القليل القادم على المزايدات  المنافسة وتقاسم الرقع مع الحد الادنى من التضحية على حساب الخزينة اللبنانية. وقد تجري مزايدة تنافسية بين الشركات، وفقا “لاتفاقية الاستكشاف والانتاج” ، كلما زاد عدد المشركين كلما بات التفاهم صعبا فيما بينهم وكلما تحسنت شروط الدولة؛ علما انه يتناول التعاقد مدة طويلة ويجوز ان يستغرق الاستكشاف حتى عشر سنوات، والانتاج حتى ثلاثين سنة.

جدول 3    الشركات المؤهلة بصفة صاحب حق مشغل[8]

الولايات المتحدة Anadarko Petroleum Company
الولايات المتحدة Exxon Mobil
الولايات المتحدة Chevron
البرازيل PETROBRAS
ايطاليا Eni
فرنسا TOTAL
اسبانيا REPSOL
هولاندا SHELL
الدانمارك MAERSK
النروج Statoil
اليابان INPEX
ماليزيا PETRONAS

8- طرق تصدير الغاز اللبناني الى العالم

يقسم السوق العالمي للغاز الى ثلاثة اسواق جهوية: سوق اميركا الشمالية، السوق الاوروبي و سوق الشرق الاقصى. اما اسواق تصدير الغاز اللبناني فانها ستغطي السوقين الاوروبي و الشرق الاقصى. سيتم الوصول الى السوق الاوروبي عبر الانابيب البرية العابرة من لبنان الى سوريا فالى تركيا فأوروبا، او عبر ناقلات الغاز المسال (LNG ). اما الوصول الى اسواق الشرق الاقصى فسيتم حكما من خلال ناقلات الغاز المسال (LNG ). بالطبع، ان تطوير مرافئ تسييل الغاز الطبيعي يتطلب موجودات غاز ضخمة لا يمكن التأكد منها الا بعد حفر الابار الاستكشافية و التجريبية.

ان نقل الغاز بالانابيب او بالبحر يتطلب استثمارات وانشاءات ضخمة من مرافيء و معامل معالجة الغاز كما معامل تسييل الغاز و تخزينه. يجدر ذكره ان ثلاثة خطوط انابيب تصل لبنان بالجوار. الاول خط التابلاين الذي نقل النفط السعودي من القيصومية الى صيدا في لبنان لتصديره الى اوروبا. توقف هذا الانبوب في حرب 1967. الخط الثاني يصل كركوك بطرابلس لتصدير الغاز العراقي الى اوروبا  وتم ايقاف العمل بهذا الخط 1976 من قبل السلطات العراقية. و الخط الثالث يربط طرابس بالخط العربي الذي يربط مصر و الاردن و سوريا. ان نقل الغاز اللبناني غبر هذا الخط يتطلب امداد انابيب من بانياس الى تركيا فالى انبوب البلوستريم الروسي الذي يصل الى انقرة او خط شرق الاناضول-انقرة.

 – جهاز ومراحل التطبيق       

انجزت هيئة ادارة قطاع البترول خارطة الطريق ووافقت عليها الحكومة بتاريخ 27 كانون الاول 2012، وتم تأهيل الشركات على اساسها، واعلنت نتائج التأهيل في 18 نيسان 2013.  وكانت خطة الادارة اللبنانية للنفط والغاز، ولا تزال، تقضي باجراء الاستكشاف ومباشرة الانتاج في غضون سنتين او ثلاثة وعلى الاكثر خمس سنوات؛ على ان تنحصر المباشرة بخمس بلوكات على اقصى حد .

حدد المرسوم 10,289/2013 الانظمة والقواعد المتعلقة بالانشطة البترولية تطبيقا للقانون 132 الصادر بتاريخ 24/8/2010؛ كما حددت المادة 10 صلاحيات هيئة ادارة قطاع البترول؛ ونصت المادة السابعة على الشروط  المطلوبة للتأهيل، ومنها ان يستعين مقدم الطلب بممثل قانوني مقيم في لبنان، وان ينشئ صاحب الحق كيانا قانونيا فيه ويعين له مديرا عاما؛ وحدد الراسمال الادنى لصاحب الحق غير المشغل بما يوازي نصف مليار دولار اميركي، ولصاحب الحق المشغل بعشرة مليارات دولار؛ وان يكون له الاستعدادات الفنية الكافية للتنقيب حتى عمق 500 متر تحت قاع البحر.

وتقضي “اتفاقية الاستكشاف والانتاج” المبرمة بين الدولة وما لا يقل عن ثلاثة اصحاب حقوق، احدهم له صفة المشغل، بما في ذلك الملاحق النموذجية التي تشكل بموجب بنود الاتفاقية جزءا لا يتجزأ منها والتي تنظم العلاقة بين الدولة وأصحاب الحقوق من أجل القيام باستكشاف البترول و/او الغاز وإنتاجه في البلوكات المخصصة لهم من المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان. يُمنح هذا الحق من خلال عملية مزايدة تنافسية، ينظمها قانون الموارد البترولية في المياه البحرية، وانظمة وقواعد الانشطة البترولية.

يشمل قطاع النفط جميع عمليات التنقيب والاستخراج والتكرير والنقل، سواء بواسطة بواخر النفط او الانابيب، وتسويق المنتجات النفطية. تشمل فترة الاستكشاف حفر آبار الاستكشاف للتأكد من وجود المواد الهيدروكاربونية، ومن ثم التقويم الذي يقضي بحفر آبار التقويم لاجراء الاختبارات والتجارب بهدف تحديد نطاق المكامن وحدودها وخصائصها واثبات قابلية الموارد البترولية للاستخراج. تستغرق مرحلة الاستكشاف بين 5 و10 سنوات، لتبدأ بعدها مرحلة الاستخراج التي تمتد بين 25 و30 سنة.

9 – عائدات الدولة وفوائد الاقتصاد

حددت مبدئيا إتاوات الدولة 4 بالمئة من الغاز المنتج، وما بين 5 و12 بالمئة من النفط. وهذه النسبة سوف تحددها المزايدة؛

تتشاطر الدولة واصحاب الحقوق  ما تبقى بنسبة تحددها المزايدة؛ وترتفع حصة الدولة بعد ان يسترجع اصحاب الحقوق قيمة استثماراتهم؛ علما انه تتراوح كلفة كل بئر بين 120 و180 مليون دولار اميركي.

وتسدد الشركات المستثمرة كافة الضرائب التي يفرضها النظام الضرائبي اللبناني.

كما يُفرض على المستثمرين استخدام 80 بالمئة من الموارد البشرية من اللبنانيين، ومنح الصناعة اللبنانية 10 بالمئة افضلية . وتقدر نسبة الوظائف في النشاط المستجد 25 بالمئة وظائف ادارية و40 بالمئة وظائف تقنية وهندسية.

وقد صرحت هيئة ادارة قطاع البترول في ندوة النفط التي نظمت في جامعة ESA الفرنسية في 8 حزيران 2015 ان ارباح الدولة الناتجة عن الاتاوة و حصة الدولة في الربح و الضرائب على ارباح الشركات ممكن ان تتجاوز 75% من الربح العام مما يعتبر مرتفعا جدا. لكن هكذا رقم يتطلب تأكيدات علمية و عدت الهيئة باعطائها للرأي العام.

 

10 البيئة الاقتصادية الصالحة لاستثمار النفط

ذكرنا خطر استثمار النفط والغاز دون توفر بيئة اقتصادية حاضنة لهذا النشاط، وينبغي الآن وصف تلك البيئة وسبل الوصول اليها لتجنب الداء الهولاندي والاستفادة من عائدات تلك الثروة الطبيعية المستجدة.

كما وجدنا ان الاجراءات الاحترازية التي يمكن اتخاذها، لا سيما فرض 80 بالمئة من العمال لبنانيين و/او فرض افضلية 10 بالمئة للصناعة اللبنانية، تتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية ولا تجدي نفعا، اذ تؤمن باحسن الحالات العمل لبضع مئات من العمال ولا تضيف الكثير على رقم مبيعات الصناعة الوطنية.

10 أ – عائدات دون انتاج

عندما تتقاضى الدولة ضريبة من النشاط الاقتصادي، تتحول القدرة الشرائية من المكلفين الى الدولة، ولا يتغير شيئا بالقدرة الشرائية التي تعزز الطلب الكلي. ووفقا لمعادلات الدخل القومي يتعادل العرض والطلب على المدى المنظور، ويستقر الاقتصاد. ولكن عندما يُستخرج النفط يتقاسم الفرقاء، الشركات والدولة وكل من ساهم بالانتاج، مداخيل تختلف طبيعتها تماما. فاذ بالشركات وموردو الخدمات يتقاضون بدل اكلافهم واتعابهم، كسائر القطاعات الاقتصادية، تتمتع الدولة بعائدات صافية هدية من الطبيعة. عندئذ يفوق الطلب العرض المتوفر في البلاد، فيزداد  الاستيراد، وتتحسن شروطه وقدرته التنافسية، ويتراجع الانتاج المحلي، وتتقلص فرص العمل في البلاد.

يبدو هذا التصور حتمي اذا ما باشرت البلاد بانتاج النفط والغاز في البيئة الاقتصادية الراهنة، ويتسبب على المدى الطويل بانهيار ما تبقى من قطاعات الانتاج. وهذا ما حصل في لبنان من جراء تحويلات المغتربين ومساعدات الاسرة الدولية دون ان تتطور فيه الانتاجية لتوجيه القدرات المستجدة نحو الاستثمار. ولن يسلم قطاع الخدمات والانتاج غير المنظور لتأثره بالاكلاف، وان بنسبة اقل، فضلا عن حساسيته للاحداث السياسية والامنية.

10 ب تكوين البيئة المناسبة لاستثمار الثروة الجوفية

يتصف كل نشاط اقتصادي بميزات تفاضلية تعود الى الراسمال البشري وتفاعله مع الرأسمال المالي والتقني المدخر عبر الزمن و/او الطبيعي المتوفر في البلاد. ويشير اقتصاد السوق الى عوامل الانتاج الاكثر فعالية للقيام بالنشاطات الاقتصادية المجدية. وغالبا ما يدل ازدهار النشاط القطاعي عن ميزات تفاضلية عالية لجزء من عوامل الانتاح دون سواها، فتكون النتيجة قابلة لتحسين ملحوظ اذا ما تحسنت سائر عوامل الانتاج.

على سبيل المثال، يستقطب المناخ والاستقرار وجمال الطبيعة السياح قبل ان يباشر القطاع الخاص بالاستثمار بالفنادق والمطاعم والمناطق السياحية، ومن ثم قبل ان يعي الطلاب فرص العمل المقبلة في هذا المجال. وعلى المدى الطويل تتضافر العوامل لجعل الميزات التفاضلية ميزات تنافسية. وهنا يجدر البحث والمقارنة بين فعالية عوامل الانتاج وما تحققه بالنهاية على صعيد النمو والتنمية الشاملة . وهكذا ننتقل من انتاجية الطاقة البشرية الى انتاجية القطاع، عندما يبلغ مرحلة النضج الاقتصادي.

تفترض الاستفادة من الطلب الناجم عن استثمار الطاقة الجوفية امكانية تنمية العرض بالسرعة اللازمة والكفاءة المطلوبة، وهذا يستوجب انتاجية كافية تجذب الاستثمارات. ويتحقق ذلك عندما يبلغ الاقتصاد درجة عالية من “الانتاجية الشاملة لعوامل الانتاج” ، حيث يتم استخدام الراسمال البشري، والراسمال التقني، باقصى فعالية ممكنة.

10 ج معايير الانتاجية الفعالة

يستطيع الاقتصاد الاستفادة من خيرات الطبيعة المستجدة مع المحافظة على العمالة ومستوى المعيشة عندما يبلغ “الانتاجية الشاملة لعوامل الانتاج” . ولكن تبقى تلك الظاهرة نظرية ومن الصعب قياسها، لتوقع نتائج استثمار النفط والغاز على الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ورسم سياسة حكيمة في هذا المجال. الا انه يمكن مراقبة بعض المؤشرات لاستشراف تلك النتائج:

  • انخفاض عدد العاطلين عن العمل الى مستوى البطالة الاحتكاكية. وهذا يعني ان الاستثمار مجدي بشكل عام وتتوفر الفرص لكل الراغبين بالعمل؛ وبالتالي يجدر التوقع ان، في اغلب الظن، سوف تواجه دالة العرض ارتفاع دالة الطلب ويحافظ الاقتصاد على استقراره؛
  • كما يشير الاستثمار الكثيف بالصناعات التحويلية الى ارتفاع الانتاجية بشكل يضمن توجيه الطلب المستجد، مبدئيا بكميات وافية، نحو الانتاج المحلي، وتجنب تدهور الميزان الجاري وانهيار فرص العمل في البلاد.

10 د – اعداد البيئة الاقتصادية الحاضنة

تنتهي الدراسات الا قتصادية عادة بقائمة من المطالب، جميعها مفيدة، رغم تفاوت وطأتها على الاقتصاد. لا يسمح الظرف الحاضر بادراج المطالب والمقترحات العديدة لان الاقتصاد امام خطر داهم وفرصة نادرة.

الخطر الداهم هو ان تطلق الدولة عملية الاستكشاف  والانتاج قبل اعداد البيئة الحاضنة، فترتفع البطالة وتتفاقم الهجرة ويضمحل الراسمال البشري وتتسع رقعة الفقر رغم النمو، وتتفاقم وتيرتي التطور الاجتماعي بين الميسورين والمهمشين وتتعرض البلاد اكثر فاكثر الى المشاكل السياسية والهزات الامنية؛

اما الفرصة هي ان تستغل الطاقة البشرية الواسعة القادرة على الانتاج والتي لم تدخل سوق العمل بعد. تنحصر القوى العاملة في لبنان بنسبة 45 بالمئة على الاكثر من السكان في سن العمل. وترتفع تلك النسبة في الدول المتقدمة الى 65% على الاقل. يوجد خزان هائل على استعداد لدخول سوق العمل اذا ما تسنت الظروف المؤاتية لعمل الشباب والمرأة حيث نجد البطالة القسوى.

اما الاجراءات، فهي نفسها التي يعتمدها مصرف لبنان، منذ حين، تارة لتشجيع الاستثمار وطورا لدعم الاستهلاك. الا ان العمل القطاعي لا يعوض بشكل كاف عن العمل الشامل على الصعيد الاقتصادي. وهذا يوحي بافضلية استعمال عائدات النفط لسد عجز الخزينة قبل التوظيف بالبنية التحتية وسائر المشاريع. وبالتالي تحرير الفوائد والالتحاق بالنسب العالمية التي تتمتع بها العملات الثابتة، حيث دون ذلك من المستحيل ان يستعيد الاقتصاد قدرته التنافسية وطاقته على الانتاج والتصدير.

ويتبع ذلك سياسة مالية حكيمة، تستفيد من عائدات النفط والغاز لتخفف الضرائب عن كاهل المواطن بدلا من زيادتها لمواجهة العجز الذي سببه الانفاق بالقاعدة الاثناعشرية. وينبغي على الدولة، في هذا المجال، ولوج سياسة خاصة للمؤسسات المكروية لتشجيعها على الخروج من القطاع المكتوم، والقيام باعبائها الضريبية والاجتماعية، ووضع حد للمنافسة غير المشروعة.

ويبقى ثابتا ان الثروة الحقيقية هي بالطاقة البشرية، وتعود الاولية الى قطاع التعليم، الذي لحسن الحظ يحافظ على مستوى مميز في الشرق،  وضرورة التنسيق مع الحاجات المستقبلية للنشاطات الاقتصادية، والمحافظة على بقاء الشباب في البلاد، وايجاد لهم فرص عمل تؤمن مستقبلا زاهرا .

 

11- نحو سياسة نفطية اكثر تكاملية و حوكمة اكثر تطورا

اولا: لسياسة نفطية متكاملة

ان ما يلفت النظر، مقارنة مع البلدان المتطورة وحتى النامية ان لبنان اختار الانطلاق والسير بالاستكشاف والانتاج من دون سياسة نفطية(ENERGY POLICY ) ذات اهداف اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية واضحة.

ان القاء نظرة سريعة على ادارة شؤون الطاقة في اي بلد غير منتج  وليس بالضروري أن يكون متطورا، نرى في رأس هرم ادارة قطاعات الطاقة او النفط، سياسة للطاقة لثلاثين عامًا ذات اهداف محددة مرفقة بخارطة طريق، ونرى أنه في بعض البلدان، تكون هذه السياسة مرفقة ببرنامج عمل موسع وتتم المصادقة عليها من ممثلي الشعب: جمعيات عامة أو مجالس نيابية.

ان نوعية اهداف سياسة الطاقة هي التي تحدد بدقة نوعية الحوكمة والمسؤوليات وتوزيع الادوار بين مؤسسات الادارة العامة كما طرق الإدارة اليومية. فالمعادلة بسيطة، تعتمد على مبدأ متين وبسيط: مصادر الطاقة  الاحفورية غير متجددة، فأي خطأ في حوكمة الانشطة يؤدي الى ضياع الثروات نهائيا والعبث بالمجتمع وضعضعة اقتصاديات الاجيال الطالعة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، ان اللجوء الى مصادر الطاقة المتجددة بشكل مكثف لتوليد الكهرباء أو تطوير مصافي البترول أو التفكير بانشاء تخزين جهوي للهيدروكاربونات او تطوير مرافق جهوية للخدمات البترولية أو تشجيع الصناعات البتروكيميائية أو ادارة العائدات يتعلق بشكل اساسي بالاهداف المحددة بسياسة الطاقة في لبنان. فبعد تحديد الاهداف يتم اختيار الحوكمة الموائمة لأهداف السياسة الطاقوية.

بجملة مفيدة “قل لي ما هي سياسة الطاقة في لبنان للعشرين او الثلاثين سنة القادمة، أقول لك أية حوكمة تناسب هذه السياسة”.

أولا، السياسة النفطية:

يتوجب اعطاء أهمية قصوى في هذه السياسة للرقع الجنوبية الملامسة لحدود فلسطين المحتلة لسببين:

– كون الاسرائيلي اكتشف النفط ويعمل على تطوير الحقول الفلسطينية البعيدة عدة كيلومترات من الحدود اللبنانية مما يرفع احتمال وجود النفط في مناطقنا القريبة من هذه الحقول.

– حماية موجوداتنا النفطية من أية عملية ضخ باتجاه المحطات الاسرائيلية العاملة في فلسطين المحتلة.

ويتوجب ثانيا أن تغطي أية سياسة نفطية متكاملة القطاعات كافة من التوزيع والمصافي أو ما يسمى “داون ستريم” الى التخزين والنقل أو ما يسمى “ميدستريم” الى الاستخراج والانتاج او ما يسمى “ابستريم”.

يتوجب ثالثا على السياسة النفطية معالجة التكوين المهني، البحث العلمي، ادارة العائدات والحوكمة والشفافية.

 

  • الداون ستريم:

– على اللبناني أن يستفيد من انخفاض اسعار النفط والغاز واستيراد الغاز الطبيعي اليوم قبل الغد، حيث ان سعره الجهوي قد انخفض الى أقل من الثلث، والعمل على استخدامه كسلعة اساسية لانتاج الكهرباء وكمواد خام لتطوير الصناعات البتروكيميائية القادرة على خلق وظائف عمل مستدامة ذات مستوى رفيع (يد عاملة ماهرة). يمكن ان نذكر من هذه الصناعات: وقود الميتانول، الاسمدة، المنظفات، المواد تحت الاسم الشائع بلاستيك كالاتيلان والبوليتيلان والاقمشة.

– تطوير المرافق البحرية لاستقبال الغاز السائل وتغويزه كما يتوجب انشاء انابيب لايصال الغاز الى معامل الكهرباء والى المصانع البتروكيميائية ولمَ لا الى المنازل.

– يعتبر الغاء المصافي البترولية في اواخر السبعينيات خطأ استراتيجي كبد ويكبد المواطن اللبناني والاجيال الطالعة قسما كبيرا من الدين العام.

لقد استورد لبنان وما يزال المشتقات البترولية من مصافي جنوب اوروبا وفق الاسعار العالمية، مع العلم ان هذه المصافي تستورد النفط وفق اسعار “السبوت” التي لامست منذ سنة ونصف ربع السعر العالمي للنفط. وللتذكير فقط فان اسواق “السبوت” شرعية مئة بالمئة وتطبق حاليا اكثر على الغاز الطبيعي المسال، فلو بقيت هذه المصافي وتم تأهيلها لاستوردنا النفط الخام بأسعار “السبوت” ولاشترى المواطن اللبناني الوقود باسعار أقل او زادت مداخيل الدولة عبر الضرائب على الوقود، وتم انتاج الكهرباء بكلفة اقل كون الوقود اقل سعرا.

ان انشاء مصافٍ يعتبر حجر الزاوية ليس فقط في خفض اسعار الوقود او الاستفادة من الضرائب لكن لتأمين الاستقلال الوقودي للبنان.

 

  •    “الميدستريم”: تخزين ونقل

من غير الطبيعي ان لا نفكر بتخزين استراتيجي للنفط كون لبنان بلدا غير منتج (حتى الان). فهذه اولوية يتوجب دراستها تقنيا لتحديد كيفية التخزين الاستراتيجي طويل الامد.

كيف يمكن للبنان أن يأخذ دورا على الخارطة الجهوية  للنفط حتى لو لم يكن منتجا للنفط؟  في اوائل التسعينيات، فكرت احدى الشركات العالمية بانشاء مركز جهوي لتخزين الغاز الطبيعي المسال في لبنان لتصديره بعد ذلك بالمفرق الى السوق في شرق المتوسط…. الا يجدر ان نفكر من جديد بهكذا مشروع؟ حاليا يتم تسويق الغاز الطبيعي المسال من تركيا. قبلها من مصر. فلم لا نفكر بدراسة جدوى حقيقية لهكذا مشروع.

اما ما يخص النقل، فربط مرافئ استقبال الغاز الطبيعي المسال بمعامل الكهرباء وبالمصانع يعتبر اولية قصوى. يتبع ذلك دراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لمد انابيب غاز الى المدن ولم لا القرى.

 

  •       “الابستريم”: التنقيب والانتاج

اذا بدأ التنقيب اليوم وتم التأكد من وجود النفط او الغاز بكميات تجارية في السنة القادمة فسيبدأ الاستخراج بعد 7 الى 9 سنوات.

ان نظام التعاقد المعمول به حاليا هو نظام تقاسم الانتاج وفق قانون الموارد البترولية في المياه اللبنانية الصادر في العام 2010. يلحظ هذا القانون امكان مشاركة الدولة عبر حصة معينة في انشطة الاستكشاف والانتاج. كما يلحظ امكان انشاء شركة بترول وطنية اذا تم التأكد من وجود بترول في المياه اللبنانية بكميات تجارية.

تعتبر مساهمة الدولة بانشطة التنقيب والانتاج منذ البداية عبر شركة وطنية مملوكة كاملة من الدولة أو شركة مساهمة مع الصوت المرجح للدولة عصب تطوير الصناعة البترولية من “الداون ستريم” الى “الابستريم”. عكس ذلك يعتبر غير طبيعي، فالشركة الوطنية تخول لبنان السيطرة الكاملة على آليات التنقيب وتطوير الحقول والانتاج والتسويق العالمي ويسمح بمراقبة الشركات العاملة في لبنان عن قرب. عند ذلك يعتبر لبنان مشاركا في الانتاج كما يفرض قانون 2010 (وليس فقط مشاركا في الارباح كما هي الحال الان).

من الضروري جدًا دراسة جدوى تطوير قانون 2010 ليأخذ بعين الاعتبار المعطيات الجيولوجية الحقيقية للنظر بامكانية لحظ عدة انواع من العقود مع الشركات المستثمرة بما فيه الشركة الوطنية اللبنانية كالامتيازات او الخدمات على سبيل المثال بالاضافة الى تقاسم الانتاج المعمول به الان.

ومن خصائص صناعة “الابستريم” انها تجلب استثمارات ضخمة خلال مرحلة تطوير الحقول وبناء منشات المعالجة والتصدير تتجاوز عدة بليونات من الدولارات. وتعمل الشركات الاجنبية على تشغيل الاف العمال المهرة لفترة معينة تحدد وفق خطط التطوير. في مرحلة الانتاج، ينخفض عدد العمال الى بضعة مئات فقط. لكن وجود شركة وطنية (للدولة او رأسمال مختلط)، سيساعد على خلق وظائف عمل مستدامة ويساعد ايضا من خلال الارباح الداخلية والخارجية على زيادة الدخل.

 

  • تحديد وتطوير مواقع المنشات النفطية للتكرير والمعالجة والتصدير:

ان تحديد المواقع يخضع لعوامل عدة، أهمها توافر المساحات الشاسعة والمسافة من المكامن النفطية المنتجة. لكن الوضع في لبنان اسهل مما نتصور، فهناك اصلا مرفآن نفطيان ما زالا على خارطة النفط العالمية وهما طرابلس (موقع مصفاة شركة النفط العراقية) والزهراني (موقع مصفاة التابلاين/ارامكو السعودية). ان وجود مرفأين لاستقبال وتصدير النفط والغاز يعتبر كافيا لاستيراد الغاز والنفط حاليا في مرحلة ما قبل الانتاج وللتصدير لاحقا. ومن الضروري اطلاق الدراسات الهادفة الى التطوير السريع لهذه المرافق.

 

  •   البحث العلمي المتعلق بالطاقة:

برغم توافر المقدرات العلمية في لبنان، نجري الدراسات الاستراتيجية كالتحاليل الجيولوجية والجيوفيزيائية التي تحدد مقدرات الجمهورية اللبنانية المستقلة(النفط والغاز والمناجم) منذ العام 1943 حتى الآن خارج لبنان. في المقابل، ليست الحال هكذا في اسرائيل حيث معهد الجيوفيزياء الوطني هو من يقوم بتحاليل المعطيات الجيولوجية الناتجة عن الاستكشافات في الاراضي والمياه الفلسطينية المحتلة. وليس هذا هو واقع الحال في روسيا أو ايطاليا او الجزائر حيث المعاهد الوطنية هي التي تقوم بهذه التحاليل وتبقى النتائج سرية ولا يتم تداولها بالاعلام.

ان انشاء معهد جيولوجي وطني لشؤون النفط على غرار البلدان المتطورة ضرورة ملحة مما يسمح للدولة وشركتها الوطنية الاعتماد على رأي علمي مستقل غير متأثر بالسياسات النفطية الخارجية..

من ناحية أخرى، يتوجب انشاء مكتب وطني لاجراء الدراسات الاستراتيجية التي تخص تطوير الحقول والمنشآت من النواحي التقنية والاقتصادية والاجتماعية مما يسمح للمسؤول اللبناني الحصول على استشارات مستقلة تماما عن مجموعات التأثير الدولية او تلك التابعة لشركات مهتمة بالاستثمار في لبنان.

بالطبع، تخضع هذه المعاهد للرقابة العلمية الدقيقة للتأكد من صدقية الاستشارة او النصيحة التي تسديها هذه المؤسسات العلمية للدولة اللبنانية.

في موازة ذلك، المطلوب حث الجامعات ومختبرات الابحاث اللبنانية على القيام بأبحاث تخص الطاقة والمناجم والبترول يعتبر هدفا لوضع لبنان من جديد على خارطة البحث العلمي العالمية.

 

  •  تطوير المهارات:

ما من شك ان لبنان يحتوي مهارات جمة في كافة المجالات. لكن من الضروري العمل على تطوير المناهج الجامعية والمهنية لكي تستطيع مواكبة حاجات صناعات الطاقة التي تتطور بسرعة فائقة. ان تطوير المناهج وانشاء معاهد محلية لتكوين الشباب اللبناني في مجال الطاقة يسمح بالتقليل من الاعتماد على اليد العاملة الاجنبية وليس ذلك فقط بل يسمح في تصدير هذه اليد العاملة الى الخارج وخاصة على يد الشركة الوطنية اللبنانية للبترول.

 

ثانيا، الحوكمة:

تستند حوكمة قطاع البترول إلى أربع زوايا اساسية بالاضافة الى الوزارة وهي: الهيئة الناظمة، شركة البترول الوطنية، مكتب الانتاج الرشيد، المعاهد العلمية(معهد الجيوفيزياء ومكتب الدراسات الاستراتيجية).

 

  •  الهيئة الناظمة:

تغطي مهمتها كافة عناصر سلسلة القيم البترولية من الداونستريم (مصافي، استقبال غاز مسيل وتسويق) مرورا بالميدستريم (تخزين ونقل) وحتى الابستريم (تنقيب واستخراج) كما الانشطة البترولية بالبر والبحر. مهمتها الاساسية تطوير الاطر القانونية والمعايير التقنية والسلامة العامة والبيئة، كما مراقبة الانشطة البترولية التي تجري في لبنان عن قرب. تخضع الهيئة للتدقيق والرقابة العلمية والتقنية بشكل دائم للتأكد من صحة الاراء التي ترفعها للوزارة او الحكومة.

 

  •  الشركة الوطنية:

من الطبيعي انشاء شركة بترول وطنية لاستغلال المقدرات النفطية في لبنان، وتكون مهمتها القيام بنشاطات بترولية كتطوير المصافي ومراكز الغاز المسال كما النقل والتخزين والاستكشاف والاستخراج. يمكن للشركة الوطنية التعاقد وفق القانون اللبناني مع شركة غير لبنانية للقيام بانشطة بترولية. تخضع للرقابة العلمية الدقيقة. كما تخضع للرقابة الادارية والمالية التي تقوم بها الدولة اللبنانية مع مؤسساتها.

 

  •  مكتب الانتاج الرشيد:

ان مكتب الانتاج الرشيد مكتب علمي بحت، مهمته اعطاء الشورى والنصيحة للهيئة الناظمة والشركة الوطنية في ما يخص طرق الانتاج الرشيدة التي يتوجب تطبيقها من قبل المشغلين لتفادي استعمال طرق انتاج غير متطورة او طرق انتاج  تهدف الى تكثيف الانتاج في مرحلة ما مما يؤدي الى تشويه المكمن وخصائص الانتاج فيه. فتقل فعالية المكمن في الامد الطويل وينخفض معدل الانتاج النهائي.

يخضع هذا المكتب للرقابة والتدقيق العلمي والاداري.

 

  •  المعاهد العلمية: معهد الجيولوجيا ومكتب الدراسات الاستراتيجية للبترول والتعدين 

تعتمد الحكومة والهيئة الناظمة كما مكتب الانتاج الرشيد على الدراسات التي تجريها هذه المعاهد لتحديد المقدرات البترولية في لبنان ولتحديد خطط التطوير كما الخيارات الاستراتيجية للطاقة. تخضع هذه المعاهد لمراقبة علمية دقيقه كما لمراقبة مالية وادارية، للتأكد من صحة الاراء العلمية التي ترفع من هذه المعاهد الى الهيئة الناظمة، كما الشركة الوطنية كما مكتب الانتاج الرشيد.

 

  •  المجتمع المدني:

لا ينحصر دور المجتمع المدني في المشاركة بالنقاشات العامة التي تخص قطاع الطاقة. انما يجدر ادخال ممثلين عنه الى الهيئات الرقابية أو تلك المخولة متابعة الاعمال او المشاريع النفطية. على سبيل المثال، يجب لحظ وجود ممثلين للمجتمع المدني في مجلس ادارة الهيئة الناظمة او المؤسسات العلمية الاخرى كما في مجالس الرقابة العلمية كما في لجان المتابعة التقنية للعمليات التي يمكن أن تؤثر على المجتمع والبيئة.

 

 

ثالثا،  الشفافية:

ان انضمام لبنان الى جمعيات عالمية خاصة بمكافحة الفساد لا يكفي لجعل قطاع النفط قطاعا نظيفا.ان ما تحتاجه الصناعة النفطية، الدخول بتفاصيل اخذ القرار من التوصية الى التوقيع فالتطبيق، كما تحتاج الى الولوج بتفاصيل العمليات التقنية من التصاميم الاولية الى التنفيذ وعمليات ما بعد التنفيذ.

للرقابة العلمية والتقنية مكان هام في محاربة الفساد وخصوصا في رفع التوصيات التي يستند عليها لاتخاذ القرار الرسمي اللبناني كما مراقبة المشغلين.

فهل نعتمد في محاربة الفساد قانونا خاصا بالطاقة؟

من الضروري أن تتضمن السياسة النفطية فصلا خاصا لمحاربة الفساد يأخذ بعين الاعتبار كافة التفاصيل التقنية والعلمية بالاضافة الى التفاصيل الادارية.

ملحق 1

المادة 10:    هيئة إدارة قطاع البترول[9]

– تنشأ بموجب هذا القانون هيئة تسمى «هيئة إدارة قطاع البترول» تتمتع بالاستقلالين المالي والإداري ترتبط بالوزير الذي يمارس عليها سلطة الوصاية، وتخضع بعض قراراتها المالية والإدارية لتصديقه، وفق ما يرد في مرسوم تنظيمها.

كما تخضع لأنظمتها الداخلية وأحكام هذا القانون وهي لا تخضع لأحكام النظام العام للمؤسسات العامة المصدق بالمرسوم رقم 4517 ولا لمجلس الخدمة المدنية بل تخضع لرقابة ديوان المحاسبة اللاحقة.

– يعيّن مجلس إدارة الهيئة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير ويحدد نظامها وأصول عملها وأصول التوظيف فيها وسلّم الرتب والرواتب بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير، وتناط بها الصلاحيات التالية:

أ- وضع دراسات لجهة الترويج للموارد البترولية المحتملة في لبنان.

ب – رفع تقرير إلى الوزير حول تقويم مؤهلات وقدرات مقدمي طلبات الترخيص للحقوق البترولية.

ج – إعداد مشاريع دعوات المشاركة ودفاتر الشروط والتراخيص والاتفاقيات المرتبطة بها وفقاً لأحكام هذا القانون.

د- معاونة الوزير بالتفاوض حول اتفاقيات الاستكشاف والانتاج ورفع تقارير حول نتيجة هذه المفاوضات للوزير لاتخاذ القرار النهائي في مجلس الوزراء.

هـ – الادارة والمتابعة والإشراف والمراقبة على الأنشطة البترولية وحسن تنفيذ التراخيص والاتفاقيات ووضع تقارير دورية فصلية بهذا الشأن ورفعها للوزير للتصديق عليها.

و – تقويم خطط تطوير الحقول ونقل البترول ووقف الأنشطة البترولية وإزالة المنشآت.

ز – إدارة بيانات الأنشطة البترولية.

ح – مسك وإدارة السجل البترولي.

 

 

ملحق 2

ازمة اسعار النفط  و انعكاساتها على تطوير قطاع الاستكشاف و الانتاج في لبنان

 

منذ اكثر من عام و اسعار النفط و الغاز تتابع السقوط حتى وصلت الى اقل من 30 دولار لبرميلي تكساس (WTI)  وبحر الشمال (Brent) والى اقل من 26 دولار اميركي لبرميل فنزويلا. بعد ان تعدى السعر 130 دولار اميركي للبرميل كما يوضحه البيان التالي.

 

رسم بياني لاسعار البرنت منذ 1987 و حتى 2016

 

اما اسعار الغاز الطبيعي المنقول في الانابيب كما الغاز المسال فقد فقدت اكثر من نصف اسعارها. فيباع الغاز المسال في اسواق اسيا حاليا بحوالي 6 الى 7 د.ا بدل 17 الى 23 د.أ. اما غاز الانابيب فيباع باسواق المشرق ب 4 ال 5,5 د.أ بدل 9 الى 13 د.أ وفي اسولق اوروبا من 6 الى 7 د.أ بدل مع 10 الى 14 د.أ.

ان ما تجدر الاشارة له ان ازمة الاسعار هذه ترافقت بهبوط عدد منصات التنقيب و الانتاج بحوالي الثلث و حتى النصف بعدة بلدان منتجة للنفط و بافلاس عدد هائل من الشركات الصغيرة و المتوسطة المتخصصة بالنفط الغير اعتيادي كالنفط الصخري و تسريح عشرات الالاف من الاختصاصيين في كافة بلدان العالم. زد على ذلك  هبوط الاستثمارات من حوالي الثلث الى النصف في كافة الشركات النفطية العظمى مما اوقف اية مشاريع جديدة في المناطق التي لم تشهد اية اكتشاف و تم تجميد مشاريع غاز ضخمة في روسيا و كندا و اوسترالية و نيجيريا و انغولا بانتظار ايام افضل. نتيجة هذا الوضع توقفت استثمارات البنية في الدول ذات الاقتصادات المعتمدة على النفط في افريقيا و بعض البلدان العربية فأغلقت الشركات الهندسية و مصانع البناة في اطراف مختلفة من العالم.

اما في بلدان كروسيا ادى هبوط اسعار النفط الى هبوط سعر صرف الروبل بالنسبة للدولار الى النصف تقريبا من دون اثر ظاهر على الحياة الاجتماعية.

في اسكتلندا، تاثرت الحياة الاقتصادية بشكل واضح و تم اغلاق منصات انتاج عدة و تسريح الاف الاختصاصيين.

لكن في بلدان متطورة كالنروج، بالطبع اثر هبوط الاسعار على دينامية استكشاف و استخراج النفط من دون اي اثر في النواحي الاجتماعية.

من ناحية أخرى، فان هبوط الاسعار ادى الى التحول نحو صناعات الداونستريم و تطوير مصافي النفط و مصانع البتروكيميائيات بشكل سريع مما سيسمح للشركات العملاقة بالحد من الخسائر المالية و بخلق عدد لا يستهان به من وظائف العمل الطويلة الامد في البلدان المنتجة كما هي الحال في روسيا و الجزائر و السعودية و ايران و العراق ومصر او بلدان الترانزيت كتركيا او الاستقبال كالهند و الصين و كوريا.

في خضم هذه الصورة المعقدة ما هو موقع لبنان و ما مدى تأثير هذه الازمة على الواقع النفطي  ؟

لا يخف على المراقب المستقل ان يلاحظ ان هبوط الاسعار العالمية قد انعكس على سعر المحروقات المستعملة في النقل و انتاج الكهرباء. فقسمت ميزانية النقل للمواطن بحوالي النصف مما يعني توفير 100 الى 200 دولار اميركي شهريا. وهبطت ايضا كلفة انتاج الكهرباء التي تعتمد في لبنان على المشتقات السائلة الى حوالي 60 % مما يعني وفرا سنويا على الخزينة بحوالي المليار و النصف مليار دولار.

لكن هل يمكننا القول ان لبنان استفاد كليا من هبوط اسعار النفط؟ بالطبع لا. علينا ان لا ننس ان هبوط اسعار النفط يتبعه هبوط اسعار الغاز الطبيعي بما فيه الغاز المسال. فالسعر الجهوي الحالي للمليون وحدة حرارية انكليزية الناجمة عن الغاز المسال تناهز ال 6 أو 7 د.أ . بينما كان هذا السعر يناهز 17 – 23 د.أ منذ عامين. فلو كان لبنان مؤهلا لاستقبال ناقلات الغاز المسال و انابيب نقل الغاز الى معامل الكهرباء لتم توفير اكثر من ملياري د.أ على الفاتورة النفطية. زد على ذلك، ان عدم وجود مرافئ استقبال غاز طبيعي و أنابيب نقل غاز الى المناطق الصناعية حيث يمكن ان يستعمل هذا الغاز ليس فقط كوقود لكن كمواد أولية زهيدة السعر لتطوير الصناعات البتروكيميائية و خلق وظائف عمل عديدة كما هي حال تركيا البلد المستورد للمحروقات، اضاع على لبنان فرصة  ثمينة في تطوير اقتصاده لا يمكن ان تعوض.

اما السؤال الاخر الذي يطرح نفسه بشكل طبيعي يتعلق بالأثر على صناعة الاستكشاف و الانتاج التي، كما قلنا انفا، انها في طور الولادة العسيرة … فهل نكمل المشوار ام  نوقفه بانتظار تحسن الاسعار؟

بالطبع اننا امام معضلة ناتجة عوامل متناقضة : فمن جهة اذا اكملنا المزايدة وبدأنا الاستكشاف فلن يبدأ الانتاج قبل 7 الى 10 سنوات، خلال هذه الفترة يمكن ان ترتفع الاسعار من جديد لكن معادلة تقاسم الربح بين الشركات المستثمرة و الدولة تحدد الان اخذة بعين الاعتبار مخاطر عدة منها ازمة الاسعار الحالية و ستكون نسبة الارباح التي ستبدأ الدولة بالحصول عليها لاحقا اقل مما لو كانت الاسعار مرتفعة الان.  في هكذا ظروف تقوم بلدان عديدة بالتكفل  بعمليات الاستكشاف لتأكيد محتوياتها النفطية تجري بعدها مزايدات لتطوير الحقول و الانتاج. ان تأكيد المحتويات النفطية يقلل المخاطر و خاصة تلك الناتجة عن هبوط الاسعار مما يحسن حصة الدولة من الانتاج و الربح. بالتأكيد لا يمكن ان نطبق هذه القاعدة على لبنان، فمن جهة القوانين الحالية لا تسمح بفصل الاستكشاف و التنقيب عن الانتاج و من جهة أخرى ليس بمقدور الدولة صرف مئات الملايين من د.ا للاستكشاف نتيجة الوضع الاقتصادي المتأزم.

رغم ذلك، على الدولة اللبنانية الانتهاء من تحضير الاطار القانوني للمزايدة الاولى وخاصة الموافقة على المراسيم التطبيقية التي تخص تقسيم المياه الاقتصادية اللبنانية الى رقع و تلك التي تخص اتفاقية المشاركة في الانتاج مع اجراء التعديلات اللازمة لتأمين حصة مرموقة للدولة و الانتهاء من تحضير مسودة القانون الضريبي الخاص بالانشطة البترولية كما يلزم قوننة التلزيم التدريجي للرقع. كما يلزم تأهيل شركات جديدة لرفع المنافسة بين المستثمرين و بعد ذلك متابعة المزايدة الاولى.

فان عرضت الشركات نسبة انتاج و ربح مرتفعة للدولة يتم تلزيم رقعة او رقعتين فقط و اذا كانت نسبة الانتاج و الربح منخفضة فلا يتم اية تلزيم، و يتم البدء بتحضير دورة مزايدة جديدة مع تعديلات الاطر القانونية بما فيها القانون بحد ذاته للسماح باجراء الاستكشاف و التنقيب منفردا عن الانتاج لمواجهة اية ازمة اسعار جديدة.

 

للإطلاع على محور “النفط والغاز” كما ورد في الكتاب اضغط Ch08-v5 معادلة النفط والغاز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى